اليوم قادتني دروب الحجر الصحي إلى تنقيب قنوات اليوتيوب التي تحتويها قائمة الإعجاب بقناتي على اليوتيوب( cool zool)  فوقفت على قناة بنتلي براون لمشاهدة فيلمه القصير المسمى بـ (أستاذ Oustaz ) للمرة الثانية ولكن بنفس مختلف هذه المرة؛ و Bentley brown هو مخرج تشادي(أمريكي المولد) مقيم حالياً بمدينة جدة، كرس كل جهوده في هذا الفيلم الذي يصف فيه حياة أستاذه ومعلمه في مدينة اتيا بمقاطعة البطحاء شمالي شرقي تشاد.

الفيلم عبارة عن تداعي بالذاكرة وعرفان للجميل، وذلك عبر تسليط الضوء على المواهب الخرافية لشاب تشادي ظاهرة، وُجد في مدينة ريفية بشمالي شرقي دولة تشاد هي مدينة اتيا عاصمة اقليم البطحاء، وذلك عبر معالجة تسجيلات وثائقية قام بها المخرج المترعرع في المدينة الريفية أثناء قيام بطل الفيلم بثورته الحضارية التي قلبت واقع المدينة البكر رأساُ على عقب، يُبرز الفيلم المواهب المتعدد لـ ( استاذ) ذلك الرجل الذي ابهر المدينة الصغيرة بعلومه، وصعق سكانها بمواهبه اللا محدودة؛  فهو المهندس والمسرحي والمعلم والموسيقي، أو الرياضي المرح؛  فبفضل جهوده تعلمت المدينة  المشي على دروب الطرب، ومناشط الرياضات الحيوية.

مثلت هذه الشخصية  الجامعة للمعارف  رمزا حيا للحضارة؛ والإعجاز المدهش بالنسبة لسكان المدينة فتملكتهم الحيرة عندما أرادوا أن يعطوا بطلهم لقبا يليق بمقامه، فإن أطلقوا عليه لقب المعلم، أحسوا بإهمال الجانب الموسيقي فيه، وإن نادوه بالفنان، عاتبهم الكابتن الرياضي!. لذلك اختصروا الطريق وجمعوا كل الألقاب الممكنة في كلمة واحدة وهي ( استاذ) فربما ذلك يوفيه بعض حقه.

   يظهر “أستاذ” في بداية الفيلم وهو يعزف للجمهور على آلة الكيبورت الموسيقية في حفل ليلي بهيج، فيقدمه المخرج كرسام ومهندس، وموسيقي، ثم يعود ليقول (انه استاذ).

 لعب (استاذ) دورا محوريا في مجتمع المدينة البدائية في خضم محاولته لإلحاق مجتمعها  بركب الحضارة المتعجل، وذلك عندما قام ببناء  ملعباً للسلة، وأخر لكرة القدم، صنع فرقة مسرحية؛ عمل في التوعية الصحية؛ شارك في خلق المجموعة الموسيقية المتكاملة للمدينة بتعليم أفرادها العزف على العود والجيتار؛ الاكورديون؛ والكيبورت، تلحين الكلمات. خلق كل ذلك من العدم وبجهده الذاتي، بالإضافة إلى مساهمته الفعالة في التعليم.

