5668daf8f4270bd5dc64b76b6be85222

 تسألني صديقتي : هل تفتقدين زهراء سابقًا ؟

أقول : كلا ، على الإطلاق .

ولدتُ في بغداد من أب وأم كردية ،أعتز بقوميتي وفخورة جدًا بها ، أسكن في منطقة شعبية بعيدة عن مظاهر الحياة . وعندما أقول هذا أعني : رقي ، وعي ، ثقافة .. جل ما يهتمون به هو المظاهر ، نادرًا ما أرى من يشبهني .لذا لا أخرج . ما أفكر فيه بعيد تمامًا عن محيط مجتمعي ، لذا أواجه صعوبة تقبل واقعي وواقع البيئة التي أنا فيها .

عندما كنت في الثانوية ، لم أكن فتاة إجتماعية ، ببساطة كنت أتجنب الجميع ، أتجنب نظرات الكره والذم فقط لكوني كردية .

لم أكن أتقن العربية كثيرًا ، ولا أفقه شيئًا ، اسأل المعلمات والزميلات أن يشرحوا لي مرارًا وتكرارًا كي أفهم ما يقولون وكي أتجنب الوقوع في أخطاء حين أتعمق في اللغة العربية ، وكنظام تعليمي قائم على التلقين دون فهمٍ يُذكر ، كنتُ أسرد ما يقولونه لي دون يقين مني إن كنتُ على صواب أم لا ،عانيت أكثر حين كنت أحاول التحدث عن أمر ما أمام غيري .

في يومٍ ما، طلبت معلمة اللغة العربية أن نكتب إنشاءً محوره ” من أنت ”  ولضعف لغتي العربية ، قمتُ بتسليم دفتري فارغًا دون عنوان يُذكر سوى إسمي .

منذ ذلك اليوم ، والسