بقلم: الباحث”حمد جمال”

لتحميل المقال (هنا) أو (هنا)

مقدمة:

حين نطالع محدثنا بأننا بصدد إجراء دراسة بعنوان موت المثقف في المنفى؛ دراسة لحالة المثقف السوداني في الغرب: فرنسا نموذجا تأتي الاستجابة في غالبية الأحيان، وبتكرار لافت للنظر عن شكل ( آه هذا أنا). وقد تصاحبها ابتسامة تحمل شيئاً من المرارة، أو تنهيدة تشي بكثافة ردّ الفعل الوجداني. ومنهم من يذهب في حماسه إلى القول بأن الموضوع يستحق عقد مؤتمر حوله. هذه الاستجابات كانت ومازالت تشكل حافزاً لنا للسير في هذه الدراسة، لاستقصاء حالات المرض وألوانه وآثاره فردياً وجماعياً، على مستوى المسار والمصير. وليس ذلك بمستغرب مادامت أكثر الظواهر صدقاً على مستوى الدلالة الوجودية هي تلك التي يرتبط فيها الخاص بالعام، وبالطبع فإن لكاتب المقال نصيبه الذي لا يستهان من كل ما قلناه وما سنقوله في هذه المقالة من الأعراض والأمراض، التي تتكرر وتلازمه وتتزايد وطأته على المثقف السوداني في المنفى.

تمثل هذه الدراسة عودٌ على بدء إلى الدراسة التي سبقتها ( محاولة لفهم الأسباب التي تؤدي إلى حدوث الاضطرابات النفسية عند السودانيين في فرنسا) وتطوير لها من حيث التعمق والاستكمال، رغم ما عرفته من صدى طيب. ولكن هذه المرة قررنا أن نسلّط الضوء على شريحة المثقفين من اللاجئين السودانيين.

إذن المقصود بالدراسة هنا المثقّف السوداني الذي دفعته ظروف الحياة لأن يصبح لاجئاً وتحديداً في فرنسا، والذي تتوافق الأدبيات على وصفه بالمأزقي كيانياً، وما يؤكده المشهد العام أيضاً، كما يتجلى للعامة والخاصة سواء بسواء. إذن لابّد من الوعي بديناميات هذا المأزق الكياني والقوى الفاعلة فيه والمحركة له فيما وراء الموت والتشظي التي تصاحب المثقف السوداني في المنفى. تندرج هذه الدراسة كما سابقتها أيضاً إلى محاولة خدمة المجتمع السوداني ذاته بذاته في قضايا البحوث والدراسات، على الرغم من محدودية القدرات والإمكانيات على أن هذا لايستثنينا من مسئوليتنا والتزامنا الأخلاقي تجاه خدمة المجتمع، علماً بأنه لم يتشكل الحس بالوعي والمسئولية حتى الآن من قبل الباحثين والمثقفين السودانيين بأهمية البحوث والدراسات وذلك لأسباب عديدة أهمها:

1/ غياب ثقافة البحث عند شريحة الأكاديميين والمثقفين السودانيين.

2/ نقص الإمكانيات والظروف الملائمة التي تشجع المهتمين لفعل ذلك.

لهذا ارتأينا بأن نقفز فوق هذا الواقع التراجيدي محاولين بأن نقدم مساهماتنا المتواضعة، عسى أن تكون بادرة خير وبداية لمحاولات بحثية أكثر صرامةً وجدية فيما يخص وضعية اللاجئين السودانيين في الغرب. ومادامت الغاية الأساسية من عملنا تتمثل في الكشف وصولاً إلى الوعي والتبصير بما يحل بالمجتمع السوداني في المنفى من إشكاليات وأمراض، فلابد من فتح الأفق المسدود وكسر الحلقة المفرغة من خلال تغيير المنظور.

المنهج:

هذه الدراسة، كتلك التي سبقتها قامت على الملاحظة الميدانية، وعلى أخذ كمية مناسبة من الشهادات من أشخاص مثقفين متعددي المشارب والمستويات الفكرية والمهنية حول قضايا المنفى والوجود. وبالتالي فهي دراسة تحليلية نقدية استكشافية، وليست دراسة ميدانية مقننة من حيث المنهج الكمي وأدواته، ولذلك فهي لا تقدم الجواب، ولا تقفل الملف، بل هي تدعو إلى التفكير والتفاكر والوعي وتدبر الوسائل. وهي إن تمكنت من بلوغ هذا الهدف تكون قد حققت الغاية الكبرى التي وضعت من أجلها. إنها تدعو تحديداً جيل الشباب من المثقفين والأكاديميين في المنفى الذي يتوق إلى التمكن المعرفي والمهني والحياتي، إلى إستيحاء معطياتهم لبناء مشاريع بحثية ومعرفية أكثر تخصيصاً وعمقاً، وصولاً إلى الإمساك بزمام المصير وصناعته، مما يشكل لب التنمية الإنسانية ونهوضها بمفهومها الحديث.

 

لماذا الاهتمام بالمثقفين ؟

وما إن أتحدث مع أحد الأصدقاء في السودان حتى يقول ( والله يا حمد إحنا منتظرين منكم الكثير) هذه العبارة إن لم أسمعها من الجميع فبالتأكيد من الغالبية العظمى من الأصدقاء وغيرهم، الذين يلقون بآمالهم وطموحاتهم علينا كفارّين وناجين من حروبات الفقر والهوية. إذ يعتبرون أن وجودنا في الغرب محمدة لابد من اغتنامها وتوظيفها في الاتجاه الذي يعود بفائدة لنا ولمجتمعاتنا التي يبدو أنها في وضع الانتظار.إن ما يجعلنا نتوقف للحديث عن المثقفين السودانيين في المنفى هو حالة التناقض الكبيرة بين ما ينتظره ويتمناه المجتمع من المثقف في المنفى وحقيقة وواقع المثقف في المنفى. لذلك ارتأينا أن نخوض هذه المحاولة المتواضعة التي تهدف إلى مقاربة وجهات النظر من خلال تعريف الإنسان السوداني بالتحديات والإشكاليات التي تواجه المثقف في المنفى، وإلى لفت أنظار المثقف في المنفى إلى الدور الذي ينتظره تجاه أهله في السودان أو خارجه، لأن في اعتقادنا الخطوة الأولى لمعالجة هذه المعضلة تكمن في التقارب الفكري ما بين الطرفين.

