سانديوس

سانديوس كودي:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

        لا يحتاج الأمر لعناء لتكتشف وأنت تتجول بين صفحات رواية موسم الهجرة الى الشمال أن الطيب صالح هو ليس مجرد كاتب روائي جيد أو مبدع ، بل هو كاتب عبقري بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، الرواية التي صدرت في ستينات القرن الماضي كتبت بلغة رفيعة وإسلوب متقدم على ذلك الزمن ، اسلوب يجعل الرواية تصلح لأن تقرأ في أي زمان ومكان كعمل يفوق الأعمال الحديثة إبداعاً ،  ما يبين عبقرية الطيب صالح في الرواية هو إستخدامه لبطل غريب في تصرفاته وبالغ في الغموض مثل مصطفي سعيد الذي يقول عن نفسه في مستهل الرواية :

” ألا إنني منذ صغري كنت أحس بأنني …. أنني مختلف، أقصد إنني لست كبقية الأطفال في سني ، لا أتاثر بشيء ، لا أبكي اذا ضربت ، لا أفرح إذا أثنى علي المدرس في الفصل، لا أتألم لما يتألم له الباقون ، كنت مثل شيء مكور من المطاط ، تلقيه في الماء فلا يبتل ، ترميه على الأرض فيقفز “.

وزميلة دراسة له في القاهرة كانت قد أحبته ثم كرهته ، قالت له:

“أنت لست إنساناً ، أنت آلة صماء “.

أما مسز روبنسون التي إستقبلته حين حل بالقاهرة لأول مرة هي وزوجها ، فهي كانت تقول له :

” أنت يا مستر سعيد إنسان خالي من المرح تماماً “

بطل بهذا الغموض والغرابة كان يصعب لأي راوي أن يستخدمه بسهولة في أي عمل عادي، ما بالك  برواية كتبت لتعالج امراً معقداً مثل الصراع بين الشرق العربي/الافريقي والغرب في ذاك  الزمن  الذي كانت فيه أغلب دول الشرق الأوسط ترزح تحت نير الإستعمار الأوربي ، بالإضافة لأنها كتبت في الفترة التي أعقبت الإستعمار مباشرة حيث إن بعض ما فعله المستعمرون كان لازال عالقاَ في نفوس ذلك الجيل الذي عاصر فترتي الاستعمار والاستقلال ، ويبان هذا في ما يحكيه المأمور السوداني المتقاعد للبطل الثاني في الرواية حين يلتقيه في طريق الخرطوم الأبيض، حيث يقول المأمور عن الأنجليز :

” كانوا يتصرفون كالآلهة ، يسخروننا نحن الموظفين الصغار أولاد البلد لجلب الجبايات، ويتذمر الناس منا ويشكونا للمفتش الانجليزي ، وكان المفتش طبعا هو الذي يغفر ويرحم ، هكذا غرسوا في قلوب الناس بغضنا ، نحن أبناء البلد، وحبهم هم المستعمرون الدخلاء “.

استطاع الطيب صالح أن يقدم تلك التعقيدات في عمل جميل ومهضوم ومشوق لا يمله القارئ ولو قرأه عشرات المرات، خاصة وأنه إستطاع أن يدس بين صفحات الرواية – التى تدور أهم أحداثها في بريطانيا – العديد من المشاهد التي تعكس صور الحياة اليومية البسيطة لسكان إحدى قرى شمال السودان ، بالاضافة لمشاهد تلك الرحلات التي كانت تتم موسمياً بين العاصمة وشمال السودان ، والتي صورت ببراعة كاملة باستخدام أبلغ أساليب الوصف والتشبيه ، وتلك إحدى الجوانب التي أجاد فيها الطيب صالح تماماً لدرجة أن البعض يصفه برائد الواقعية السحرية في الرواية العربية ، فإسلوب الوصف كان مدهشاً عنده ، ينقل تفاصيل الأوجه والأمكنة ببراعة ، فهو يقول على لسان الرواي حين يصف مصطفى سعيد :

” دققت النظر في وجهه ، وهو مطرق ، إنه رجل وسيم دون شك ، جبهته رحبة ، وحاجباه متباعدان ، يقومان أهلة فوق عينيه ، ورأسه بشعره الغزير الأشيب متناسق تماماً مع رقبته وكتفيه ، وأنفه حاد منخاراه مليئان بالشعر . ولما رفع وجهه أثناء الحديث ، نظرت إلى فمه وعينيه ، فأحسست بالمزيج الغريب من القوة والضعف في وجه أقرب إلى الجمال منه إلى الوسامة . ويتحدث بهدوء ، لكن صوته واضح قاطع . حين يسكن وجهه . وحين يضحك يغلب الضعف على القوة . ونظرت إلى ذراعيه ، فكانتا قويتين ، عروقها نافرة ، لكن أصابعه كانت طويلة رشيقة ، حين يصل النظر إليهما بعد تأمل الذراع واليد ، تحس بغتة كأنك انحدرت من الجبل إلى الوادي” .

