exhibitions_kamala_ishaq

كمالا فنانة يدياء تفكر و تدبر و تقرر بيدها، و هذه الوضعية تغنيها أو تعصمها من الانسياق وراء غوايات التعبير الأدبي التي تتغول على مقام المعالجة التشكيلية و تنتهي بصرف نظر المشاهدين عن لب الأثر التشكيلي كخطاب أدائي يتوسل للمعرفة بالأدوات والخامات التي تمتثل لإرادة الفنان حين يقول لها كوني فتكون

                                                                                                                                   حسن موسي

محملًا بما شاهدت لها من حوارات وما قرأته عنها خاصة ما كتبه حسن موسى متغزلًا بيديها أدلف إلى باحة مدارس KICS محملًا بآمال عراض لقضاء ليلة جميلة في حضرة كمالا، بعد تناول الشاي يبدأ الحضور في التسلل إلى داخل القاعة الذهبية للمدرسة، أتبعهم لداخلها بحذر الزائر لمكان أول مرة، ندخل إلى قاعة بسيطة تراصت كراسيها الزرقاء في شكل قوس أمام مسرح منخفض العلو تتوجه ناحيته لمبات إضاءة ساطعة، زُينت جدرانها البيضاء بلوحات لكمالا متنوعة بأحجام مختلفة، تبدأ الكراسي بالقرب فيما بينها، ويبدأ المنشط في الامتلاء رويدًا بحضور غالبه من السودانيين والذين يبدو أن لهم اهتمام بالتشكيل مع وجود  طفيف لبعض الأجانب، أختار مكانًا يقابل تمامًا المسرح ويمنحني رؤية مستقيمة فالأمر لا يقبل أي انحناء. 

 في البدء تعتلي فتاة جميلة المسرح ثم بانجليزية أقرب ما تكون إلى لكنة أهلها تقدم الفنانة كمالا اسحق بأفضل ما يكون متوقفة عند أبرز محطات نشاطها الفني التشكيلي ثم تترجل برفق بخطوات منتظمة لتترك الساحة لكمالا ومحاورها الأمين عثمان – وهو تشكيلي سوداني أيضًا –  ليكملا الحوار الذي كان شيقًا جدًا – وبقدر مروره السريع – لدرجة أني تركت قلمي والورقة جانبًا ما إن ابتدأ الحوار، فالأمر كان أجمل من ان يتم التشويش عليه بمحاولات تدوين نقاط، من المؤكد أن هناك أشياء ستبقى بالذاكرة لتضمينها في التقرير.

تقول السيرة أن كمالا هي أول تشكيلية سودانية، تخرجت من كلية الفنون الجميلة في العام 1963، ورغم أن الأمر مميز كون أنها وزميلتها أول فتاتين تلتحقان بمدرسة التشكيل إلا أنها ترفض بتاتًا إعطاء أي بعد نسوي لأعمالها، فهي تقول في الرد على تساؤل أحد الحضور عن الارتباط بين أعمالها وكونها امرأة بالقول أنها لا ترسم لأنها فتاة بل لأنها فنانة وانه لا فرق في ذلك بينها وبين أي فنان آخر، تتساءل كمالا : لماذا يصر الناس على حشر موضوع الجنس في أمر لا علاقة له به؟

ثم تضيف أنها حين كانت إدارية في كلية الفنون الجميلة تم قبول دفعة كان نسبة الفتيات فيها تغلب بعد المعاينة الأولية، فحاول البعض إيجاد حيل تقلل من نسبة الفتيات بإيجاد منفذ لبعض من المرشحين الذكور الذين لم يجتازوا اختبار المعاينة إلا أنها رفضت التميز المبني على أساس الجنس.

 تقول كمالا أن اسمها الغريب ذو أصل هندي فقد كان أبوها معجباً ب”نهرو” رئيس الوزراء الهندي ومناهض الاستعمار فسماها تيمنًا بزوجة نهرو “كمالا”، وأنها تربت داخل منزل كبير بأمدرمان ورغم أنها لم تتح لها فرصة الاختلاط بمن هم خارج العائلة في طفولتها إلا أنها نشأت مشبعة بصور استعانت بها لاحقًا في أعمالها التشكيلية مثل الشجرة الكبيرة التي كانت تتوسط باحة منزل الأسرة والتي كان يحكى عن وجود جن يسكنها وكانت في صغرها تهرب وتخاف الاقتراب منها، تقول أن صورة الشجرة شكلت مرجعًا لبعض أعمالها الفنية بل يلاحظ حضور مكثف للأشجار والأوجه في أعمالها وتقول هي أن ذلك تيمن بالحياة.

 يقول حسن وسى عن كمالا أنها يدائية أو كأنه يقول أن أي إشارة بالفرشاة من يديها تكفي لإنتاج لوحة جميلة وتعلق هي على ذلك بالقول أنها فعلًا لا تفكر كثيرًا قبل أن ترسم فهي تمسك بالفرشاة ثم يحدث كل شيء، ولكن مهما يكن فان للعقل دور في العمل الفني وأنها أحياناً حين تنتهي من رسم لوحة فإنها ترفع يديها أمام وجهها ثم تقول لها “شكرًا”. 

