315653806

خالد عمر :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

_هذه الأغنيات ، هذه الأيقونات الساخرة للحب بسذاجتها والباكية من اللهفة والشوق .. أشبه بالسلالم الخمسة لمباني من مئة طابق متصلة ببعضها ، تسمعها ، وتصعدها واحدة بعد الأخرى دفعة واحدة ، تتمزق عضلات قدميك ، ينقطع نفسك .. تحس بخدر لذيذ يضم قلبك المتسارع نبضه والمنهك إلى أطراف جسدك الداخلي أكثر فأكثر .. لتشعر براحة- عندما يصل الألم إلى أقصاه- تشبه تحسسك لللحن وتلمسك للآلات الموسيقية بأطراف أناملك للمرة الأولى .

هذه الأغاني .. تجعلك تتصاعد مع خفتها وتهبط بتعبك لتعاود الكرة مرة أخرى ، تُتِيهُك بين تورطك وخلاصها المعلن من الذين يشبهونك في الحزن والحنين .. لتغرقك في ثقلها الحسي العميق وأنت جاهل بالأسباب .!

الحزن القديم  والشجن الأليم ..
إنت ِ ..!
_ الحكايا التي تبثك إياها هذه الألحان والكلمات تأخذك للأماكن والأزمنة الماضية ، و خبايا كل واحدة منها .. كفيلة بإصابتك مباشرة في قلبك  .. وتزيد من الوخزات والخيبات التي تصابت القلب الذي عراه الحنين مسبقاً كل ما عايشته يوماً .. أغاني مثيرة للجدل بين اليقين والشك  .. وعن كنه* الحب في أسمى معانيه ورسالته وإن جاءت في مغلف الحاءين* .!
فما أصعب أن يضيع أحد بين هاتين الأغنيتين وأن تخلق حياته قصتين مثليهما كذلك .. 
فتصبح محاصر بين حزنك وألمك .. بين القديم المترب والشجن الذي لا يشيخ في ذاكرتك المبتعِثة له آنا شاءت ..!

  الحزن القديم  .. 

الترددات الصوتية في الافتتاحية الموسيقية في كامل الثماني دقائق الأولى ، الهدوء المصاحب للألحان وللآلات والذي يتغير شيئاً فشيئاً كل ما جفلت عن تركيزك ليعيدك ثانية إلى حضوره .. يوحي لك وكأنك بمواجهة عاصفة ممطرة ورياح قوية وما هذه المقدمة إلا دعاش مطر ووعود الذاكرة القادمة على بساطة التذكر ( بالأشياء القديمة ) !
لتتذكر انك في قرية لا تشهد الكثير من فصل الخريف من مطر وبرق ورعد .. بل إن كل ما يصيبها هو آثاره من سيول وفيضان للوادي  الذي يقسم هذه القرية الصغيرة إلى كائنين هما في الأصل واحد ..
وفي * حين هدوء آخر ، تتمايل أقواس الكمنجات علواً وهبوطاً على الأوتار لترقص  ولتهبنا أجمل ما في هذه المقدمة الموسيقية .. ليضج تصفيق الجمهور كل المسرح بكل الشغف المنتظر .
وهنا أتساءل : كيف صيغت كل هذه العاصفة من  آلات موسيقية واحتواها مجرد مسرح خشبي وعبقرية ملحن ..؟!
وكيف تحمّل الجمهور كل ذلك ؟!
ليأت صوت محمد وردي منتزعاً كل أفكاري وتساؤلاتي وإيذاناً منه لقطرات المطر أن تتساقط .. ولتبدأ عاصفة الحزن القديم ..
ولا الحزن القديم انتِ 
يهتز المسرح مرة أخرى بالموسيقى الضاجة بالحزن العالي التوتر .. لتملأك بشعور الحنين المبهم للماضي من حياتك ..

ولا لون الفرح …
إنتِ

هذه اللا النافية .. تبدأ هذه الجملة الصادمة لكل الأشياء الماضية فيك ومنك وعنك .. تسمعها بوعيك .. وتراها  ” هي ” هناك منتصبة بكامل الفرح ليأخذك اليقين من شك هذه الكلمات الأربع .. كما لو انك سقطت من مكان عالي .. وما زلت تسقط إلى ما لا نهاية .!

ولا الشوق المشيتْ بيهو ..
وغلبْنى أقيف ..

