4aw11274

إسلام أحمد منير :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

في حياةٍ أخرى ربما وددتُ أن أكون مزهرية!!

هذه الأيام أفكر كثيراً في حلمٍ قديمٍ لطالما راودني…أن لو كان مقدرٌ لنا العيش في حياةٍ أخرى وكان لنا الاختيار دون حكم لكنتُ اخترتُ دون تردد أن أكون (مزهرية)….مزهريةً صغيرةً وصامتة…مزهريةً من الزجاج أو الخزف…بألوان كثيرة أو لونٍ وحيد…مزهريةً قديمة أو حديثة…بنقوش بارزة أو مطفأة…صدقوني لن تهم كل تلك التفاصيل…سأكون فقط في قمة السعادة لو يستجيب الله لي ويقول لي: “كوني مزهرية!!”

المزهرية الصغيرة لا تحتاج أن تحادث أحدهم…ولا أن يحادثها أحد…تجلس بهدوء على منضدة ما…وتمارس التأمل في فضاءِ الغرفةِ المتسع…إنهم يتركون المزهرياتِ دائماً وحدها مع أفكارها بسلام ولا يأبه بأفكارها أو صمتها أحد…لم يحدث أن حاكم أحدٌ مزهرية على اتساع أفكارها أو ضيقها…. لكن الجميع قد ينصب نفسه قاضياً لجلد فتاةٍ بربيع العمر لأنها فقط… (فكرت)!!

أثبتُ نظري على المزهريةِ القديمة على سطح المكتب…لا بد وأنه قد مضت أكثرَ من عشرين عاماً منذ أن اقتنتها أمي للمرةِ الأولى….حتى أن أمي أخبرتني بأنها اشترتها في الأصلِ من دكانٍ للتحف القديمة حينما كانت تتجول في بواكير حياتها باهتمام لتأثيث منزلنا الحالي…المزهريةُ تبدو كما هي جميلةٌ وصغيرة ولم تتغير منذُ ذلك الوقت….ولكن لا أحد يعاتب مزهريةً لأنها لم تكبر…(أو تصبح أكثر عقلاً)

أنت تشتري المزهرية تضعها على طاولة…حافة نافذة…على كوةٍ في الحائط…فوق خزانةِ الملابس…في رف مكتبة…في دولاب الأواني…أو حتى على الأرض…

أنت تضعُ المزهرية وتنامُ ليلاً…ثم لا تأتي بعد يومٍ أو شهرٍ أو عام لتعاتبها أنها لم تكبر!!

لا أحد يطالب مزهرية بأكثر مما هي عليه…فعليها أن تكون فقط (مزهرية)…

لا أحد يطالبها بأن تصير حديقة…أو خزانة…أو أن تتحول لسربِ فراشات….

كل من يشتري مزهرية يعرف أنها مزهرية وستظل كذلك…للأبد

المزهرياتُ في نعمة….

أطيلُ النظر للمزهريةِ النحيفة على مكتبي وبكل اختناق أتذكر فجأة لمز جارتنا العجوز طوال الوقت لي إذ تهديني نصائحها الغالية بأن: “لازم تزيدي وزنك دة يا بنية…!!”…

ثم تحرك عادةً فمها بتلك الطريقةِ الإيمائية المزعجة يمنةً ويسرة – تحسراً – ثم تردف:”يابتي…السمااااحة في التُقُل!!”

لا أزداد وزناً ولكني أزداد غماً بعد كل مرةٍ ألقاها بها….إنها طيبة وحنونة ومقارنةً بلمزِ غيرها فعتابها هو الألطف..لكنها تخنقني…تخنقني جداً بتكرار حديثها عن وزني وقلةِ حيلتي أمامه .

لا أحد يعبأ بوزن مزهرية…ولم أسمع أحدهم سبَّ مزهريةً لأنها نحيلةٌ أو لأنها فقط أثقل من اللازم…

وبينما منذ الأزل لا أحد يهمز مزهريةً فقط لأنها رفيعةٌ ورقيقة..تسمع الفتاةُ موشحاتٍ بالغة الطول والثقل إذ أنها ترتدي المقاس (صفر)!! لأنها لبعضهم أنحف من اللازم…وكأن الجرامات الناقصة من وزنها واجبٌ دراسيٌ نسيت إكماله أو امتحان رسبت فيه أو أحد مكارم الأخلاق التي فاتتها….