إن ما يدفعنا أيضاً إلى الخوض في هذه المغامرة لفهم طبيعة المثقف في المنفى هو تاريخه الفكري والنضالي، إذ أن تاريخ المثقفين هو تاريخ فكري بامتياز، وتاريخ سياسي نضالي كذلك، كما أن المثقفين لعبوا أدوارا هامة في حركة التاريخ الإنساني، من خلال انخراطهم في الأنشطة الثقافية والسياسية. يرسم فيصل الدراج في رثاء صديقه هادي العلوي صورة وردية للمثقف الذي لايساوم ولايقبل بأنصاف الحلول عندما تتعلق القضية المتداولة والمطروحة للبحث أو النقاش بالحرية والكرامة، فالمثقف بناءً على هذا التصور ( شامخ شموخ الجبال، لما يحمله بين جوانحه من أفكار كبرى وقيم عظيمة لا تتغير مع تغير المواسم ولا تتأثر بالاجتهادات الموسمية. يندفع المثقف المسلح بعلمه وشفافيته وعقلانيته للدفاع عن الأمة والوطن، خاصةً في أوقات المحن والضياع والانكسار المعنوي والحضاري). كما أن فئة المثقفين هي الأكثر توجهاً نحو المستقبل، بل الأكثر استقطاباً للأزمات، وتعرضاً للتحديات، واستهدافاً من قبل انفجار العولمة وتحولاتها، حيث أنهم في قلب دوامة الأحداث المتسارعة، إنهم الكتلة الحرجة التي تحمل هم بناء المجتمع، كما أنهم الأكثر عرضة لأخطار النزاعات المتطرفة على اختلافها، لذلك فإن توفير فرص إعدادهم للمستقبل، وتحمل أعباء قيادته، يتطلب أعلى درجات العناية في الدقة. ولهذا رأينا أن نسلط الضوء على شريحة المثقفين من السودانيين في المنفى.

من الأسباب التي تجعلنا نكرس جهدنا أيضاً لدراسة واقع المثقف في المنفى هي حالة التجاهل التي نلاحظها في الكتابات الغربية وخاصةً من هم مهتمون بقضايا الهجرة واللجوء، فالإنسان من حيث هو إنسان لم يجد نصيبه الكافي من هذه الدراسات، بالقدر الذي وجده الاقتصاد والسياسة والثقافة، لذلك إيماناً منا بمحورية الإنسان ومركزيته في هذا الكون فقد كرسنا جزءً من جهدنا لفهم طبيعته واشكالياته. لذلك انطلقت هذه الدراسة بالأساس من الاهتمام بالمثقف في المنفى بغية تشخيص مشكلاته وتفهمها وعلاج ما يتعرض له من معوقات، وصولاً إلى إطلاق طاقاته الحية وتوظيفها في بناء المستقبل. بل إن ما يدفعني أكثر للغوص في هذه القضية هو اهتمامي البالغ بهذه الشريحة وذلك من خلال التعرف الوثيق عن كثب على أوضاعه وقضاياه من خلال رحلة طويلة من النشاط في مجال العمل السياسي والثقافي، لذلك فإن الدراسة ترتكز على الخبرة المعاشة.

من هو المثقف؟

لا ينافس تعدد تعريفات مصطلح الـ”مثقف” سوى عدد الاقترابات من الموضوع. بعض الأسئلة التي تفترضها التعريفات المختلفة للمصطلح هي: هل المثقف هو أي شخص حصل على تعليم عال؟ أم هو الشخص الذي يلعب دورا في الحياة العامة بالإضافة إلى تعليمه العالي؟ وهل فئة المثقفين تتضمن أو تستبعد وظائف معينة، كالرسامين والموسيقيين والمدرسين مثلاً؟ بالرغم من أن هذه الأسئلة قد تبدو هامشية أو مجرد ثرثرة، لكنها في الحقيقة ليست كذلك. حيث أن الإجابة عليها ستحدد الفئة التي نتحدث عنها، وبالتالي ستحدد تعريف الموضوع الذي نتناوله.

من بين التعريفات المتعددة لمصطلح المثقف فان التعريف الأكثر وضوحاً، والأقرب إلى الواقع الذي نحن بصدد الحديث عنه، هو الذي طوّره أنطونيو جرامشي – المنّظر والقائد الماركسي الإيطالي. يؤكد جرامشي أنه لا يوجد أي نشاط إنساني يمكنه أن يكون خال من النشاط الذهني (حتى المهام الأقل إبداعية). وبنفس المقدار، فإنه لا يوجد أي نشاط ثقافي يمكن أن يتم إلى نهايته بدون عمل يدوي (مثلاً: كتابة الكلمات أو عزف الموسيقى). ولذا، فإن ما يميز المثقفين عن غيرهم هو أن في نشاطهم يميل التوازن بين العمل الذهني واليدوي ناحية العمل الذهني. باستخدام هذا التعريف، يتضح أن وجود فئة المثقفين في المجتمع يسبق تاريخيا ظهور الكلمة بمعناها الذي نعرفه اليوم. مثلاً يعد الكهنة هم مثقفي العصور الوسطى. لكن كلمة مثقف بارتباطاتها المذكورة أعلاه (أي تأليه المثقف) ترجع فقط إلى ما بعد عصر التنوير مع فقدان الكنيسة لهيمنتها، ومع ظهور السعي إلى العدل والحقيقة.هذا التتبع التاريخي المختصر للمصطلح يثير بعض النقاط المهمة. فالكاهن ـ أي المثقف المنتمي إلى العصور الوسطى ـ لعب دوراً مناقضاً للدور الذي أصبح من المفترض أن يلعبه المثقفون بدءاً من القرن التاسع عشر (دور التحريض على التفكير النقدي وتجاوز التقاليد والعادات بشكل متزايد). إنه لمن المثير أن نبحث كيف أن ذات الفئة من الناس -أولئك الذين يركزون على العمل الذهني- أصبح التصور بشأنها مختلفا ولماذا. ليس صدفة أن هذا التغير في الصورة المثالية للمثقف تبلور بعد الثورة الفرنسية التي ضربت الطبقة الأرستقراطية وبعد الثورة الصناعية الإنجليزية التي خلقت الطبقة العاملة. فالتغيير في البنيان الطبقي، وبالتالي في العلاقات الاجتماعية، الذي أدت إليه هاتين الثورتين، أدى بدوره إلى خلق الاحتياج إلى أدوار جديدة.

