14808824_1587819017910335_761067435_o

 

 

• تأليف : أدولف ديغاسينسكي
• ترجمة : أديب كمال الدين

ليس بعيداً عن (سيروك) يتموج نهرا (بغ) و (نارو) مثل وشاحين جميلين أزرقين بزرقة السماء العميقة في الربيع، وكان سائل الوشاحين يرتفع ويغمر الأرض، بقدر ما تستطيع العين ان تراه، بماء هائج، صاخب، مضطرب.

اكتست الأرض الممتدة ما بين (بغ) و (نارو) بمروج فاتنة وغابات صنوبر رائعة، نُقّطت، هنا وهناك، بأكواخ ريفية مغطاة بالقش. لم يتراجع فيضان الربيع تماماً بعد، وبإمكان المرء أن يسمع الصخب في كل جهة، نزلتُ إلى (بغ) في ساعة أصيل متأخرة لألقي نظرة على النهر السريع، على طيور النوارس الصائحة فوق الرؤوس، على قوارب الصيد الرديئة النوع التي تناثرت على امتداد المياه الواسعة، فجذب انتباهي، رجل يجلس على ضفة مرتفعة حاسر الرأس، يرتدي قميصاً بأكمام، وذقنه يستند على يديه، لقد بدا وهو يفكر ملياً في الفيضان، ومن بعيد كان شبيهاً بالتمثال في مواجهة السماء، بسهولة كان بإمكاني أن أتخيله منتحراً ينهي حياته، مستعرضاً ماضيه قبل أن يرمي بنفسه في النهر العميق.

مررتُ به مرتين وبقيت أراقبه حين مشيت من أمامه قفز بغتة، نزع قميصه وقفز في النهر. بصورة غير متعمدة أطلقت ُصرخة، صرخة لا أحد يستطيع، بأية حال، سماعها، لأن المكان كان مهجوراً ولأن صخب الماء كان بإمكانه أن يخفي صرخة أقوى من صرختي، نظرت إلى الماء وأدركت، في الحال، أن الشخص الذي خفت من أجله كان سباحاً ماهراً حقاً، وكان يتحدى بجرأة النهرَ السريعَ الى أبعد حد . الآن، أستطيع أن أرى بوضوح أنه يسبح في أثر لوح من الخشب يطفو فوق الماء، وأنه لم يضيع من وقته الكثير حتى أمسك به ثم سبح عائداً إلى الضفة.

حسناً، فكرت مع نفسي، من يفكر بالمخاطرة بحياته من أجل قطعة خشب حقيرة سوى فلاح جشع؟

خرج الغريب من الماء حاملاً لوح الخشب السميك في المكان الذي كنت أقف فيه. سألته: أيها الفلاح، هل تسكن قريباً من هنا؟

ردّ علي: أنا لست فلاحاً.. أنا عامل زراعي أعمل في معمل التقطير في زناهوري. لقد حظيت بلوح خشبي سميك.. للأسف فهو قصير بعض الشيء. ربنا رحيم. فهو لا يتخلى عن أحد.

قلت له : وما الذي ستفعله به؟ هل ستصنع منه منضدة أم مصطبة أم رفاً؟

ردّ مع تنهيدة عميقة: وما نفع كل هذه الأشياء بالنسبة لي؟ كلا يا سيدي، بل سأصنع منه غطاءً لتابوت.

هذا الانقلاب الغريب في حديثنا سبب لي صدمة، فصمُّت لحظة ثم قلت: لقد انطلقت من أمامي كرجل قوي تماماً، كنت أراقبك وأنت تسبح قريباً مني في ذلك النهر المروع الذي بإمكانه بالتأكيد، ان يجرف اي رجل ضعيف إلى (سيروك) فلا ينبغي لك ان تفكر في تابوت.

– آه، أنا ضعيف يا سيدي، ضعيف جداً، أنا في السابعة والستين، ومرهق حتى النخاع بسبب العمل الشاق، يا إلهي الكريم، لو كنت قوياً لكان بإمكان (ماريسيا) أن تبقى على قيد الحياة.

– هل فقدتَ أحداً؟

– توفيت طفلتي، ابنتي..

وارتعد كما لو أنه ارتعد بسبب ريح ثلجية، جلس ثانية فوق ضفة النهر، وأراح رأسه على يديه، وحدق في الماء وتحدّث بطريقة كئيبة: لقد توفيت وحيدتي، حبيبتي، كنزي، نجمي الصغير. انطفأتْ مثل شمعة، وسقطتْ مثل ورقة من شجرة، وذبلت مثل زهرة جميلة، صغيرتي المسكينة.