ليؤكد هذا المقطع / هذه الكلمات*  ذلك السقوط وأنت ما زلت تبحث في سقوطك عنها ، في كامل شوقك .. وتختلط لك كل الوجوه لتصاب باليأس .. وتردد بكل الإحساس المتبقي داخلك حين تختفي مع وردي :

ولا بِنٌتِ .. وما بِنٌتِ ..

  وكساحبة هي هذه الكلمة المنفية تعتصر كل ألامها في مساحة روحك الأصغر من أن تحتويها .. لتبدو لك للوهلة الأولى مقدار ضآلة روحك العاجزة والمغلوبة على أمرها * .

ولا التذكار ولا كُنٌتِ ..

هنا تحديداً تتراءى لي الأسباب التي جعلت من الدوش يتجنب هذه العاصفة من الحزن والحنين في قصيدته فيما بعد .. ولكأن ما حدث في قصة التاكسي المشهورة من تعابير وجه الدوش المختنق في تلك اللحظة أراها في هذا الجزء من قصيدته تحديداً .. فيا للذاكرة التي لا تتوانى عن أفعالها هذه .

* صوت الجيتار في الفاصل الموسيقي التالي يشبه اتحاد الضوء مع الصوت سوياً في مسار آلة زمنية عائدة للماضي .. فيصيب بالشهيق والتوجس .. وليعيدك طفلاً صغيراً -يركض- خوفاً ودهشة نحو حضن أمه المطمئنة به وعليه .. لتمهد له مع الموسيقى  كل الدهشة في التصوير التي سيشاهدها في المقطع التالي :

بتطْلَعِى إنتِ من غابات
ومن وديان…
ومنى أنا..
ومِن صحْيَة جروف النيل
مع الموجَهْ الصباحيَّه..
ومن شهقَة زهور عطشانَهْ
فوق أحزانهْا..
متْكَّيهْ..
بتَطْلَعى إنتِ من صوت طِفلَهْ
وسط اللمَّهْ منْسيَّه 

_ وكأن لم يتبقى من غابة إلا وكانت في امتداد هذه الغابات في صوت وردي ولتختفي داخل اتساع كلمة ” أنا ” .. ومن ثم يخفيها ويغطيها بالحروف والأمواج الصباحية التي تبدو بهول كل الكون وروعته ..
ليس هذا فقط من الدهشة .. إلا ” طفلة “.. يقولها بصوت أكثر إدهاشاً ، وكأن الطفلة أمامه على المسرح قربه وينظر في عينيها .!
كل ذلك وخيالي محصور بين ( إنتِ ) في أول السلالم
و ( مني أنا ) بين تلك الغابات والوديان أعلاها !

وهُنا في هذه المقاطع كثيراً ما – تتوه عني المعاني ولغتي في الفهم وحتى التعبير ..
هُنا أصير ذلك الطفل المندهش .. أحاول استيعاب هذا الوصف والتصور .. فاعجز تماماً عن النطق وأخاف أكثر فأكثر ، ووردي يرددها دون أي مراعاة ومبالاة .. 

في أي شيء كان الدوش يفكر وهو يكتب هذه الأبيات .. أو في أي كيفية جعلته يرى ويحس بهذه التفاصيل البسيطة لإيصالها .. ؟!
كيف استطاع إطلاق هذه الأحاسيس الشاهقة والمحبوسة من بؤرة فكره وعاطفته المنكسرة .؟! 
أي جِبة كانت في معية ذلك الدرويش .. ؟!

كل شيء يتوقف هُنا ليُعاد ترديد هذه المقاطع ثانية .. كتوقف المطر .. كاستقرار ذلك السقوط اللانهائي السابق الذكر أول هذه الإلياذة .. 
فيبدو لك في هذا السكون وكأن هذه الأبيات كبذرة تنمو وتطلع أمام عينيك بهدوء وجلال .. والأرض مرتوية ويلبسها ثوبها المبتل ..  

بتَطْلَعى إنتِ من صوت طِفلَهْ
وسط اللمَّهْ منْسيَّه 

فاصل موسيقي آخر لتبدأ النهاية ..

تَجينى..