 تتحدث كمالا بكل جمال عن شغفها في الرسم وتقول أنها ترسم في كل مكان وان الفنان يستطيع أن يفعل أي شيء فوق أي سطح يجده أمامه ولكنها تحب المساحات الكبيرة لأنها تمنحها حرية اكبر ولذا فهي مولعة بالجداريات وان رسوماتها تكون في الغالب في مساحات تقاس بالأمتار بل تتذكر أنها رسمت لوحة أثناء دراستها بانجلترا اضطرت فيها لاستخدام السلم، وقد رسمت لوحات بأحجام صغيرة جدًا لتقنع بعض من قلل من مقدراتها على رسم لوحات اصغر، تقول أنا أجيد الرسم في أي مساحة ولكني أحب الجداريات جدًا، وتقول أيضاً أنها تحب الغرائبية والغموض التي تطلان من لوحاتها فهي رغم قدرتها على التشكيل الواقعي إلا أنها كأي فنان يجب أن يكون له طريق خاص يميزه بعيدًا عما هو معتاد.
 ويذكر المحاور أنه عندما كان طالبًا في الكلية كانت كمالا تستخدم حين ترسم توبًا واحدًا مخصصًا للرسم والذي تحول مع الزمن للوحة تشكيلية جميلة.
 ينساب الحديث شيقًا تجاوب كمالا بجمال وخفة دم مع ابتسامات تبرز من بين وجه ارتسمت بعض التجاعيد عليه بفعل العمر إلا أن ملامح الجمال تبرز من بين تقاطيعه ومن المؤكد فان العمر لم يؤثر مطلقًا على إحساسها الفني فالأحاسيس تنضج ولا تشيخ والفنانون لا يصابون بالكبر، تقول أنها لا زالت ترسم، حتى عندما تزور شقيقتها في الولايات المتحدة لأشهر قصيرة هي ترسم لوحات، ولكن هناك فرق بين أن ترسم هنا أو ترسم هناك ؟ هل اختلاف درجات الحرارة مثلًا تؤثر على مواد الرسم وبالتالي نوعية اللوحات؟ يستفسر احد الحضور ولكنها تجيب أن لا فرق فهي نفسها هنا وهناك ثم تضيف بابتسامة تمتزج ببعض السخرية فقط تختلف جودة المواد المستخدمة في الرسم   The materials are just better
تخصصت كمالا في الكلية الملكية ببريطانيا في الفن التوضيحي وفن الجداريات، ولذا ساهمت في رسم الكثير من الجداريات بعد عودتها من ضمنها جداريات المتحف القومي التي انتدبت لفترة، ثم جداريات شهيرة بوزارة الخارجية ، ولوحات بمكتب الوزير منصور خالد حينذاك، علق احد الحضور بان اللوحات فقدت حين الانتقال إلى المبنى الجديد للوزارة وانه تمنى لو أن أحدًا أخذها ولكن يبدو أنها فقدت تجاهلا وأبدى غاية الأسف على عدم الاهتمام بها، ولكن آخر يذكرها بجدارية كانت معلقة في مستشفى شهير في إحدى الولايات الأمريكية وأنها تم ترحيلها عندما تم نقل المشفى إلى مكان آخر، تصمت كمالا لبرهة كمن تستعيد صورة ابن ظنت أنها لن تجده مرة أخرى، وتقول كيف لا أتذكرها؟ وتؤكد أنها في زيارتها القادمة ستعمل على زيارة المشفى لتتمكن من رؤيتها وتضيف “من المؤكد أنهم لن يمنعوني من رؤيتها”.
شاركت كمالا في عدد من المعارض الجماعية والفردية ولكنها تذكر معرضًا كان قد أقيم لها بالمركز الثقافي الفرنسي وحين انتهاء المعرض احتفظ مدير المركز بإحدى لوحاتها في مكتبه رافضًا أن يمنحهها إياها ولأنها كانت لوحة محببة لديها فإنها اضطرت أن ترسم لوحة خاصة للمركز الفرنسي لتستبدلها بلوحتها المحببة، ولمحاسن الصدف فان المركز الفرنسي بعد أسابيع من فعالية مدارس KICS قام بتنظيم معرض لأعمال كمالا اسحق حيث زينت جدران القاعة الأرضية لوحات كبيرة تميزها الألوان الخافتة والأوجه الغريبة، ثم عند المخرج تزين الجدار صورة من لوحة “الجبة” التي أهدتها كمالا للمركز.

 

 

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

من الغبي الذي سيفوز بنوبل ؟

ماذا إن رن هاتفك وتم إبلاغك أنك فزت بجائزة نوبل؟ بالتأكيد هو أمر بعيد عن الاحتمال. كل عام …