تمهيد:

في محاولتنا لفهم الأسباب التي أدت إلى موت المثقف في المنفى سنقوم بسرد عدد من العوامل والتي نعتبرها عوامل رئيسية أدت إلى موته، قد لا نصيب في ذكر جميع الأسباب والعوامل، وهذا طبيعي لطالما ذكرنا أن عملنا هذا ما هو إلا محاولة أولية لطرح الأسئلة ولفت الرأي العام إلى المشكلة التي يواجهها المثقفين السودانيين في المنفى. على أن يظل الأمل بأن يتاح لنا المجال مع آخرين مهتمين بذات القضية أو السؤال للتعمق أكثر وللسير قدماً في طريق البحث اليوالتقصي. أخيراً وقبل البدء، من الضروري أن نشير إلى أن هذه الدراسة هي وصف لحالة السودانيين المقيمين في فرنسا والذين وصلوا إليها منذ عام 2010 وحتى الآن.

اللغة:

من الضروري أن نستهل حديثنا بالتساؤل الذي طرحه فرانز فانون عن اللغة الاستعمارية عندما قال: كيف لغير الأوروبي أن يجد هويته في علوم لا تعترف به وتضعه على هامش الأوروبي الأبيض الذي يتصدر كافة الميادين ؟ وحين ننظر إلى مصطفى سعيد في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، نجدهُ يتحدث الإنجليزية ويدرُس ثم يعمل محاضرا في أرقى جامعات بريطانيا، لكنّ شعورا بالدونية لا يفتأ يلازمه ويقضّ مضجعه، فاللغة التي يتكلم بها والثقافة التي يدّعي انتماءه إليها لا تنفك تذكره بدونيته مقارنة بالرجل الأبيض وكونه وافداً إلى البلاد وغريباً عنها، وإن كان “أكثر بياضاً” من أقرانه السود كما يقول فانون، بياض لم يكتسبه لتغير بشرته بالتأكيد، ولكنه وصف حازه لإتقانه الإنجليزية, تلك هي أبرز الإشكاليات التي تتعلق باللغة عندما نتحدث عن المثقف واللغة الاستعمارية.

من المعلوم أن للغة دور محوري بالغ الأهمية في حياة الإنسان عموماً والمثقفين خصوصاً، وذلك لما تلعبه في الحياة الاجتماعية في التواصل والتعبير عن المشاعر والاحتياجات كما أنها تمكنه من إدارة الحوارات لتبادل الرؤى والأفكار، بيد أنها أداة يتقرب بها من الآخر وتقربه إليه. ولكن الملاحظ أن عدم إجادة اللغة الفرنسية تعتبر السمة الغالبة لدى الكثير من المثقفين السودانيين في فرنسا، وذلك نتيجةً لصعوبة اللغة الفرنسية نفسها كما أنها نتيجةً لإهمال الدولة الفرنسية للاجئين عموماً والمثقفين خصوصاً وعدم مساعدتهم بالقدر الكافي لتعلم اللغة بتهيئة الظروف والبيئة المناسبة. هذه الحالة -وأقصد بها حالة عدم إجادة اللغة عند الكثير من المثقفين اللاجئين- ساهمت كثيراً في عزلتهم اجتماعيا من المجتمع الفرنسي الأصل، لذلك تجدهم يعيشون في حالةٍ من الحصار الاجتماعي الذي يتسبب في حدوث حالة العزلة والاغتراب من المجتمع الفرنسي. هذه الحالة ساهمت كثيراً في حدوث بعض الاضطرابات النفسية عند المثقفين وخاصةً عند الذين يرغبون في الدخول في المجتمع للمساهمة بخبراتهم ومؤهلاتهم التي اكتسبوها من بلادهم الأصل (السودان)، لذلك في مستهل حديثنا يمكن أن نقول أن عدم إجادة اللغة تشكل إحدى العوامل الأساسية التي تقود المثقف إلى حالة العزلة الاجتماعية والتي من شأنها أن تتسبب في إشكاليات نفسية مثل الاكتئاب وفقدان الأمل. كما أن هذه الحالة تقود إلى الانكفاء على الذات من خلال تجنب كل ما يجمعه بالفرنسيين أو الذين يتحدثون اللغة الفرنسية، وهي كإستراتيجية دفاعية تسير في اتجاه التقوقع والانسحاب بدل مواجهة المشكلة، وتشيع هذه الإستراتيجية كثيراً في ردود فعل الإنسان تجاه مختلف حالات الفشل، الذي يصحبه إحساس داخلي بالعجز وقلة الحيلة، فيحاول بكل السبل أن يدير ظهره للعالم، وأن يتعلم قمع رغبته حتى لا يشعر بالألم والإحباط، فالطفل الذي عجز عن منافسة أخيه، يدير ظهره لعلاقته به وينسحب من المعركة منطوياً على نفسه، التلميذ الذي عجز عن إثبات ذاته في الصف ينزوي متلبداً في ركنه، العاشق الفاشل يقمع جذوة الحب في نفسه، ويبخس المحبوب الذي يشكل مرآة لفشله، وهكذا فإن المثقف العاجز عن تعلم اللغة فإنه يدير ظهره عن المجتمع الفرنسي وينزوي في ذاته بل سيصاحب ذلك اتهامات بالعنصرية واللوم، أو يحاول إيهام ذاته بتقبل هذا المصير، ويغرق في بؤسه، مع الكثير من مشاعر الخوف والخجل والعدوانية الباطنية. إن المثقف اللاجئ العاجز عن تعلم اللغة يحاول دوماً أن يتجنب كل العلاقات المباشرة، كما أنه يتهرب من المشاركة في كل ما هو عام، إنه يقف موقف المتفرج العاجز، لا يستجيب لنداء ولا ينخرط في نشاط وخاصةً ما يجمعه بالفرنسيين أو المتحدثين باللغة الفرنسية، بل يتعدى الأمر ليصل إلى التجنب والحذر والرفض، ويصل هذا الرفض حتى تتعزز قدرته الدفاعية إلى حد التمسك الشديد بالماضي العريق خصوصاً في مجابهة كل ما هو مختلف. تلك هي الصفات التي تطغى على الكثير من المثقفين السودانيين، الذين وجدوا أن الهروب من الواقع هو الحل المثالي للخروج من هذا المأزق الكياني، لذلك نلاحظ حالة الاهتمام المبالغ من طرف المثقفين السودانيين في فرنسا بما يحدث في السودان من أحداث سياسية وثقافية، كإستراتيجية يستخدمها الكثيرون للهروب من هذا الواقع.