الوسامة التي يصف بها الراوي بطله ربما هي التي جعلته يحول غرفة نومه الي ساحة حرب في رحلة بحثه عن ثاره من الغرب المستعمر مستغلاً ذكاءه الحاد في نصب شراكه المحكمة للايقاع بالأوربيات المفتونات بكل ما غريب عنهن ، ابتدءاً  بقروية ضاحية “هل” شيلا غرينود التي أغراها بالهدايا والكلام المعسول والنظرة التي ترى الشيء ولا تخطئه ، كانت تقول له :

” ما أروع لونك الأسود ، لون السحر والغموض والأعمال الفاضحة “.

شيلا، التي إنتحرت دون معرفة سبب انتحارها، يقف مصطفى سعيد امام المحكمة ليواجه تساؤل هيئتها :

لماذا انتحرت شيلا غرينود يا مصطفى سعيد؟

ثم ايزابيلا سيمور التي قضت أحد عشر عاما في حياة زوجية سعيدة ، تذهب للكنيسة في صباح كل أحد بإنتظام، وتساهم في جمعيات البر، قابلته وأكتشفت في أعماقها مناطق مظلمة كانت مغلقة من قبل.

تقول له:

“هل تدري أن أمي اسبانية؟ “

يجيبها بذكاء:

“هذا اذن يفسر كل شئ ، يفسر لقاءنا صدفة، وتفاهمنا تلقائياً، كأننا تعارفنا منذ قرون ، لابد أن جدي كان جندياً في جيش طارق بن زياد . ولابد أنه قابل جدتك وهي تجني العنب في بستان اشبيليه، ولابد أنه أحبها من أول نظرة، وهي أيضاً أحبته ، وعاش معها فترة ثم تركها وذهب الي افريقيا وهناك تزوج ، وخرجت أنا من سلالته في افريقيا، وأنت جئتي من سلالته في اسبانيا”.

يسعدها الكلام فتقول :

“يا لك من شيطان”.

 وبالرغم من كل شئ تموت و تترك له رسالة تقول فيها :

“إذا كان في السماء إله ، فأنا متأكدة أنه سينظر بعطف إلى طيش إمراة مسكينة لم تستطع أن تمنع السعادة من دخول قلبها ، ولو كان في ذلك إخلال بالعرف وجرح لكبرياء الزوج . ليسامحني الله ويمنحك من السعادة ما منحتني.”

ودارسة اللغات الشرقية آن همند، بوجهها الذكي المرح وعيناها اللتان كانتا تبرقان بحب الإستطلاع ، جذبها اليه محاضرة القاها عن شعر ابي نواس.

تقول له، انها تري في عينيه لمح السراب في الصحاري الحارة ، وتسمع في صوته صرخات الوحوش الكاسرة في الغابات .

ويقول لها، أنه يرى في زرقة عينيها بحور الشمال البعيدة التي ليس لها سواحل.

يدخلها لبيته في لندن وكر الأكاذيب الفادحة ، تركع وتقبل قدمية وتقول:

“انت مصطفى مولاي وسيدي، وانا سوسن جاريتك ” هكذا كل واحد يختار دوره في صمت.

وجدوها في شقتها ميتة إنتحاراً بالغاز ورسالة تقول فيها :

” مستر سعيد، لعنة الله عليك”.

بكل مهارة يحرك الطيب صالح بطله غريب التصرفات داخل المسرح المعقد للرواية بمرونة وخفة عاليتين ، فهو برغم رسمه لشخصية معقدة لتلعب دور البطولة في روايته إلا أنه أضفى عليها من السمات ما جعلت أمر إندماجه في المجتمع الغربي غاية في السهولة ، سمات جعلت الإنجليزي الأسود – كما كان يسمى – يعيش كما يعيش الأوربيون تماماَ، فبالإضافة لأنه كان ذكياً فقد أجاد الانجليزية بطلاقة :

”  فقد كان يعوج فمه ، ويمط شفتيه ، وتخرج الكلمات من فمه كما تخرج من أفواه أهلها “

يواصل البطل الغامض غزاوته الشهوانية بنجاح، لم يكن الأمر يحتاج سوى ذكاء كان يملكه وقصص خيالية عن أفريقيا ، فالأوربيات كن يصدقن أي شيء ، يستغل إقبالهن على الحياة بمرح وحب الإستطلاع وهو كما يقول عن نفسه :

“صحراء من الظمأ، متاهة الرغائب الجنونية “.

تسأله إحداهن عن بلده ، فيروي لها حكايات ملفقة عن صحاري ذهبية الرمال، وادغال تتصايح فيها حيوانات لا وجود لها.

“قلت لها أن شوارع عاصمة بلادي تعج بالأفيال والأسود ، وتزحف عليها التماسيح عند القيلولة “.