اللحن الموسيقي الذي يسبق هذه القطعة  الصغيرة من السكر الآيلة للذوبان ، للكلمة المحتشدة كما صوت كل  القرية ينادي .. في صوت واحد .. وكأنما أصابهم خطر ما .!
يملؤك الصوت بالخوف ، بالأماني والدعوات والترقب .. وأنت تركض للخارج من حضن أمك الخائفة عليك .. يرتفع ضغط دمك ويزداد تدفق الأدرينالين في جسدك المنهك .. وقلبك يدق بقوة وكأنه طارق خائف متلهف للدخول أو العكس وكلاهما مؤلم .!
كلمة مبهمة .. تجعل الأمر مربك ومعقد للغاية .. يشبه إخبارك بعملية زراعة قلب جديد لمن تحب .. 

تَجينى.. 
تَجينى..
معاكْ يجينى زمن..
أمتِّع نفسى بالدهشَهْ

هي ترددات كل الأمنيات المحبوسة في القلب المترقب ..! 
هي إظهار ما تفعله الصحبة في المكان وجمالها عند التوحد وإرجاع كل الدهشة بسبب كلمة ” معاك ” لتفسيرها ببساطة وأكثر معنى في ” الزمن ، المتعة والدهشة  “

تَجينى..

فأي وصف للحنين يمكن أن تحمله كلمة أخرى كهذه .. ؟!
وأي لهفة وشوق ؟!
وأي وعيد وخوف ؟!
ولا تجد إجابة .. وأنت تقف كمسمار مثبت على قلب خشبي .. عاجز عن فعل شيء .. تماماً تجدك منتصف الشارع مدركاً أن ما من شيء من تلك الأصوات يرتبط بأفكارك .. وأن كل النداءات ما هي إلا احتفالات بالمطر .. 
لتراها كما رؤيتك الأولى لكنها في هذه المرة ” هي ” معك في شكل هذا المهرجان .. 

طبول بتْدُق
وساحات لى فرح نَوّر
وجمّل للحُزن..ممْشى
وتمشي معاي..
خُطانا الإلفَهْ والوحشَهْ..
وتمشى معاي… وتْرُوحى..
وتمشى معاي وسط روحى
ولا البلْقاهو بِعْرِفنى…
ولا بعرِف معاكْ ..روحى

وكأن ما يحكيه حلم .. حلم يحكيه ويعيده بمرارة ليؤكد حدوثه في الحقيقة وهو ليس سوى رؤى قديمة يحدثها القلب للعين ليحاول إثباتها وتأكيد حقيقتها .. ولا يجد إلا روحه “وهي” في مكان واحد .  وروحه مجبولة  على ترديد قصته .

  ” وأصوات طبول بتدق ”  أو بالأصح أنها أصوات أي قلب حين لقاء حبيب ، اشعر معها كما لو أني في ذلك الحلم  أُحدث ما يُظهر فرحي ، اشعر بالراحة والدفء والطمأنينة والخوف من اليقظة وزوال ما ينتابني .

وفي الصباح أبدأ أتلفت حولي وأردد في حزن كما يرددها محمد وردي بكل عاطفة الفقد والفراق .. وأتساءل ..
أو أدرك وردي أن ترديده لهذه المقاطع -فعلتها تلك- وبذلك الأنين أي حزن يصيب القلب لذلك فعل ؟! 
أو أن المقطع وعلوه تلبسه لحظات التلحين ليعيده هكذا عارياً من كل رحمة .. ؟!
أو أنها قدسية ( الأشياء القديمة ) وشاعرها هي السبب ..؟! 
قدسية ( الذكريات والأحاديث ، الأماكن والمشاوير ، الأحاسيس والمشاعر ، وكل ما تم الاتفاق عليه يوماً ) !
فلا شيء غير التيه في هذا المقطع الأخير يبدو بائناً .. أو أن لا شيء يظهر هنا أبداً .. لينتهي في النسيان .. 

ولا بِنٌتِ .. وما بِنٌتِ ..
ولا بِنٌتِ .. وما بِنٌتِ ..
..

ولأظل افتح مغلفات الحزن والحنين -كهذي الأغاني- أمام القلب ، وأظل أحب .. كما تقيُدي – ككثيرين –  بالتشويق والإثارة والرغبة واللهفة لفتح أي مغلف جديد أو رسالة .. يأتي بها القدر إليّ .!
فأي خطأ أو صواب قد فعلته بكل ذلك وإلى ماذا قاد .؟!
ويبقى الحزن القديم .. إنت ِ ..!

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

ينْتَظِر البَعْثَ كُلَّ مَساء ..!

 | نضال الغريبي – الشاعر التونسي المنتحر مثل الخراباتِ القديمة، رحنا نسير مبعدين نتت…