لا أحد يهمز مزهرية لأنها منتفخةٌ وعريضة…

بينما تسمعُ الفتاةُ كل أنواع المحاضرات وتحتمل نظرات الشفقة عن كل كيلو جرامٍ يزيد عن ما تسمحُ به نظرةُ الآخرين….المزهرياتُ لا يهتممن بكل ذلك ولا أحد يقدحُ مزهريةً لما يبدو عليه حجمها…فكل مزهريةٍ بحجمها هي تماماً تكون كافية حيث أراد لها مقتنيها…

والمزهريات في نعمة…

في الأسبوع الفائت بينما تخطيتُ عشرين ربيعاً وأحد عشر خريفاً أخرى بعدها…كنتُ موضوع النقاش لمؤتمرٍ عاجلٍ وعالي الأهمية من قِبلِ عائلتي: “لماذا لا تتزوجين!!”

“لقد تأخرت كثيرا”…”فيم تفكرين؟!!”…”ألا تريدين أن نفرح بك!!”

عائلتي الصغيرة أعرف أنهم يحبونني…ولكن بدا في كل كلمةٍ تنبعث منهم بأنهم سيحبونني أكثر وسيفخرون بي أكثر لو أنني حزتُ شريكاً – مهما يكن!!…صدقوني لم يكن يهمهم (من)…كان يهمهم أن (يكون) وحسب…آخرٌ أضاف لاسمه بفخر وأزف له بحفلٍ يرضي أحلام الجميعِ دوني…

تسرب لي الحزن إذ بدا لي بأعينهم أنني ناقصة ولا أصلحُ للحياة من دون أحدهم…شعرت بالبرد ينفخ في ثقبِ روحي إذ أحسستُ ساعتها بأني زائدةٌ على هذا الكوكب وربما يهُمُ الجميع بطردي إن لم أحتمي بظل أحدهم من الذكورِ بأقرب فرصة فأحوز شرعية البقاءِ وسط عالمٍ لا يترك فتاةً وحيدة بحالها مهما تفانت بخدمته… ومهما كانت مسالمةً وصامتة….

الفتاة الوحيدة تحب العالم كما هو…ولكن يخونها العالم ولا يحبها كما تكون!!

أثبت نظري في السقف…وأحسد دون وعيٍ المزهرية الوحيدة في الغرفة على كل ذلك السكون الذي هي فيه…المزهرياتُ لا يتزوجن….هن لا يحتجن رفقة ليصبحن (هن)…مزهرياتٍ رائعاتٍ وجميلات…حلمٌ واحد لا تكفُ عن بثه خواطري… أن ليتني في حياةٍ أخرى أكون مزهرية!! فكرةٌ تراودني بشدة بعد أن اكتفيت من وجودي كـ(بنتٍ) ناقصة لواحدٍ وثلاثين عاماً…

ليلة البارحة وبعد عودتي من حفلٍ صاخبٍ زُفَتْ فيه آخر بنات خالاتي لفارسٍ سعيد….ملأتني بحدة كل تلك الأفكار والنوايا القديمة…فمع كل ذلك الحديث عن تأخرِ (بَخْتِي) ونظرات العشراتِ من أمثال جارتي العجوز، واللواتي كن يسألن ويدققن في كل شيء ، كان وقتاً لا يطاقُ لـ(بنت)…وبينما كان الجميع سعداء بالرقص والغناء واغتياب الآخرين كان لي بحق حفلاً للحزن…

في نهاية الحفل خرجتُ مسرعة… كنت شاردة الذهن…لم أكن أفكر في شيء بعينه…كنت تائهةً وحسب… أفكرُ في المزهرياتِ..السيداتِ العجائز..ألوان الزينة…و كم كانتِ القاعةُ خانقةً إثر تعطل التكييفِ قرب نهاية الحفل…وبينما أنا في شرودي في اللاشيء المتبعثر من أفكاري الصغيرة…فجأة اصطدمتُ بسيدةٍ غجريةٍ عجوز كانت تجلسُ قرب مدخل القاعة…اعتذرت لها وهممتُ أن أتابعَ طريقي نحو السيارة ريثما تصل البقية…ولكنها أمسكتني من يدي…جعلت تحدقُ في عينيَّ طويلاً…لم أقاومها ولم أُفلت يدي…وفجأة أخرجَتْ من حقيبةٍ بنيةٍ قديمةٍ بجوارها مسحوقاً برائحة القرنفل ورشتهُ علي..أخبرتني بصوتٍ عميق:

-“يا فتاة…إن ما تمنيتهِ لليلة سيتحقق!!”  ثم دعت لي بأشياء لم أتبينها…أخبرتني جدتي يوماً بأن عجائز الغجر مستجابوا الدعاء…إن شراً وإن خير…

أفلتتني العجوز بعدها بهدوء…هبت واقفة ومضت تمشي في الطريقِ وهي تتمايل كما ضوء شمعة…بدت بابتعادها كأنها تتبخر وتعود بسحرٍ غامض للاشيء الذي انبعثت منه قبل تعثري بها…لم أسألها أكثر ولم ألحق بها…وابتسمت في سري على كلماتها لأني لم أتمن ليلتها شيئاً سوى أن أكون مزهرية!!