يكفي أن تقوم بعمل ملاحظة بسيطة وبشكل يومي للذين يتحدثون في منصات التواصل الاجتماعي كمحللين سياسيين للواقع السوداني، لتجد أن معظم هؤلاء الأشخاص هم من فئة المثقفين والناشطين والذين يقيمون خارج التراب السوداني.

 

غياب الالتزام بقضية كبرى لامتلاء الوجود:

إن الالتزام بقضية كبرى يغير دلالة الذات، كما يغير دلالة الأزمات، إنه يغير وطأة الشدائد، ويجعل الديمومة متحركة لارتباطها بأمل تحقيق الغايات المستقبلية وتعبئة كل الطاقات من أجلها. هذا هو الدرس الأساس الذي تعلمناه من كبار المناضلين والمثقفين والمبدعين الذين يشكلون رواد النماء الإنساني ويشقون مسالكه ويقدمون نماذجه. على أن الملاحظ أن غياب الالتزام بقضايا كبرى هي السمة الغالبة للمثقف السوداني في المنفى، وذلك ما تفرضه طبيعة الحياة في الدولة الحديثة من التنظيم والخدمات التي يخدمها الدولة لمواطنيها من الرعاية الصحية والاجتماعية، فيصبح لا مجال للشكوى والتباكي من الفقر والجوع والتهميش كما اعتاد عليه المثقف السوداني عندما كان في بلاده الأم. فهنا كل شي كما ينبغي لا فقر مدقع ولا حروبات عرقية طاحنة ممولة بواسطة الدولة، ولا تهميش ممنهج، هذا الوضع خلق عند المثقف السوداني حالة من الفراغ الوجودي، الذي جعله بعيداً على أن يلتزم بقضية كبرى.

إن حالة الغياب بالالتزام بقضية كبرى خلقت عند المثقف السوداني في المنفى حالة من الاضطراب الوجودي، لأنه إذا كان الالتزام بقضية كبرى تعيد إليه توازنه وتعطيه قيمته، فإن حالة غياب الالتزام بها تخلق العكس. تشير الأبحاث النفسية إلى أن الالتزام بقضية كبرى يجعل المرء يشعر بأنه يسيطر على الوضعية، وبأنه قادر على الفعل والتأثير، وبأن سعيه يسلك الدروب الصحيحة والمواصلة إلى الهدف، وبهذا يأخذ الكيان بعداً وقيمة ودلالة تتجاوز حدود الذاتية، بما فيها من عجز وقصور وثغرات، وبذلك يزول الفراغ وتتلاشى الهوة الداخلية ويمتلئ الكيان.

في هذا السياق يقدم لنا م. ج شهادته قائلاً ” كنت أشعر بقيمة وجودي في الحياة عندما كنت أناضل بالقرب من رفاقي، فكنا نحمل مسئوليات وقف الحرب ومحاربة الفقر والتهميش، بل كنا نحلم ببناء وطن حر ديمقراطي، ولكن بمجرد وصولي إلى أوربا أشعر بأن خطابي لم يعد صالحا وفعّالا كما كان في الماضي عندما كنت في السودان، لذلك أشعر اليوم بضيق وكأنني في السجن”. هذه الشهادة يمكن أن تقدم لنا درسا في غاية الأهمية مفاده: أن الارتباط بقضية كبرى يتجاوز هذا المستوى اليومي للمعنى والقيمة ومرتبتهما، إنه يضفي على الوجود معنى متسامياً على الواقع المادي في تحدياته ومحنه، ولذلك فإنه يعبئ الطاقات الحيوية، ويمد المرء بالإحساس بالسيطرة على الواقع والأحداث، والقدرة على تغيير مسارها لصالح بلوغ الأهداف، وهو ما يطلق عليه مصطلح السيطرة المدركة. ويشكل الإحساس بالسيطرة على الواقع أحد أهم الدوافع المحركة للنشاط الإنساني، والكامنة وراء تعبئة الطاقات وبذل الجهود وصولاً إلى التمكين، وهناك من ذهب إلى أن السيطرة على الذات والوجود تمثل دافعاً مركزياً يوجه النشاط الإنساني.

إن المشكلة الناتجة من عدم الاندماج وعدم إجادة اللغة، تجعل المثقف في المنفى دائماً على هامش المجتمع، دون أن يفهم قضاياه وإشكالياته، وطالما أنه دائماً في وضعية الهامش فليس بالمستغرب أن يكون هذا الشخص مصابا بحالة من العمى عن المشكلات التي تحدث أمامه، وهو ما يجعله غير ملتزم بقضية من القضايا التي تكثر في الغرب وفي فرنسا تحديداً. لطالما أن بحثنا قام على دراسة حالة لوضعية اللاجئ في فرنسا من شاكلة قضايا البيئة، قضايا الهجرة واللجوء، والكثير من الأسئلة التي تتعلق بالدولة والمجتمع.

