الهادي

 أ. الهادي علي راضي

• المُتابع لمسار كتابة القصة القصيرة في العالم يجد أنها اكثر الفنون الكتابية تطوراً، وشهدت اختراقات كبيرة، وتطورات مهمة، انتقلت بها من مرحلة الحٙكي الفطري والقص العادي، الى السرد المحبوك، والذي يعتمد على تقنيات وأساليب مُبتكرة ومتجددة. وفي مجتمعنا الكتابي المحلي نجد أن القصة القصيرة مرت بمراحل زمنية وتكوينية مختلفة، من لدن معاوية محمد نور ، وعثمان محمد نور ، على المك، مرورا باسماء أخرى كبشرى الفاضل وعادل القصاص وعلى يس وعيسى الحلو ..الخ.

وكقارئ شغوف بالقصة القصيرة، وكاتب لها في مستويات أخرى. سأقدم أدناه قراءة سريعة لثلاثة من النصوص القصصية التي اعتبرها من اميز النصوص التي قرأتها، وأثّرت فيني تأثيراً مباشراً، وساهمت بشكل كبير في تعريفي بالقصة القصيرة الحديثة. حيث أنّي أعيد قراءتها بين الحين والآخر. وتتكشف لي في كل قراءة اشياء جميلة واعتبرها من اميز ما كُتب في القصة القصيرة السودانية حديثاً

• النصوص هي :

النص الاول : (صورة تذكارية مع غريق) من مجموعة (يناير بيت الشتاء) للاستاذ / احمد ابو حازم .

والذي يعتبر احد عرّابي السٙرد الحديث ومن ابرز المُجدّدين في كتابة القصة القصيرة . وهو بالطبع اول فائز بجائزة الطيب صالح العالمية بمجموعته (يناير بيت الشتاء) والتي احتلت المركز الاول . قصة ( صورة تذكارية مع غريق ) تٙحفُل بفنتازيا مدهشة، وتسلسل رائع في سردها وحوار لطيف وساخر، إضافة إلى عباراتها الرشيقة والمميزة . وتحكي القصة عن اثنين من الذين يغسلون الاموات ، يتحدثون قبل غسلهم لأحدهم، ومن خلال حوارهم يتعرض الكاتب لقضايا اجتماعية ومعيشية تخصهم، وتخص المجتمع ككل .

النص الثاني : (بحيرة بحجم ثمرة الباباي) من مجموعة (العودة) للقاصة الجنوسودانية/استيلا قايتانو .

وهي من الأصوات النسائية الجادة – وان كان الادب لا يعترف بهذه التقسيمات – ، والتي جعلت لنفسها خطًا سرديًا مختلفًا ورفيعًا ، استلهمت فيه بيئة الحرب ووظفتها في كثير من النصوص . هي قصة تحكي عن فتاة تلازم جدتها حتى موتها، في قالب فنتازي مدهش، حيث ارتبطت هذه الفتاة بجدتها ارتباطًا عميقًا ، للحد الذي جعلها حتى بعد أن تقدمت في عمرها ترضع من ثدييها، اللذان يشبهان ثمرة الباباي. مع استصحاب عوالم السحر، والأسطورة الشعبية، في تعلّق الفتاة بالنسور حتى بعد وفاة جدتها؛ لأنّ جدتها اخبرتها ذات يوم بأنّها لو اتيح لها التحوّل إلى كائن آخر لاختارت أن تكون نسرًا .

النص الثالث : (لحن نشيد الثورة) من مجموعة (عسف العسس) ، للاستاذ/ الهادي علي راضي .

وهو كاتب جرئ ومُجدد ومتفرد، تضع نصوصه اثراً على كل من يقرأها. حاز على جائزة الطيب صالح العالمية عن مجموعته القشيبة (فنتازيا انثى الشط). القصة يمكن أن نطلق عليها قصة ملّحمية محتٙشده باللغة والفكرة. تبدأ في مسارات عدة، تجتمع في مسار واحد. نص قصصي يحمل بدخله فكرة قوية يتم تقديمها في قالب ذكي وبديع ولغة ذات ايقاع سريع يتناسب مع تصاعد الاحداث. وهي تحكي عن شخص طلب منه وضع لحن لنشيد الثورة في عيدها، هذا اللحن الذي استلهم فيه الملحن كل الاحداث اليومية التي مرت عليه، وعند عرضه لاول مره توقع أحدهم الا يعجب ذلك القائد .

• اجمالاً فإن الثلاثة مجيدون وما يقدّمونه يمثّل علامة فارقة في مجمل المشهد السردي السوداني؛ لأنه قد اجتمعت فيهم صفات تكاد مشتركة بينهم مثل اللغة الجيدة، والخيال الخصب، والتجريب. إضافة إلى استلهامهم للحياة اليومية للفرد السوداني، وترفيعها من العادية إلى درجة الادهاش والروعة، وذلك بقولبتها داخل نصوص تنبض بالحياة. اضف الى ذلك أسهاهم الثري والواضح في إنجاح كثير من المشاريع الكتابية الناشئة أما بتأثير نصوصهم عليهم أو بتقويمهم من خلال الورش والمنتديات والمسابقات .

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

هيّا نشترِ شاعراً

( عليّ أن أقطع أميالاً قبل أن أنام). ( علينا ألا نترك الشعراء في الحدائق). (1) سِحر الرواي…