1309729428_9872

طلال الطيب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

هو شاعر يكتب الشعر في كل مكان , تحت شجرة ,فوق الجسر ,أو مستلقي على العشب . رغم أنه شاعر جيد إلا أنه أحمق قليلا .بل أحمق كثيرا ينبه حبيبته مريم : يا مريم .أيتها التافهة .! ، يناديها وكأنه سكران ,ولكنه ليس سكران أبدا لكن عليه أن يدعي ذلك ؛ لأن تصرفه هذا لا يفعله إلا السكارى وبالتحديد الشعراء الثملين السكارى .! ، ثم يحرق أوراقه وأشعاره تحت نافذتها .

هي تنظر للنار الصغيرة فتشعر بالغيظ وبالغضب , وتكاد تشرع كل النافذة لتشتمه بأقذع الألفاظ . لكنها تكتفي بأخذ مزهرية من طين البحر صنعتها بنفسها فترميها عليه، يتفاداها الشاعر بمهارة يحسد عليها  تتحطم المزهرية وتتناثر الأزهار متشبثة بالطين الشديد السواد، ينظر إليها ويقول : ما ذنب الأزهار يا مريم المجرمة ! لماذا لا تقذفيني بحذائك , أو برواية ذلك التافه الذي أهداها لك , لماذا لا ترمين حذائك .؟

هي تصرخ فيه فيتشتت شعرها الأسود المجعد أمام وجهها وخلف ظهرها : تباً لك لماذا تحرق أشعارك أمامي ؟ حتى لو أحرقت نفسك أيضا لن أكترث ، فيقول لها وهو ينحني ليلتقط الأزهار من على الأرض : لقد كتبتها من أجلك أيتها الغبية ,أي قصيدة أشعر بأني كتبتها من أجلك أحرقها ,أمزقها ، ترميه بمزهرية أخرى تكاد تصيب رأسه , تتحطم المزهرية وتتشتت الزهور في كل مكان . يصرخ فيها مجدداً : مريم المجرمة قاتلة الزهور .!، تشتمه وتقول له : أنت لست شاعر حقيقي , لو كنت كذلك لعلمت بأن الشعر أهم من الحب .!، يبتسم ويقول لها : أتذكرين عندما أخبرتك بأن الشعر أكبر منا جميعاً فغضبت ؛ لأنك أردت مني أن أقول الحب أكبر من الشعر .!؟، تسكت وتهز كتفها العاري كعادة النساء , تمسح عن جبينها العرق , تمرر أصابعها فوق عينيها النجلاويين كأنها تزيل عنها فوضى المشهد الذي تراه ؛ حبيبها يلتقط الأزهار من على الأرض , مزهرياتها التي تحب صناعتها من الصلصال في أوقات فراغها محطمة تشعر بالحزن من أجلها , ونار تحرق عشرات القصائد، ثم تسأل نفسها : تبا له ! منذ متى يكتب بهذه الكثافة وأصبحت أنا لا أجد مزهرية أضعها في نافذتي أو أرميها به . أخر مزهريتان ها هما الآن محطمتان بسببه ، هو أخذ يحدق في النار باهتمام , ممسكاً بالأزهار بحيث تبقى الجذور في الطين الذي سقته مريم في المساء ، بغريزتها أمسكت بالجك الزجاجي وملأته بالماء وركضت تحاول أن تسبق النار التي تلتهم الأشعار , عندما رآها تجري إليه حرك النار قليلاً لتسرع في التهام القصائد , لكنها اقتربت فابتعد عنها وراقبها تطفيء النار , ثم تمسك بما تبقى من ورق وتتفحصها عسى وأن تحظى ولو بكلمة لذيذة ولكنها لم تجد ولا كلمة !
كانت كل الأوراق فارغة .!

ثم عندما رفعت رأسها حتى تسأله : ما معنى هذا ؟ كان قد اختفى بما يحمله من أزهار وبقيت شظايا المزهريات حول مريم . 

وصل الشاعر الماكر والذي لم يحرق أشعاره قط , حتى تلك التي لا تعجبه يتلوها على الأشجار والعصافير ويكتفي بصمت الطبيعة وثرثرة العصافير جواباً، هو شاعر ينسى ما يكتبه وهذا أفضل له والنسيان حريق من الدرجة العميقة ,وغير أن مريم تحب كل ما يكتبه .عليك عندما تكتب أن تجد شخصاً واحدا ًتسعده بالكتابة فمن الصعب أن تسعد العالم كله . 

في الصباح ارتشفت مريم كوب قهوتها بسرعة وصففت شعرها بسرعة ووضعت أحمر شفاه بسرعة وارتدت قميصها الأبيض بسرعة وكان قلبها يخفق بشدة وقادت السيارة بسرعة وكانت غاضبة أيضا تشعر بأنها في شوق لرؤية حبيبها لأنها تريد أن تضربه ، في صغرها كانت تتعلم الكاراتيه ربما تكون الكارتيه مثل قيادة الدراجة شيء لا ينسى .!

كان لمريم حب عميق ليديها وأصابعها الطويلة الماهرة , حتى أنها أحياناً تنظر إليهما فتشعر بأنها يد غير عادية , خصوصاً بعد أن تصنع بها تماثيل طينية جميلة أو مزهريات من الصلصال , هي تعشق رائحة الطين , تدمنه كما يدمن مغنوا الروك الكوكايين ، شعرت بأنها لو لمسته بأصابعها سوف يصبح لينا مثل الطين فتشكله كما تشاء . سوف أشكله بغلاً , أو حماماً للعصافير . تبا له !

أخبرتكم عن السرعة التي ارتشفت بها مريم قهوتها وهذا جعل رائحة القهوة تفوح من فمها وأنفاسها لمدة طويلة ,وأخبرتكم أنها صففت شعرها بسرعة وهذا يجعلها أجمل في نظره . إنه يحب حبيبته أن تكون مبشتنة . البشتنة تجعلك تبدو أجمل . 

وصلت إلى بيته , دفعت الباب الحديدي , هنا كانت غاضبة وأغضبها الصوت الذي أحدثه الباب أكثر . كانت غاضبة جداً بحيث أنها لو رأته سوف تلكمه وقد تقفز عليه مثل قطة وتعضه على رقبته . لحسن الحظ هو لم يكن موجوداً في البيت وقتها ، لقد سافر . نعم سافر إلى ولاية أخرى ليزور أصدقاء له فرن جرس هاتفها .

دعوني أخبركم عن ما كانت تراه مريم والهاتف يرن لدرجة أنها لم تنتبه إليه أول الأمر . كانت ترى حقل من الأزهار , أزهار كثيرة تحوم فوقها الفراشات وتجري من تحتها المياه ، نتيجة ثلاثة أشهر من الشجارات وعشرات المزهريات المحطمة ما تراه الآن أمامها حقل من الزهور ..ردت على الهاتف فقال لها : لابد بأنك الآن في البيت , حبيبتي اعتني بالأزهار من أجل كلينا .!

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

رواية “بارادايس” ثيمة الرعب والموت

في مساء بارد من شهر أكتوبر، قررت أن أقرأ رواية بارادايس، وفي دمي بقايا إدمان على الإنترنت …