22539765_10159670725305294_4518212857501526434_n

عرف الإنسان النقش والرسم والتعبير الصوري منذ القدم، حيث ظهرت في الأثر النقوش على جدران الكهوف، وعلى التوابيت، واستخدمت للتزين، حتى أن الرسومات الملونة ظهرت في بعض المعابد القديمة، وقد كان تطور الفن جزءًا من ازدهار البشرية واكتشافها لنفسها، وارتبط ذلك بتطور الذائقة البصرية ولا يخفى اهتمام الإنسان بالفنون، فهنالك العديد من المعارض الفنية والمتاحف، وعدد كبير من الفنانين الذين يحتفي بهم العالم منذ مئات السنين، كذلك تعددت مدارس الفن التشكيلي، فكان منها الواقعية، والانطباعية، والرمزية، والتجريدية، والسريالية وغيرها من المدارس.

شهدنا بالأمس القريب بيع لوحة للرسام الإيطالي ليوناردو دافينشي بما يراوح ال 450 مليون دولار، كأغلى عمل فني يتم بيعه، تلك اللوحة المسمية بالمسيح منقذ العالم “Salvator mundi”، تجعلنا نقف أمامها وأمام غيرها من الأعمال الفنية متسائلين عن سبب هذه القيمة المرتفعة لسعر اللوحة أيعود لكونها فائقة الروعة أم باعتبارها قطعة أثرية أم لانتسابها للفنان ليوناردو، هذه التساؤلات وغيرها تقودنا خطوة للأمام لمعرفة مكانة الفن التشكيلي في مجتمعاتنا وهل كان له نصيب من التطور كما حدث في الحضارة الغربية.حاولنا طرق هذا الموضوع بصحبة عدد من قراء مجلة جيل جديد عبر استطلاع تم نشره بصفحة المجلة على موقع الفيسبوك وقد احتوى الاستطلاع على الأسئلة الآتية:

– هل تلقيت خلال مراحل تعليمك دروسًا في الرسم و التلوين أو التعامل مع الأشكال على العموم ؟

– هل تهتم بالفن التشكيلي بقدر اهتمامك بالفنون الأخرى؟ ولماذا؟

– هل تواجهك صعوبة في التفاعل مع الأعمال التشكيلية؟ كيف تشرح الأمر إن وجدت صعوبة؟

– هل تواتيك رغبة اقتناء لوحة أعجبتك، أم انك تستمتع برؤيتها في المعارض فقط؟

– هل توجد في منزلكم / غرفتك لوحات معلقة؟

يواجه الفن التشكيلي اليوم منافسة عالية مع انحسار وجوده بالمناهج التعليمية بشكل حيوي، نجد بين المشاركين بالاستطلاع من لم يتلق دروساً في الرسم والتلوين، وحتى أولئك الذين حظوا بتلك الفرصة كانت أغلبها دروساً طفولية أو أكاديمية، فعلى سبيل المثال تقول حميدة الحسن  “تلقيت دروساً تمهيدية في الرسم والتلوين في المرحلة الثانوية و لم أكن أكترث لأنها أخذت قالباً أكاديمياً بحتاً“، ويعزز ذلك خالد بلة بقوله “تلقيت دروسًا في المرحلة الأساسية (ولكن) ﻻ أجد لها أي أثر في داخلي“،أما أحمد الطيب قرمه  فكانت له نظرة فلسفية عن فكرة تعلم الفن التشكيلي “نعم، تدربت على الرسم ومن ثم علمت أن الفن ليس عالم أشكال فقط، إنما عالم إرادة خلق الأشكال، اهتمامي بالفن التشكيلي أو القوة التشكيلية كما يسميها فرويد، وبقيم الجمال/القبح يأتي لأنه في نظري إنتاج أوهام نافعة للحياة“.

هذا الانحسار ربما يكون مؤشراً لتراجع الفن التشكيلي أمام غيره من الفنون، في عصر قويت فيه الآلة الإعلامية وعلا صوت الموسيقى والدراما وغيرها من الفنون الحركية وهذا ما نجده في رد هوما حبيبأهتم للفن التشكيلي ولكن ليس بقدر الفنون الأخرى، أنا أقرب للموسيقي من الألوان” و محمد حامد الذي أكد أنه رغم اهتمامه الشديد بالفن التشكيلي إلا أنه يظل أكثر ميلاً للموسيقى.

 عن تفرد الفن التشكيلي وقدرته العالية على تحويل ما حولنا إلى طاقة فنية متخلقة وجديدة تقول أنوار عمر الفاروقأميل للفن التشكيلي لأنه يخلق من الأشكال الموجودة في الطبيعة أشكالًا جديدة غير مألوفة عن طريق أفكار ومشاعر و رؤية الفنان الخاصة، الحرية في أن تعبر عن نفسك بالطريقة التي تحب“. أما خالد بلة فيعتقد أن الفن التشكيلي ربما لا يستطيع طرح فكرتنا للآخرين بشكل واضح كما يحدث في التعبير اللغوي كما في القصة والشعر فيقول “اللغة أقرب إلى التوصيل ربما أما الرسم التشكيلي فأنا أحس أنه يقول عني وعن الفنان التشكيلي مالا يستطيع أن يقوله أو ربما ما لم يشأ أن يقوله“.