إن الاندماج الذي يؤدي إلى الانخراط في قضية كبرى، يؤدي إلى نسيان التعب والإرهاق الناتج عن الاغتراب والحنين إلى الوطن، يقوم الاندماج على إدراك التحديات أو فرص للعمل لدفع المهارات إلى أقصاها، في حالة من الشعور بأن القدرات الذاتية بإمكانها مجابهة التحديات والأعباء المتمثلة في تحقيق الهدف.. كما يجعله يشعر بالقدرة على التحكم في الوضعية وتوجيهها، ويعيش خبرة النشاط على أنه مجداً ذاتياً، بمعنى أنه هدف يستحق الجهد المبذول من أجله، وأن هذا الجهد ذاته ممتع ويوفر الحماس والدافعية، أي يعيش المرء في حالة التعبئة الفضلى، أمام تحدي الإنجاز وعشق الظفر به والقدرة عليه. إذا أننا نفتقد لهذا المثقف المنفي المدفوع ذاتياً نحو الهدف، والميال إلى الاستمتاع بالحياة لأنه ينشط ويعبئ طاقاته في عمل الأشياء، بقدر فرحه بانجازاته والوصول إليها.

الهوية:

إن الوجود في أوربا وخاصةً في فرنسا يفرض عليك إعادة صياغة كل الأسئلة الوجودية من اللحظة التي يصل عندها الفرد، وبمجرد الخوض في إعادة صياغة الأسئلة ستكتشف بأنك لست ذاك الشخص الذي كنت تعرفه، بمعنى أنك ستكتشف شخصاً جديد وبهويةً جديدة، هذه الهوية الجديدة ليست بالضرورة أن تكون متناسقة ومتطابقة مع الهوية القديمة، بل أحياناً تكون مختلفةً كلياً لدرجة أنك قد لا تجد رابطا واحدا يجمع بينهما. فلنفترض أن محاميًا أكمل دراسته في السودان في مجال القانون بل وحتى مارس المهنة ولو قليلاً، الطبيعي ما يعرفه الناس عنه وما يعرفه عن نفسه كذلك بأنه محامي يجيد العمل في المجال القانوني، ولكن الفاجعة عندما يصل إلى أوربا سيضطر إلى الغوص في رحلة البحث عن هوية جديدة نتيجةً لفقدان الهوية القديمة، هذه الهوية الجديدة التي يبحث عنها لربما يأخذ طابع عامل النظافة في إحدى السكنات المخصصة للأجانب أو عامل بإحدى المراكز التجارية. هاتان الهويتان غالباً ما تؤديان إلى حدوث تضارب وتضاد بينهما والتي تؤدي بدورها إلى حالةٍ من التساؤلات والتي قد تنتهي بحالة الاكتئاب أو فقدان الأمل في الحياة، لذلك يلاحظ أن شريحة المثقفين هم الأكثر عرضةً للإصابة بالحالات النفسية، نتيجةً لإحساسهم بالتهميش وعدم التقدير لمؤهلاتهم وكفاءتهم.الهجرة التي تحمل حلم الخلاص، قد تتحول إلى منفى آخر حيث المهاجر غريب في المكان الذي حل فيه، لا يحق له المشاركة ولا القول أو النشاط تبعاً لقوانين الهجرة ذاتها، أو بنود عقد العمل الذي يوقعه، إنه الوجود المشروط الذي ينفي الإنسان عن ذاته، مما يتجلى دوماً في السؤال: لماذا أنا هنا ؟ ماذا أنا فاعل هنا ؟ هذا السؤال يتحول إلى هاجس فعلي بعد فترة التكيف الأولى، وهو يدل على أزمة الإقصاء الدفينة، التي تهدد باضطراب الهوية الذاتية ومفهوم الذات، حيث لا منعة ولا حصانة فعليتين في بلاد الغربة، وحيث يحمل السفر دوماً خطر الضياع بدلاً من أن يكون مغامرة توسع وامتداد، ذلك أن المكان (الوطن) يفترض حركة باتجاهين الخروج منه والدخول إليه، جدلية العلاقة بالمكان تضطرب في ثنائية المنفى داخل الوطن وخارجه. يقول المختصون في علم النفس: إذا فرض على الإنسان أن يسجن في المكان نظراً لقلة الحيلة وانعدام الفرص فإن الحميمية تتحول إلى حالة حصار تتخذ دلالة الوجود المختنق، كذلك إذا دُفع الإنسان إلى الهجرة والمغامرة بدون إمكانية العودة إلى الجذور فإن المغامرة تتحول إلى ضياع وجودي فعلي، تلك هي جذور معاناة المنفيين خارج وطنهم، وذلك هو سبب هذه الرغبة الملحة للعودة إليه، والتغني برائحة تراب الوطن وأشيائه ومواضع البيت العتيق، مما يطلق عليه مرض الحنين إلى الوطن ذا الدلالة النفسية البالغة. قلة قليلة تنجح في الغربة وتحقق الامتلاء الكياني في العمل والكسب والإنجاز، وقلة أقل منها عدد من المبدعين الذين يستطيعون تجاوز مأزق التمزق والتناقض المصاحب للغربة المزدوجة، يتمكن هؤلاء وحدهم من تحقيق توليف كياني يتجاوز الوطن والمنفى معاً، من خلال الاحتماء باللغة والإنتاج الفكري، أو من خلال إنتاج أصيل يساهم في بناء ثقافة عالمية تتجاوز التناقض. هنا تتحول وضعية (خارج المكان) كما يقدمها لنا إدورد سعيد في سيرته الذاتية، بما فيها من معاناة وآلام وإحساس بالغربة وعدم الاستقرار والانغراس، إلى شرط إنساني خصب، إنما ذو ثمن نفسي عال جداً، يتجاوز أحادية الهوية وفتح الآفاق الرحبة أمام الكونية الثقافية والإنسانية. قلةً فقط من المثقفين والمبدعين تتمكن من إستيلاد ذاتها، أما الغالبية فهي معرضة للإعاقة الوجودية، نتيجة الوقوع في تناقض المكانين واللغتين وما يفرقهما أكثر مما يجمعهما الواحد من هؤلاء غريب في المهجر، يحتمي بالحنين إلى الجذور والهوية الأصلية.