ويقول لآخرى :

” أجل، بيتنا على ضفة النيل تماماً بحيث أنني كنت إذا إستيقظت على فراشي ليلاً ، أخرج يدي من النافذة وأداعب ماء النيل حتى يغلبني النوم”

يفعل كل شئ حتى يدخل المراة في فراشة ، ثم يسير إلى صيد آخر، كان الأمر يتم في غاية السهولة الى أن وقع في عالم جين موريس:

“كنت في الخامسة والعشرين حين لقيتها ، وفي حفل في تشيلسي فتحت الباب وتريثت، وبدت للعين تحت ضوء المصباح الباهت كأنها سراب لماء في صحراء “.

جين الذي ظل يطاردها لثلاث سنين وهو الذي لم يكن يحتاج لأكثر من لقاء واحد ليوقع فتاة في غرامه تقول له :

“انت بشع لم أرى في حياتي وجهاً بشعاً كوجهك “.

ويقول :

” كنت أجدها في كل حفل أذهب إليه ، كأنها تتعمد أن تكون حيث أكون لتهينني . أردت أن أراقصها فقالت لي : لن أرقص معك ولو كنت الرجل الوحيد في العالم . صفعتها على خدها فركلتني بساقها وعضتني في ذراعي بأسنان كأنها أسنان لبوة “.

يطاردها الى أن يتزوجها فتحيل فراشه الى قطعة من الجحيم ، كان صياداً فأصبح فريسة لها ، يشك في أنها تخونه وتعايره بأنه لن يستطيع أن يفعل شيئاً لو خانته، تستمر معاناته معها إلى أن يضع لها حداً في ليلة جليدية باردة :

“ها هي ذي سفني تبحر نحو شواطئ الهلاك ، ملت عليها وقبلتها ، وضعت حد الخنجر بين نهديها ، وشبكت هي رجليها حول ظهري .. ضغطت ببطء .. ببطء . فتحت عينيها .. أي نشوة في هذه العيون .. وبدت لي أجمل من كل شيء في الوجود .. قالت بألم : يا حبيبي .. ظننت أنك لن تفعل هذا أبداً .. كدت أيأس منك . وضغطت الخنجر بصدري حتى غاب كله في صدرها بين النهدين . وأحسست بدمها الحار يتفجر من صدرها .. وأخذت أدعك صدرها بصدري وهي تصرخ متوسلة : تعال معي . تعال . لا تدعني أذهب وحدي “

يقود الراوي بطل قصته الى محاكمة كانت ساحة حرب آخرى ولكن بالنسبة لمصطفي سعيد فقد كان احساسه بالمحاكمة مختلفاً :

“وأنا أحس تجاههم بنوع من التفوق ، فالإحتفال مقام أصلاً بسببي ، وأنا فوق كل شيء مستعمر ، إنني الدخيل الذي يجب أن يُبت في أمره .. حين جلبوا لكتشنر محمود ود أحمد وهو يرسف في الأغلال بعد أن هزمه في موقعة أتبرا ، قال له :

” لماذا جئت إلى بلدي لتخرب وتنهب ؟”

الدخيل هو الذي قال ذلك لصاحب الأرض ، وصاحب الأرض طأطأ رأسه ولم يقل شيئاً . فليكن أيضاً ذلك شأني معهم . إنني أسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجة ، وقعقعة سنابك خيل النبى وهي تطأ أرض القدس . البواخر مخرت عرض النيل أول مرة تحمل المدافع لا الخبز ، وسكك الحديد أنشئت أصلاً لنقل الجنود .. وقد أنشأوا المدارس ليعلمونا كيف نقول (( نعم )) بلغتهم “.

يثأر منهم ولكنه يرحل ليعيش بعيداً عن عوالمه في قرية نائية ، تكفيراً عن أكذوبة حياته الغريبة ، يرحل ويترك غموضاً أكبر ، حتى حسنة التي تزوجها بعد أن خلع جلباب غربته قتلت نفسها، كأن ذلك المرض الذي يصيب كل من تدخل بيته قد إنتقل معه.

بطل الرواية كان ذكياً ومثقفاً بمقياس زمانه، ولكنه أكذوبة كما يقول هو في متن الرواية، فلا وجود لمصطفي سعيد ولكن يوجد بطل واحد هو بنفس عبقريته وربما أكثر، المحرك  للأحداث والموجه لشخوص الرواية هو الطيب صالح كاتب الرواية  والتي لو لم يكتب غيرها لاحتفظ بلقب إستحقه عن جدارة ، عبقري الرواية العربية .

تعليقات الفيسبوك

تعليقان

  1. The regular know-how was based on knowledge and other alike events, in addition to diplomatic past shows through in no way talking us states and also United kingdom will reduce any Iranian’s government standby and call time Government to provide a scapegoat in addition to strawman to intensify while increasing the effective use of make with civilians. The particular Iranian government is truly one of many which yells “American motivated conspiracy” regardless if there exists bodily dissent. That pseudo nationalism acts to be able to draw attention away attention belonging to the the bullying together with tyranny the us government is usually doing against their regarding voters.i get a 2002 52 mitsubishi large definition lcd screen proj

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

من الغبي الذي سيفوز بنوبل ؟

ماذا إن رن هاتفك وتم إبلاغك أنك فزت بجائزة نوبل؟ بالتأكيد هو أمر بعيد عن الاحتمال. كل عام …