ملاذ أحمد عبد الله، تلقت دروساً في التلوين وتعبر عن اهتمامها بالفن التشكيلي ضمن اهتمامها بالفنون عامة، إلا أنها تواجه صعوبة في فهم بعض اللوحات الفن وتقول مبررة ذلك “أحياناً تواجهني بعض الصعوبات في التفاعل مع بعض الأعمال التشكيلية وابرر ذلك لعدم إطلاعي ومعرفتي الوافية بالمدارس الفنية”، أما أشرف المهتم كثيراً بالفن المسرحي يرى أن الفن تشكيلي مجال رائع لإطلاق الإحساس ويقول “الفن التشكيلي صادق و دائما ما تجسد اللوحات المرسومة مضامين تحكي عن أشياء جميلة أيً كانت قبيلة الفن التشكيلي التي تنتمي إليها اللوحة” ويواصل عن عمق التشكيل “وهناك لوحات تشكيلية لا يفهم كنهها سوى الرسام نفسه وان دل إنما يدل على مدى ثقافة الفنان والهدف المراد توصيله من خلال اللوحة الغامضة أحياناً“. هذا الغموض الذي ربما يلُف بعض اللوحات قد يجعل تذوقها أمر فيه قدر من الصعوبة.وقد اتفق كل من محمد عبد العاطي ورباب إبراهيم على صعوبة فهم الأعمال التشكيلية حيث تُرجع رباب ذلك لصعوبة الفكرة وراء العمل، بينما اختلفت عنهما نظرة هند غازي قليلاً إذ تشعر أن هذا الغموض هو مكمن الإثارة في هذه الأعمال فتقول “أشعر بالكثير من الفضول في حالات اللوحات التي تحتاج لتفسير عميق“. وذهبت حميدة الحسن في رأيها إلى أن فهم هذه اللوحات يعتمد على مزاجية الرائي “مؤخراً لم أعد أرى أنني بحاجة لتفسير عمل فني فغالباً ما يأخذ شكل حالتي المزاجية“، وهو ما أيدته إسلام علي بقولها “لا أواجه صعوبة في التفاعل مع الأعمال التشكيلية وأحب أن أفسرها حسب ما أحب” وكذلك أحمد الطيب في إجابته وافقهما الرأي بأن الرجوع لحال المتلقي هو الأصل في فهم العمل الفني فقال “أفسر الفن كمشاهد حسب الحالة التي أكون فيها واستمتع برؤية لوحات الفنان السوداني حسن موسى“،وعلى صعيد آخر أمير جويلي وهو رسام تشكيلي يرى “أن جوهر الفن التشكيلي يعتمد على الحس لا الشرح وهذا يتطلب معرفة بمدارس الفن التشكيلي ومجتمعاتنا تفتقر لهذا بالتأكيد“.

اتفق العديد من المشاركين في الاستطلاع على  رغبتهم في اقتناء لوحات تشكيلية، ملاذ عمر مثلاً تحلم بأن يكون لديها لوحة في المستقبل، وتشاركها الحلم هبة احمد الماحيلطالما رغبت في شراء لوحات خصوصًا الأعمال المتعلقة بالطبيعة، استمتع جدًا بمشاهدة المعارض ولكن أرى من الضروري الاحتفاظ بتذكار منها على الأقل“. أما عبد العزيز محمد فيذكر أن تزين الجدران بهذه الأعمال الفنية شيء رائع ويضيف “أنا شخصيًا أود أن يكون لي الكثير منها وذلك لأنها تلهمني وتعطيني ألف سبب لأكتب“، محمد حامد يقتني بالفعل مجموعة كبيرة من أمهات اللوحات التشكيلية لفنانين كبار بهيئة صور ثابتة أو تقليد للأصل وكذلك عبرت عبير عواد عن حبها للفن التشكيلي وأثارت في مداخلتها نقطة مهمة وهي التكلفة المادية لاقتناء تلك اللوحات، فلا يكفي أن ترغب في اقتنائها “لو أعجبتني لوحة من الممكن أن أبحث عنها لأقتنيها، بالطبع النسخ غير الأصلية، وهذا سهل لحد ما، وقد يكون قليل التكاليف“، قد شاركها الرأي أيمن هاشم ومحمد زين العابدين، وبينما يرى البعض إمكانية اقتناء النسخ غير الأصلية ترفض الفكرة هوما حبيب قائلة “تواتيني الرغبة الملحة في الاقتناء، وقد أجد تقليدًا للوحات لكنه ليس من اختياري“، يلجأ البعض لخيارات أخرى أقل تكلفة بكثير، كزيارة المعارض عبر متصفح الإنترنت وهو خيار أصبح متوفرًا، فيقول هاشم صالحأتابع في النت اللوحات والمعارض وابحث دائمًا داخل العالم الجميل المتطور بصورة جميلة ومبهرة“. من بين من لديهم لوحات معلقة على جدران بيوتهم، ومن يتوقون إلى اقتناءها، وأولئك الذين يحتفظون بما أحبوا من أعمال على جوالاتهم،يطل علينا مهند محمد الطيب آخذاً رغبته إلى مرمى بعيد قائلاً  “ربما أرسم إحداها لنفسي في يوم من الأيام“.

يمثل الفن التشكيلي نفسه تحدياً للمتعاطين معه، لذا تجد أن تباين الآراء ودرجات الاهتمام به، تجعل من ساحته مجالاً لتمحيص الإحساس والذوق الفني، فالأصل فيه هذا الشد والجذب لإعلاء قيمة الإحساس الفردي. وأحياناً لا تكفينا الحساسية العالية فقط، لنتذوق الفن بل نحتاج إلى صقل ذلك الإحساس بكثرة الاختبار والتعلم. وعن أهمية الفن التشكيلي نختم بما جاء في مداخلة أمير جويليانه هام جداً في بناء الوعي وسمو الروح وإعلاء الإنسانية “.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

دخان

يا عين يا عنية يا كافرة يا نصرانية.. عين الفتاة تقد الوطا.. عين الصبي سيفاً مضي.. العين مس…