تجدر الإشارة أيضاً إلى أن أزمة الهوية تظل هاجساً يلازم المثقف السوداني حتى في منفاه، بل تزداد تعقيداً في المرة التي يجد فيها المثقف نفسه وسط هويات متعددة تمكنه من إعادة اكتشاف ذاته. فالمثقف السوداني في المنفى لايعد كعربي حتى تتاح له الفرصة للالتزام بقضايا وإشكاليات العرب في أوربا عموماً وفي فرنسا تحديداً، كما أنه لايعد كأفريقي حتى تتاح له السانحة للانخراط في صفوف الأفارقة للدفاع عن قضاياهم، وحتى إن تم اعتماده كأفريقي فإنه تنقصه أدوات التواصل من اللغة والكود الثقافي.

ظاهرة تنميط اللاجئين، ظاهرة (القرد الناطق) وتوظيفها في التنميط:

يقابل التقديرَ الاستخفافُ على الطرف الآخر من المعنى، وقد يشعر المرء أن التقدير احترامٌ بطبيعته، لكنّ الواقع يحوي ما يقول عكس ذلك؛ الحقيقة أن التقدير المبالغ به قد ينطوي على قدر كبير من الإهانة، ويمكننا رصد هذه الظاهرة بوضوح في علاقة اللاجئ بالمجتمع المضيف، حيث أنه يجد نفسه في مواقع عديدة وقد تحول إلى (قرد ناطق)، ليس بالمعنى الفلسفي أو التطوري للمصطلح، إنما ببساطة بالمعنى المسلي للكلمة، حيث يكون أي تصرّف يقوم به اللاجئ مصدراً للانبهار، فكيف للاجئ أن يتحدث لغة أجنبية أو أن يملك شهادة جامعية أو أن يرتدي ملابس نظيفة ومرتبة؟

في مجموعة على فيسبوك تضم شباباً سورياً مهاجراً طرح أحد الأعضاء سؤالاً حول الاعتقادات المسبقة التي واجهت السوريين في الخارج، بعض الإجابات أتت مفهومة بجذور قابلة للتفسير، الإجابات الأخرى جاءت على قدر لا يخلو من الغرابة بالدرجة الأولى، وبالنظر للإجابات يمكنك سريعاً ردّ الأمر إلى الجهل، الجهل بالمجتمعات التي يأتي منها اللاجئون، والاستعداد الشديد للتعميم بناء على شخص واحد أو مقالة واحدة قرأتها عن دولة قد لا تشبه دولتك في أي شيء. يطول الحديث عن الـ single story وأخطارها، لكن الحقيقة أن المجتمعات المضيفة لا تبذل المجهود الكافي لفهم خلفية هؤلاء الوافدين، وهنا يأتي من جديد دور المجتمع المدني في التوعية.

وللانتقال من الانبهار إلى الإبهار، يبدأ بعض العاملين مع اللاجئين بتلميع صورة اللاجئ، وتسليط الضوء على اندماجه في المجتمع الجديد، مجدداً استخدام إستراتيجية القرد الناطق، حيث يتم الحديث عن أي تفصيل صغير على أنه إنجاز لمجرد صدوره عن لاجئ، ويتم اختيار الإنجازات التي تشابه المجتمع الجديد، فلا يتم الاحتفاء بالاختلاف هنا، ويدخل اللاجئ في حلقة مفرغة من التنميط والتنميط المعاكس.

كيف تبدو حياة السوبر لاجئ خلف الكواليس؟

لا يمكن بالطبع إغفال الآثار الإيجابية لقصص النجاح على الشخص الناجح. في كتابه قلق السعي إلى المكانة، يقول آلان دو بوتون (يعدّ اهتمام الآخرين مهماً لنا لأننا مبتلون بانعدام يقين نحو قيمتنا الخاصة)، ويتحدث آلان عن الناس، كل الناس، ناهيك عن إنسان فقد كل ما يملك ووجد نفسه في مكان جديد وغريب يحارب ليحظى بالقبول فيه.

تأخذ هذه الآثار الإيجابية أهمية خاصة في حياة اللاجئ، الذي يصل إلى بلد يكون فيها بالضرورة نكرة، الأمر الذي قد يسبب له صدمة بناء على وضعه السابق، فالإنسان في بلاده يمتلك حداً أدنى من العلاقات الاجتماعية وفهماً لمحيطه على الصعيد اللغوي على الأقل، ويمكن لوضع السوبر لاجئ التخفيف من أعباء صدمة الأمية اللغوية والاجتماعية الحاصلة. دفقة الاهتمام هذه التي تندلق على اللاجئ تترافق بارتفاع ثقته بنفسه لأن الشعور بتقدير المحيط غالباً ما يترجم بتقدير أفضل للذات، وتفتح له أبواباً لتشكيل شبكة أمان اجتماعية، تساعده في الحصول على فرص على مختلف الأصعدة، وقد تعود بفائدة مادية أحياناً.

