1970548_257504107763645_1825927734_n

  حسين إدريساي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

 ***

يعتبر المخرج الإيراني ( أصغر فرهادي ) أيقونة بارزة في محافل

السينما العالمية بأفلامه الإنسانية النفيسة ..

أخذ على عاتقه مبكرا مهمة النهوض بالسينما الإيرانية من دائرتها

الضيقة..

( سابقا لم تكن تعرف بسبب استخدامها للغة الفارسية على

وجه الخصوص في حوارات أفلامها والتعصب الشديد في هذه النقطة

بالذات ) وزجها في المحافل العالمية ( تنوعت أفلامه بين الفرنسية

والانجليزية ) وواجه في ذلك صعوبات ومضايقات عديدة إذ أن طريقه

لم يكن مفروشا بالورود وإنما شقه بالنارواللهيب حتى أنه اضطر

للسفر خارجا مدة أربع سنوات لإخراج أحد أفلامه ( الماضي ) عندما

وقف أمام دولة إيران الحديثة بقوانينها الحازمة وتعاليمها المتشددة

قبل أن يعود إلى أحضانها مجددا كالملوك الفاتحين لتجبر هي على

الاعتراف به بعد أن نال المجد والخلود بفلمه الحائز على أوسكار

أفضل فيلم أجنبي لعام 2012 ( انفصال نادر عن سيمين ) ..

تخصص فرهادي في دراما المشاكل العائلية التي من خلالها تتفجر

المشاعر، وتكشف غالبية أفلامه مثل ( عن إيلي ، الماضي ) وهنا

( انفصال ) عن التناقضات الإنسانية وكيف تتكون أفكارنا عن الدنيا،

وعن العلاقة مع “الآخر”، وهل من الممكن أن نحصل على ما نرغب

من خلال الحب، وكيف يتحول الحب إلى درجة عالية من الرغبة في

السيطرة وتطويع الآخر، وما ينتهي إليه من تصدع في العلاقة

العاطفية والزوجية على وجه الشمول .. فأصغر فرهادي يتناول

الإنسان بكامل ضعفه في أفلامه و يقدم قضايا وهموم الطبقة الوسطى

على اتساعها ، من منظور ديمقراطي كما انه يبتعد عن إصدار الأحكام

التقيمية ، تاركا فسحة كبيرة للآخرين بتقييم المشهد بأنفسهم عن

طريق تميمة النهايات المفتوحة أو بما يعرف بال ( الدايلما)المشهورة

في أفلامه .. يهتم أيضا بقضية الذنب والعدالة وعن هذا الأمر قال ”

السؤال هو : ما هي المعايير التي لدينا لنقول أن فلانا مذنب أو غير

مذنب؟ ” ..

جمع فرهادي في أفلامه روابط بين المشاهد و الفيلم جاعلا المشاهد

يفكر جيدا بعد مشاهدة الفيلم منطلقا في سباق محموم بين ضميره

وعقله وقلبه لإطلاق الحكم الأخير وكأنه قاض في محكمة مصيرية

ولربما ذهب أبعد من هذا فغير من طريقة تفكيره وتعامله في كثير من

الأمور .. أيضا يكشف فرهادي عن تأثير ضغوطات الأنفصال والطلاق

على الجميع من الأبناء و الزوج و الزوجة و عن الأسباب التي أدت

إلى هذا و يتساءل عن من هو المذنب ؟!

هل التفاهم و التضحية قد يحلان هذا المشكلة ؟!

هل الرغبة الشخصية و الأنانية سبب هذا المشكلة ؟!

لاننسى أيضا أنه يكتب أفلامه ويخرجها بنفسه وهذا ماجعله مخرجا

متميزا جدا من ناحية توظيف هذه الأسئلة لخدمة الفيلم في تتابع سلس

جدا ..

لاريب أن العائلة هي الركيزة الأساسية التي يقوم عليها صلاح بنيان

مجتمع أو انهياره .. ولاشك أن الزوج والزوجة هما ربانا هذهالسفينة

الشامخة التي تمخر عبر أمواج المشاكل المتلاطمة وعواصف المحن

الهوجاء ..

قصة فيلمنا مميزة ومهمة كونها تعكس كل التغيرات التي يمر بها

المجتمع الإيراني بفئاته وشرائحه الاجتماعية يبدأ الفيلم بمشهد

مشوق وصادم نوعا ما .. زوجان من الطبقة الوسطى وفي متوسط

العمر مضطربان حائران وعلى شفا جرف هار من الألم ..

نادر ( بيمان معادي ) و سيمين ( ليلى حاتمي ) يجلسان جوار

بعضهما البعض هما أقرب مايكونان مكانيا وأبعد ما يكونان روحيا

داخل محكمة الأحوال الشخصية من أجل ترتيب إجراءات طلاقهما

ولهما ابنة وحيدة في عمر الرابعة عشرة تيرمية ( سارينا فرهادي ”

ابنة المخرج ” ) ..

سيمين زوجة متحررة نوعا ما كما يظهر من ماكياجها ومظهرها تطلب

الطلاق متبرمة لرغبتها في مغادرة البلاد، أملاً في مستقبل أفضل

وأنجع لابنتهما الوحيدة ، وزوج صارم راض بظروف العيش في كنف

الوطن يرفض قاطعا فكرة السفر لإعالته والده المريض بالـ ”

الزهايمر ” ( علي أصغر ) ..

كلا الطرفين متشبث برأيه لاعتبارات مختلفة حسب وجهتي نظرهما ..

