o-ART-facebook

“إن مجرد إزالة قشرة البطاطس يمكن أن يكون عملاً فنيًّا لو اتسم بالوعي”.

 بيوز Beuys*

كثيرًا ما نقف أمام لوحة ما في إحدى الأركان المنسية في معرض تشكيلي تبدو للوهلة الأولى مجرد بقع من الألوان التي سقطت على تلك الأوراق و الأقمشة ، ويتبادر إلينا سؤالاً يبدو منطقيًا في ظاهره فنقول : لما كل تلك اللوحات ؟ أو قد يتوقف بك نظرك أمام غلاف ديوان شعر حديث فتصادفك كلمات لا تفهم فيها سوى الأحرف و علامات الترقيم ، لتعيد السؤال نفسه لما كل تلك الكلمات ؟

يكمن البعد الحقيقي لكل تلك  الأشياء في دراسة  ليونارد ماير L.Mayer التي قدمها في ستينيات القرن الماضي بعنوان “نهاية عصر النهضة ” ينحو ماير في دراسته إلى أن الفن المحمل بغاية محددة قد انتهي ليعلن للعالم ولادة فن مجرد من الغاية، أي علينا أن نستشف الجمال كما هو، بمعنى آخر أن نرى الألوان و الأزهار و ما يحيط بنا من جمال كما هو .

إن موقف ماير لم يختلف عن فلاسفة الحداثة في أن الإنسان لم يعد مركز الكون ولا المعيار الذي عبره تقاس الأشياء .

ما قام به ماير وآخرون قاد إلى تغيير كلي في مفهوم الفن و الجمال لنشهد تحولًا عظيمًا حدث خلال عصور الفن ، فمن المعروف لدى المؤرخين في مجال الفن، إن هنالك عصور فنية حدث فيها تحول فلقد انتقل الفن من العصر الوسيط إلى الحديث ومن العصر الحديث إلى عصر ما بعد الحديث .

إن لكل عصر من هذه العصور ، سمات معينة ومحددة يمتاز بها المنتوج الفني أو الأدبي عن بقية العصور ، كما أن لها سمات مشتركة

وأول ما نلاحظه على فنون أوربا العصور الوسطى هو أنها كانت تعبيرًا روحيًا، بحيث جاءت هذه الفنون مرآةً صادقة انعكست فيها الحماسة للدين وتعاليم الكنيسة، لذلك لا نكون مبالغين إذا قلنا أن كل ما اشتمل عليه الفن الأوربي في العصور الوسطى من رمزية وجمال ومثالية، إنما استهدف غاية واحدة هي إرضاء الشعور الديني والكنيسة  وهكذا جاء هذا الفن آية صادقة عبرت تعبيرًا أمينًا عن أثر العقيدة المسيحية وعصور الإيمان، وهي العصور التي امتازت بسمو الوازع الديني والباعث الروحي على غيرها من قيم الحياة ،لم يكن العمل الفني عملاً بالمعنى المفهوم، بل كان حرفة أكثر منه أي شيء آخر، ولم يكن أسلوب الإنتاج فرديًّا، فلم يكن الفنان ينظر إلى نفسه بوصفها ذاتًا مستقلة مبدعة، بل جزءًا من فريق يهدف لإتمام سقف كنيسة ما أو لوحة جدارية أو ترنيمة كنسية. وكما كان أسلوب الإنتاج يغلب عليه الطابع الجماعي، كان أسلوب التلقي أيضًا يتم بصورة جماعية، فمشاهدو هذا الفن أو مستمعوه كانوا مجموعة من رواد الكنيسة الذين يستهدفونها لأداء صلواتهم ولم يكن حال المسرح بمختلف حيث ظهرت المسرحيات الوعظية والتي تعتمد في طريقة تقديمها علي مفهومي اللغز و السر المستمد محتواها من الكتاب المقدس، ويظهر الشعر بنفس المستوي حيث يعبر الشاعر الانجليزي جيفري شوسرGeoffrey Chauce  (1343_ 1400 في حكايات كانتربري فيقول في منتصف قصيدته :

(ثم يذهب الناس المشوقين إلى الحج…                                            

إلى الأضرحة البعيدة، المعروفة في بقاع شتى..

وفي سوثورك في تاباد حيث أقطن

أسعد لأقوم بالحج

إلى كانتربري بغرم خالص كامل،

وجاء إلى المنزل في الليل.

 تسعة وعشرون صحبة واحدة،

من أناس مختلفين، التقوا بالصدفة

وألفوا زمراً، وهم جميعاً حجاج،

يتجهون راكبين إلى كانتربري

ثم يقدمهم تشوسر الواحد بعد الآخر في رسومه الطريفة من استهلاله الذي لا يضارع،

وكان بينهم فارس، وهو رجل محترم،

وهو في ذلك الزمان أول من بدأ

الخروج راكباً، فقد كان يحب الفروسية،

والصدق، والشرف، والحرية والتهذيب..

وقد خاض المعارك الدامية،

وحارب من أجل عقيدتنا في ترامسين…

ومع أنه كان جديراً بالاحترام، إلا أنه كان حكيماً، يشبه في هيئته العذراء

ولم يصدر عنه الخبث ولم يقله).