لكن هل يحدث هذا دائماً دون أثمان؟ للإجابة على هذا السؤال استشرتُ عدداً من أصدقائي الذين تم تصديرهم كقصص نجاح من قبل الجمعيات المرافقة لهم، ما الذي يحدث بعد الـ 15 دقيقة من الشهرة التي يحصل عليها اللاجئ؟

يقول أحدهم إنه انتقل من تقدير منخفض للذات إلى تقدير مُرضٍ، حيث أصبح يشعر بالعار من طلب المساعدة على اعتباره فرداً ناجحاً ملهماً؛ وتؤكد صديقة لي أنها على عكس المتوقع فقدت الحافز للعمل، انخفض سقف طموحها عند رؤيتها لما يعتبرونه نجاحاً، وتحاول منذ سنتين تدارك الفجوة التي أحدثها التقاعس الذي جاء متأبطاً ذراع هذا الانخفاض؛ تخالفها صديقة أخرى وجدت نفسها مستنزفة بالكامل وهي تحاول المحافظة على صورة السوبر لاجئة، حيث باتت ترى نفسها ممثلة لمجتمع اللاجئين، ومجبرة على تحصيل إنجاز يتبعه الإنجاز للإبقاء على منصبها كلاجئة ناجحة، ولم تعد تعرف ما ترغب به فعلاً، ولا تخفي أنها تشعر بالزيف أحياناً، خاصة حين تجبر نفسها على قول أو فعل ما يتناسب مع الوضع الذي وجدت نفسها فيه وليس فعل ما يشبهها حقاً.

أسأل صديقاً متعثراً في دراسته عن الجمعية التي كانت ترافقه قبل دخوله الجامعة، يخبرني أنه تواصل مع المتطوع المسئول عنه لكنه لم يرد اتصالاته أو رسائله، وعند بحثه عن الأسباب اكتشف أن تطوع الطالب معه كان مفروضاً عليه من الجامعة للحصول على علامات في مقرر، وبعد ذوبان فقاعة النجاح لم يعد يجد تجاوباً من المرافقين. وهذا الصديق لم يكن قصة نجاح بارزة تستحق الاحتكار، بل كان قصة نجاح معدة للاستهلاك السريع وتدخل في الأرقام ونسب النجاح التي تساعد في الحصول على تمويل جديد للجمعية.

ويمكنني إضافة نقطة متعلقة بالهوية هنا، حيث أن قصص النجاح هذه تربط الفرد بوضعه القانوني بصورة يصعب الهروب منها، فتعرّف الفرد على أنه لاجئ ولا تفصل بين إنجازات الفرد ورحلته، ولا يرغب الأفراد اللاجئون دائماً بالتعريف بأنفسهم كلاجئين، فرغم أن اللجوء حق ووضع قانوني لا عيب فيه، لكن الإنسان يملك حق اختيار ما يعرّف نفسه به، خاصة عندما تكون صفته القانونية مقابلة لوصم مجتمعي ما.

الفشل في الاندماج:

يواجه الكثير من المثقفين صعوبةٍ في الاندماج في المجتمع الفرنسي، إما للأسباب التي ذكرناها سابقاً فيما يتعلق بعدم إجادة اللغة والتنميط، أو لأسباب تتعلق بطبيعة الحياة في فرنسا ذات الطابع الرأسمالي الليبرالي الجاف. فينتج عن حالة عدم الاندماج تهميش وإقصاء واستبعاد، بل يؤدي إلى الحرمان من الكثير من الأشياء كالمشاركة في المجتمع وإنشاء الصداقات والعلاقات العاطفية، تلك العلاقات التي من شأنها أن تُقلل من الإحساس بالغربة وتفتح المجال للمشاركة الاجتماعية والفكرية والثقافية الواسعة والتي بدورها قد تقود إلى نجاحات من شأنها أن ترمم جروحات الماضي، بالإضافة إلى أنها يمكن أن تساهم في رفع الروح المعنوية والتحفيز على الحياة. بالمقابل فإن حالة عدم الاندماج في المجتمع تقود إلى الانغلاق والتقوقع في الذات، بل يقود إلى السعي لخلق مجتمعات موازية كإستراتيجية دفاعية في مواجهة الفشل في الاندماج، لذلك تكثر المجتمعات والتجمعات الموازية التي يقيمها السودانيون في أوربا كإستراتيجية للاحتماء من الفشل في الاندماج في المجتمع الفرنسي. إن حالة العزل هذه تؤدي إلى هدر الطاقات الفكرية والإبداعية وسجن الفرد في الثقافة الأحادية، في حين أن الكثير من المثقفين يتطلعون إلى اكتشاف ثقافات جديدة والتي بإمكانها أن تضيف إلى تجربتهم الحياتية بعض الشيء، إلا أن حالة عدم الاندماج تفرض عليهم الجلوس بعيداً عن المجتمع، بحيث يأخذ المثقف في المنفى موقع المتفرج لا المشارك، كما أن وجوده في المجتمع يعتبر فائضاً لا لزوم له سواء فرصته في الأعمال الهامشية بأسعار أرخص حتى للأكثر جدارةً. إن الفشل في الاندماج في المجتمع الجديد يفرض الهروب من الواقع الذي يعيش فيه، غاضاً البصر عن الإشكاليات التي تواجهه وتواجه أصدقاءه، لينخرط في نقاشات بعيدة لا دخل له بها ولا فائدة. لربما شاهدتم جميعاً الاهتمام المبالغ من المثقف السوداني في أوربا بما يحدث في السودان، من مشاركات وكتابات و”لايفات” وتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، بدرجة قد تفوق السودانيين المقيمين في السودان، في حين أن الواحد منهم لا يعلم حتى ما الذي يحدث في فرنسا أو في البلد الذي يقيم فيه، تلك هي إستراتيجية يستخدمها الكثيرون للهروب من الواقع، أو اعتمادهم على إحدى أدوات التسلية كالرياضة أو غيرها. هذه الإشكالية تضع المثقف في وضعية مأزقية تهدد عافيته وصحته النفسية والتزامه الفكري والسياسي، وتجعله نهماً لمختلف ضروب السلوكيات التعويضية الضارة، أو غير المجدية على الأقل.