وعلى إثر هذا الخلاف الحاد تقرر سيمين مغادرة المنزل إلى منزل

والدتها حتى تنال الطلاق واختارت رضية ابنتهما أن تعيش في المنزل

مع والدها نادر وجدها المسن .. ثم تأخذ القصة منعطفا بالغ الخطورة

وتتقاطع خيوطها مع خيوط قصة أسرة فقيرة أخرى يحمل الزوج

(شهاب حسيني ) وهو عصبي ومتهور في ردود أفعاله عبء ديون

عديدة وتحاول الزوجة رضية ( سارة بيات ) مساعدة زوجها بالعمل

خادمة في إحدى البيوت، تقود تلك الظروف الصعبة رضية صدفة

لرعاية الجد المصاب بالـ ” الزهايمر ” ، وتتشابك الأحداث لتصل

ذروتها في مشاجرة كلامية حادة بين نادر ورضية حين يعود من عمله

ويراها متغيبة عن المنزل وقد تركت أباه المريض وحده مربوطاً وقد

سقط قناع الأكسجين بجواره وأنفاسه تشهق ، فيدفعها فتُسقط حملها،

لتتصاعد الأحداث إلى دعوى ترفعها رضية ضد نادر متهمة إياه

بإجهاضها ..

ما أعجبني في هذا الفيلم دور الفتاة تيرمية ومحاولة التوفيق بين

والديها فالأبناء رسل السلام وعصافير المحبة عندما يشتد الغسق فهي

لم تجف دموعها وتوسلاتها لأبويها بالعودة ولم تضعف ولم تلين على

مدار الفيلم .. كذلك التزامها الصدق أمام المحقق في قضية الإجهاض

المتعلقة بوالدها أعجبني كذلك اعتزاز الأنثى بكبريائها الرهيب وأرى

ذلك جليا في رد سيمين لابنتها المستميتة في جبر الخلل : لم يقدر

عشرة السنين لو قال لي عودي لعدت ! كذلك نادر رغم المحن الملقاة

على عاتقه من ديون وانفصاله المقبل من زوجته التي عاش معها

14 سنة إلا أنه لم ينس قط واجبه تجاه أبيه وفي حوار له مع سيمين

ذات مشادة كلامية عندما قالت له : إنه لايعرفك ويراك غريبا .. فقال

لها : ولكنني أعرفه جيدا فهو أبي !! لقد أوضح الفيلم الأزمة الحقيقية

في كل العلاقات وهي أن كل طرف لا يرى سوى نفسه فقط، نادر لم

يحاول أن يبين مرة لسيمين أن يقدر علاقتهما وحبهما وزواجهما،

وهي لم تُقدر مرة معنى أن يترك أباه المريض الأشبه بطفل، ولم

يرتضي كلاهما التنازل عن كبريائه وعناده، على الرغم من الحب

الذي جمع بينهما لأكثر من خمسة عشر عاماً.

نادر لم يقدر رضية ولم يحاول أن يستمع لها وهي تشرح له كيف

حدث أن تركت والده، وهي لم تستطع أن تقف وتشرح لزوجها شهاب

( حقيقة ) الأمر.

كان المخرج قاسياً على المشاهدين في مشهد بكاء الأب أثناء رعاية

الجد، وفي نهاية الفيلم الذي احتوى على مشهدين قاسيين،

الأول..مشهد المواجهة الأخلاقية بين الأسرتين واعتراف رضية بأن

نادر لم يكن المتسبب في إجهاضها،

والثاني.. مشهد مواجهة الابنة تيرما للقاضي وهي تضطر للاختيار

بين أبويها في اختيار من بين خيارين أحلاهما مُر، فلا تجد سوى

الدموع وسيلة للرد على أنانية أبويها.

الفيلم جميل وصادق ومعبر وشديد العمق، ويحتاج لعين بصيرة ترى

دواخله وتتعلم من مشكلاته، حيث أراده المخرج أن يكون صرخة ينبه

فيها المجتمع الإيراني ومجتمعاتنا الشرقية للتقاليد والعادات والإرث

الأخلاقي والمحبة الصادقة الآخذة في الانهيار والتهاوي، وللتمسك

أحياناً ببعض تقاليد جوفاء بالية تطوقنا كأسوار من حديد ..

تقييمي للفيلم 10/10 رغم بعض الأخطاء البسيطة التي لاحظتها

والتي لاتخدش واقعية وتركيب هذه التحفة السينمائية … سيناريو هذا

الفيلم ثقيل جدا وعليه ضغوطات أكثر من حجم الفيلم, كما أنه ضعيف

لأنه محشو بحوادث كثيرة على سبيل المثال كان بإمكان سيمين

ببساطة السفر مع ابنتها بدون زوجها , بتوكيل في محكمة الأحوال

الشخصية , لكن هدف المخرج كان هو مجرد جذب الانتباه , فمعظم

المخرجين يظنون أن مشاهد البكاء والحزن على ساديتها تكون لذيذة

وبداية احترافية, لكن في الحقيقة أنا لا أعترض على ذلك لكن يجب

أن تكون مشاهد وظيفية وليست حشوا كما أنه كان بالإمكان استدعاء

الطبيبة الشرعية للشهادة في المحكمة وحسم الخلاف المسهب الطول

المتعلق بقضية الاجهاض .. أيضا إنك عندما تشاهد الفيلم, ستلاحظ

الاهتزازات الواضحة في معظم مشاهده ( 90 % من الفيلم ) , فقد

بالغ المخرج ( أصغر فرهادي ) في إستخدامه للتصوير العشوائي,

الذي لا يجدر به في إفراط في إستخدامه إلا في بعض المشاهد (

25% من الفيلم )

ويبقى هذا الفيلم هو الرد المفحم لكل المشككين في كفاءة السينما

الإيرانية ولقد كان بحق البوابة الذهبية لتعرفي على جمالياتها

المستترة ..

 

تعليقات الفيسبوك

3 تعليقات

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…