لم أجرؤ على فتح فمي، كان صامتاً لحظة ثم قص علي قصته الكئيبة: كان بإمكانها تماماً أن تحتفل بعيد ميلادها التاسع عشر في يوم القديسة ماري، ولكنها توفيت فتاة هيفاء مثل شجرة صنوبر، كانت جميلة محبوبة مثل برعم، ورقيقة. لقد حسدني الناس فماتت وأنا عجوز حقاً، متقدم في السن من أجل اللا شيء ما عدا المقبرة، لقد عشت من أجلها.. آه.

انهمرت الدموع فوق خدي الرجل العجوز، فاهتزت شفتاه كما لو أنه على وشك أن ينفجر في البكاء، تولد لديّ انطباع أن الطبيعة نفسها ساهمت في حزنه المقدس، لذلك فإن أية كلمة يمكن أن أقولها لتخفيف حزنه ستبدو غير مجدية..

حمل لوح الخشب السميك على كتفه وذهب مترنحاً إلى مكان آخر، كما لو أنه أراد أن يكون وحيداً مع ألمه العميق، فتبعته، بصمت، معتقداً أنه ينبغي علي مساعدته..

ثانية اختار مكاناً قريباً من النهر، وحين أراد أن يضع لوحه الخشبي السميك على الارض حاولت أن أساعده.

قال: فليباركك الله يا سيدي.. لقد اعتادتْ أن تعمل من أجلي أنا الرجل العجوز، وذلك ما آذاها فتوفيت، لقد تركتها تقتل نفسها في العمل حيث حملت أكياس البطاطا الى معمل التقطير لتُهرس، لم أستطع نقل المزيد من هذه الاكياس، وكانوا على وشك أن يطردوني من معمل التقطير بعد عشرين عاماً من العمل، لقد كان بإمكانهم أن يطردوني بالتأكيد، لو لم تكن هناك (ماريسيا) حبيبتي وعاملتي التي اشتغلت حتى الموت. دعني، على الأقل، أحمل هذا اللوح السميك الى البيت، إليها، الى تابوتها. لقد توفيت البارحة عند الفجر حين بدأ الديك يصيح.

محاولاً أن أبعد الرجل العجوز عن النهر الذي ربما يحثه على أن يخاطر بحياته اقترحت عليه: ولكنهم، بالتأكيد، سيسمحون لك بأخذ بعض الألواح الخشبية السميكة من المزرعة لأجل التابوت.

هز رأسه وقال: لقد ذهبتُ إلى المزرعة هذا الصباح، وطلبتُ منهم بعض الألواح الخشبية السميكة لأجل تابوت طفلتي، فقالوا أن ليس لديهم منها شيء . أخبرني المدير: أنت عجوز حقاً ولا تصلح لأي عمل، أنت لا تستطيع أن تعمل لتعيد إلى المزرعة ثمن الألواح الخشبية السميكة.

كان محقاً تماماً لذا تسللتُ إلى مخزن الحبوب عند اقتراب الظهيرة حين لا يوجد أحد قرب المخزن معتقداً أنني أستطيع أن أسرق قفصاً قديماً. هل تعرف ما حدث؟ لقد أمسكني الحارس وسلب مني قبعتي ومعطفي، فجئتُ إلى هنا من مكان بعيد لأطلب الألواح من مزرعة اخرى.

ولكن صاحبها كان مسافراً في رحلة ما، ثم أن الله استخدم النهر وبعث إليّ بهذا اللوح الخشبي السميك أنا الآن انتظر، فربما سيبعث إلي بلوح آخر.

ما كاد يقول ذلك حتى قفز وركض باتجاه الماء، فصرختُ خلفه: سأجلب لك بعض الألواح الخشبية السميكة فارجعْ.

لكن الرجل العجوز ركض مثل صبي بعد أن شاهد عدة ألواح خشبية سميكة طافية فوق السطح، ألواح أرسلها الله في وقت الحاجة.

على أية حال فإن السباح، هذه المرّة، لم يحالفه الحظ، فالنهر العنيف جرفه الى إحدى الدوامات، وهناك انتهت حياته وانتهى حزنه.

كاتب من بولندا

تعليقات الفيسبوك

تعليقان

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…