الإحساس بالفشل الناتج من فشل المشاريع الثورية التحررية:

تقوم فكرة اللجوء في الأساس على الاعتراف بالفشل: فشل المقاومة، فشل التأقلم مع الواقع، وفشل التغيير… هذا الفشل كان هو الباعث والمحرض للهروب، وإلا سيبقى السؤال: ما الداعي إلى الهروب وطلب الاحتماء في رقعةً جغرافية أخرى ؟ في الحقيقة يوجد الكثير من اللاجئين السودانيين والذين يتواجدون اليوم في فرنسا ممن نالوا شرف المقاومة الثورية في حركات التحرر الوطني، فانضموا إليها رغبةً في المقاومة وإيماناً بقضية التغيير، أفنوا زهرة شبابهم نضالاً ومقاومةً، من أجل بناء وطن يسع الجميع تتجسد فيه القيم الإنسانية العليا، كانت تلك هي قضيتهم الكبرى التي تملأ وجودهم وتبعث بمستقبل مشرق لهم وللإنسانية جمعاء. إلا أن التغييرات التي جرت في صفوف الثوار من انقسامات وخصامات وتهميش لفئة الشباب كانت محبطة ومخيبة للآمال، وخاصةً عند الشباب الحالم والمتطلع للتغيير، فخلق عند الكثيرين من الثوار الشباب حالة من اليأس والإحساس بالفشل. مما جعل الكثيرين يفرون تاركين وراءهم أحلاما ومشاريعا، بعدما عجزوا عن التغيير أو التأثير من أجل توجيه الثورة في مسارها الصحيح. إن لهؤلاء الشباب القدر الأكبر في إنجاح تلك الثورات وتعريفها عالمياً، كيف لا وهم من عاشوا وذاقوا كل أشكَال الهدر وأنواعه، هم من ذاقوا مرارة الاستبداد والطغيان، هم من كانوا ضحايا العنف وحروبات الهوية، هم من عاشوا تجارب الاعتقال والتعذيب الجسدي العنيف، بل هم من عاشوا فظاعة التحقير الجسدي والنفسي، كل هذا ولكن أيضا يضاف لذلك أن لهم شرف الالتحاق الثوري المبكر. إن الاضطرابات التي حدثت في صفوف الثوار من ضعف وانقسام ومساومة للقضية، جعل الكثيرين من الثوار الشباب فاقدين الثقة، وخاصةً في رفاقهم بالأمس، مما اضطرهم للهروب من المعركة في منتصفها، كخيار مناسب للابتعاد بعدما تأكدوا من عدم جدوى نضالهم، فكان المنفى خيارهم وأملهم في بدء حياة جديدة. ولكن وما أن يصل إلى المنفى حتى يبدأ في الإحساس بالندم، جراء الفشل الذي لحق به وبرفاقه، الأمر الذي يحمله إلى رفاقه وحلفائه في مشروع التغيير. إن هذه الحالة هي الشائعة اليوم عند الشباب الذي هاجر إلى أوربا هرباً من الفشل في التغيير ومن الواقع المأزوم. لا يقتصر الأثر الناجم من الفشل على المستوى السياسي فقط، بل يتجاوزه ليشمل كل الجوانب النفسية والاجتماعية، من خلال الدمار النفسي والاجتماعي الذي يحدثه الإحساس بالفشل، مثل الإحساس بالندم ولوم الذات واحتقار الحياة وفقدان الثقة في كل ما حوله، كما أنه يقود إلى هدم الذات وتدميره وإعاقته وجودياً ولو أنه يتظاهر ببعض مظاهر العافية. وتجمع الشهادات التي يقدمها ضحايا فشل المشاريع الثورية التحررية، على مقدار الأذى النفسي الذي يلحق بكيانهم، والذي يأخذ أعراضاً متنوعة جداً مثل: الكوابيس، الاكتئاب، الشعور بالضغط الشديد، التوتر والإثارة.

الختام:

كانت تلك أبرز العوامل والأسباب التي أدت إلى موت المثقف في المنفى والتي توضح حالة الموت الجماعي الذي يشهده المثقفين في المنفى، فالكثير من المثقفين لهذه الأسباب أو لغيرها أُصيبوا بحالة من الكسل والخمول. يبقى هنالك الكثير من النقاط التي لم تؤخذ بعد، كالعنصرية والخسائر النفسية المتكررة، والتهميش والاستبعاد القسري من المشاركة الاجتماعية والثقافية والفكرية. أيضاً الضغوطات النفسية التي يتعرض لها غالبية اللاجئين في أماكن العمل، سواء من زملائهم أو من رؤساء الأقسام ومديري الشركات، وفي الحياة الاجتماعية العامة، بالإضافة إلى القلق الناتج عن الانتظار لتكملة الإجراءات القانونية المتعلقة بطلب اللجوء، وخاصةً إذا علمنا أنه سيأخذ وقتاً ليس بالقليل، أيضاً الصراعات السياسية ذات الطابع الفكري. كل هذا بجانب الكثير والكثير الذي سقط سهواً أو تعمدنا تجاهله لضيق المساحة، على أمل أن نواصل في مقالنا القادم، والذي سيكون مواصلةً لهذا السرد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1/ خيانة المثقفين – إدوارد سعيد – ترجمة أسعد الحسين – دار نينوى 2011.

2/ المثقف والسلطة – إدوارد سعيد – ترجمة وتقديم محمد عناني – رؤية للنشر والتوزيع2006

3/ صور المثقف – إدوارد سعيد – نقله إلى العربية عثمان غصن – منتدى وشبكة التنويرين العرب.

4/ الإنسان المهدور–مصطفى حجازي – المركز العربي الثقافي بيروت.

5/ التخلف الإجتماعي -مصطفى حجازي – المركز العربي الثقافي بيروت.

6/ أنطونيو غرامشي – المثقف العضوي

7/ كيف يشخص فانون أزمة الهوية عند المثقف العربي – مقال منشور بمدونة الجزيرة

8/خارج المكان – إدوارد سعيد – سيرة ذاتية – 2000

                

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

علمٌ لم تره إلا الأعين الحرة!

أبت روح الأديب إبراهيم اسحق إبراهيم أن تقبل تكريم “جيل جديد” لها، واختارت النأ…