رجعنا من الحفل بينما طوال الطريق لم تتوقف أمي عن الدعاء لي…وحثي على الإسراع في جعلها (تفرح) بي…قضية زواجي كانت قضيةً مفصليةً لأمي…أمي الناجحة في عملها وبيتها وأطفالها كثيراً ما كنتُ أحس بأنني خيبتها الوحيدة…أصغر بناتها والتي جاءت لتنغيص آخر عمرها كله..أهديتها شهادة معتبرة ووظيفة مرموقة ولكني فشلت في أن تنقش الحناء في كفي إذ يمهر اسمي عقد زواجٍ محضور…كنت ساهمةً خلف زجاج السيارة…اكتفيت بالإيماء بينما تحدثني هي..لم أستطع مناقشتها بشيء فهي دائماً تعرف الأفضل لي كما تقول…كانت تتحدث عن خاطبٍ محتمل وتسوق…صالون تجميلٍ في الغد وفساتين وكعك…ومواعيد زيارةٍ في الأسبوع القادم…لا أعرف كيف انتهى الطريق إلى البيت..أو كيف انتهيت إلى سريري….

كل ما أذكره أنني أغمضتُ عيني أمس وأنا أناجي الله…فهو الوحيدُ الذي أعلمُ أنه يراني كافيةً كما أنا وربما يسمعني دون شرط:

– “يا إلهي كم هي سعيدةٌ تلك الحياة التي تعيشها المزهريات…

يا إلهي كم أود لو أكون مباركةً ومرضيةً ومستجابة الدعاء لأسألك فقط أن تجعل مني مزهريةً سعيدة…مزهريةً صغيرةً سعيدة ليومٍ واحدٍ فقط لا غير…فهلا استجبت يا رب…هلا استجبت!!”

ليلتها حلمتُ بي بركنٍ صغيرٍ ومظلم…مزهريةً هادئة ولا شيء بجانبي…وحدي في غرفة شاعرٍ صغير يكتب قصيدةً ويخبئ وردةً بجوفي لحبيبته…لا يزعجني بالحديث…فقط يكتبُ وحده بهدوء أبيات شعرٍ رائعة…إنه النعيمُ بعينه أن أكون “مزهريةً في بيت شاعر” وأن أنام وفي قلبي وردة وبيت شعر…

إمتد الحلم…في الصباح صحوتُ من رقدتي تلك على حراك سيدةٍ تبدو وكأنها تنفض عني الغبار بعد أن فتحت ما بدا وكأنه مصباح نورٍ قوي في الغرفة…كانت بحركتها تعاملني برقة وكأنها تحميني من الكسر…

فرِحت…تذكرت كلام السيدةِ الغجرية ودعائها المستجاب…وسعدت حد التحليق بهذه المعجزة

عدت للغرفة أحسست بالسيدة تعيد ترتيب بعض الأشياء حولي ثم همست: “قومي”…

…لم يجبها أحد

ثم تكرر الصوت قريباً مني وبدا لدهشتي كأنها تخاطبني: “قووومي..”

كنتُ في قمة السعادة بتحولي الجديد وما غض خاطري إلا سؤالٌ خطر على بالي عندها..”كيف تعرف هذه السيدة من أكون وكيف تخاطبني أنا المزهرية التي لا تستطيع الكلام أو الحراك!!”…لم أدرِ إجابةً ولكني تحت تأثير كفها وهي تهزني فتحتُ عينيَّ ببطء لأجد بأن ما كان يوماً رأسي..لا زال في مكانه!! ويداي…لا زالتا في مكانهما!! لدي عينان وأنف وقدم!! ولم يحولني الله لمزهرية..

أفتح عيني أكثر وأجد تلك السيدة…(أمي)!!

رأيتها عند سريري ملوِّحة ببطاقة صالون تجميلٍ شهير في يدها…بينما كانت ترفع صوتها بإبتسامة:

– “قومي يااااا (بت)!!”

يا إلهي كم أنا سيئةُ الحظ!!…هربت صباحُ الخيرِ من فمي… وحين تحسستُ ضفائري المشعثة جذبتُ الغطاء على وجهي وأرسلتُ صوتي في الفضاء:

” يا للهول- علي أن أحيا (بنـــتاً) ليومٍ آخر في هذا العالم!!”…

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الياسمينة السوداء

(1) (ياسمينة): كان هذا إسمها….وكانت هذه حقاً صفتها….قبل أن يختطفها الوحش!! في …