من الملاحظ أن جيفري يتمركز حول الدين و يضفي عليها طابعًا دينيًا خالصًا كما هو حال بقية ما أنتج خلال تلك الفترة .

لينبثق نوع آخر من الفنون وعرف بالفن الملكي الذي نشأ في البلاط الملك ليعبر عن الملك أو القيصر وتحول الفن كأداة في خدمة الطبقة الارستقراطية ، بالرغم من وجود تلك البنية داخل الفن إلا أن الذي حدث مع  مايكل أنجلو (1475-1564) Michael Angelo لهو انقلاب حقيقي أو تحول في بنية الفن لتبرز ذاتية الكاتب وتحرره من قيود الكنيسة مع أنها لم تكن بصورة كاملة .

سرعان ما بدأت مكانة الإنسان “الفرد” في الرسوخ مع عصر النهضة، الذي يعد بحق عصر النزعة الإنسية، والعودة لكل ثقافة مركزها الإنسان. فلقد شيد الفن في عصر النهضة ذاته على فكرة العودة للماضي اليوناني والروماني، في محاولة لإبطال مفعول التوجهات الدينية لكل مناحي الحياة، والبحث عن مصدر أكثر ثراء لحياة الإنسان، ولكنه في عودته تلك كانت عينه على المستقبل الذي يصير فيه الإنسان مركز العالم وبؤرته ، وقد كان النزوع نحو الدراسة المتأنية للطبيعة، بوصفها مقدمة ضرورية لتحقيق الصدق الفني؛ أن يعطي المشروعية لفناني هذا العصر بحيث

  يصير إبداعهم مؤسسًا على الدراسة والعلم، إلى جانب الملكة الإبداعية والخيال الحر المبدع، حتى لا يصير الفن مجرد صيغة أو حرفة، يمكن لأي أحد أن يمتهنها، أو مجرد نتاج لشطحات ميتافيزيقية لا يمكن الوقوف فيها على محددات تمكننا من فهم الفن على نحو إنساني محض ،يلاحظ أن التحولات التي حدثت في مجالات الفن و إبداع الإنسان لم تنفصل عن التحولات التي حدثت في مجالات الحياة المختلفة و نزعة الأنسنة التي اجتاحت أوربا على العموم ، فنجد كانط kant في مقاله الشهير عن التنوير قد وضع أسس جديدة في الفكر و مفهوم العقل  فانتقلت المجتمعات إلى وضع تاريخي أعاد صياغة تعريف الإنسان و العلاقات الاجتماعية .

لتتفجر مجددا مقولات أدت إلى تحول مهم جدًا في الفن و المجتمع بنحو اسع ، فظهر مصطلح الحداثة ، ليعيد صياغة تعريف الفن . ونستطيع أن نرقب هذه التحولات في تعريف بودلير C. Baudelaire للحداثة في مقالته المهمة “رسام الحياة الحديثة” Le Peintre de la vie moderne الصادرة عام 1863 يقول: “إن الحداثة هي المؤقت، وسريع الزوال، والجائز، هي نصف الفن، بينما الأبدي والثابت هو النصف الآخر”

إن الحداثة في نظر بودلير- ووفقًا ليورغن هابرماس- تستهدف الاعتراف باللحظة الانتقالية كماض أصيل لحاضر سيأتي. لذا يأخذ بودلير على فناني عصره حنينهم الدائم للماضي دون الالتفات لما هو راهن “إننا إذا ألقينا نظرة سريعة على ما نشاهده في معارضنا من لوحات حديثة، فإن ما سوف يصدمنا هو نزعة الفنانين العامة إلى إلباس جميع الشخوص ثيابًا قديمة”.

و يأتي الشعر معبرًا عن تلك الحالة فقصيدته الأرض الخراب The Waste Land يعبر ت. س إليوتT. S. Eliot عن حالة من التشظي و التشتت ليخرج الشعر في ثوبه الحديث وتصبح قصيدته ملهمة للعديد من الرواد  سواء أكانوا أوربيين أو غيرهم كمحمود درويش ومن نحى نحوه .

في هذا الطريق الممهد لاغتراب الإنسان والطبيعة عن الفن، سار الشاعر ت.س.إليوت. لقد أكد إليوت على “أن القصيدة لا تقول شيئًا ما وإنما هي الشيء نفسه” ، ويظهر مصطلح جديد وهو ما يعرف بلا أنسنة الفن ، ليدخل الفن الحديث دهاليز النخبوية ويصبح غير مفهومًا ، للأفراد داخل المجتمع سوي القلة القليلة ويتحول اهتمام الفن الحداثي عن المحاكاة التي تهتم بموضوع الفن، لا شكله، إلى الاهتمام بالشكل الخالص، أي يتحول الفن الحداثي إلى رفض صريح وقاطع للواقعية.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

نحو نظرية نقدية (1/3) 

  في إحدى سنواتي الجامعية بينما كان الخطاب العلماني يحتدم في الفضاء الاجتماعي بالجامع…