للفيلم القصير -والذي لا تتعدى مدته الاثنان وعشرون دقيقة- عمق حضاري وثقافي /تاريخي مهم، فهو يوثق مناشط (استاذ) الفريدة عبر كاميرا رقمية، راصدا نشوء المدينة وتطورها، بل يعطي لوحة فنية بارعة باحتوائه لصور المدينة في فصول السنة الأربعة وعلى امتداد أكثر من العقدين من الزمان، بالإضافة إلى تسليطه الضوء على حوجة المجتمعات المحلية -وإفريقيا على وجه الخصوص- الماسة إلى أبنائها المستنيرين، فـ(أستاذ) الذي بنى بهجة المدينة من العدم، هو رمز للابن المستنير البار الذي لم يتخذ من استنارته جوادا للعبور إلى أنوار المدن الكبيرة ومباهجها بالانتقال للعيش في عاصمة البلاد، أو الهجرة نحو مدن أبعد وأبهى مثل باريس، فعلى الرغم من معارفه المتعددة ومهاراته الفريدة آثر ” أستاذ” البقاء في مدينته والعمل على خلق نموذجه الخاص في البهجة والسعادة؛ مع المساهمة في بناء الأجيال بالتعليم، بادئا في كل ذلك من مرحلة الصفر تقريباً، وبلا شك فالإنسان هو بصير نفسه وهاديها، وأن العنصر الأهم في التحضر والرقي هو الإنسان، فأينما وجد إنسان يوجد موروث ثقافي وأي موروث ثقافي هو مادة خصبة للإبداع ومنصة رحبة للانطلاق نحو التحضر، وكما رأينا في قصة “استاذ” فإن الإنسان هو محور المقدرة وسيد المشيئة، مهما تعقدت الظروف المحيطة به فإنه يستطيع أن يبدع.

 مما أثار إعجابي  من أحداث الفيلم المؤثر: الفخر والامتنان، العميقين، فقد أستطاع مخرج الفيلم –الذي ترعرع  بين حواري المدينة وألف وأزقتها الطينية- في أن ينفذ إلى داخل روح المشاهد، لينتزع منه الفخر، عندما يرى ذلك الكم الهائل من الامتنان الصادق، ورد الجميل للرجل الظاهرة، الذي أفنى حياته -القصيرة- في تعليم الآخرين طريقة مثلى للعيش بسعادة وحرية.

إضافة إلى ذلك فالمشاهد يستطيع بكل سهولة استشفاف نبرة الفخر والاعتزاز بالماضي  للمخرج، من بين أحداث الفيلم، وذلك في عدة لقطات هي لمحات من حياة الفتى الأمريكي الذي خدمته الظروف في أن يرى دنيا أخرى غير تلك التي تصبح وتمسي على قبعات موصلي الطعام الجاهز، وضجيج القطارات الطويلة، فخلال الفيلم ظهر المخرج عدة مرات، مرة عندما كان مراهق في لباس محلي وهو يشارك الآخرين وجبة العصيدة، في مناسبة اجتماعية، وأخرى باللباس الوطني التشادي وهو يرقص مبتهجا في حفل ليلي أشجاه ” الأستاذ” بأنغام الموسيقى الأصيلة، ثم وهو يضع الكرة في السلة بحيوية ونشاط وقد كان ” أستاذ” يشجعه بحرارة وهو يصفق لرميته الجميلة، كل تلك الصور والمشاهد المذهلة تترك في النفس شجن ولوعة، بل تحول تلك التفاصيل اليومية العادية لكل شخص لشيء مميز يستحق المشاهدة.

إستطاع مخرج الفيلم أن يجمل قدراً كبيراً من الأحاسيس بين طيات أحداث فيلمه المتعجل، فبقدر البهجة المفرطة في أول أحداث الفيلم يأتي ألم الفقد المفاجئ في النهاية؛  وقد أعجبتني مقدمة المخرج التي ألقاها عند عرض الفيلم على شاشة مهرجان الخرطوم للفيلم، حين قال ” يا جماعة أنا زول بكاي شديد، فما تندهشوا لو شوفتوا دموعي نازلات أثناء عرض الفيلم”، وقد صدق فأحداث النهاية صعبة ومؤثرة، فالفيلم يختم أحداثه بتصوير منزل “أستاذ” الضاج بالسمر أبدا، بعد رحيله، وقد بنت على جوانبه الطينية عناكب الحوشة بيوتها وخيم الصمت بداخله.

حتى المدينة بعد فجيعة الرحيل المبكر لـ” أستاذ”  بحادث حركة ظهرت خاوية، فعلى الرغم من تمسكها بطريق النهضة الذي ابتدعه، إلا أن الإحساس بالفقد كان بادياً على وجوه رفقاء ” أستاذ” بل على أشجار المدينة الريفية البسيطة.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

نديسان* كورا المجيدة؛ قراءة في رواية “الظل يحترق”

  «في بيتنا الظل يحترق» هكذا لخصت “كورا” الجملية لصديقتها “بينتو”،…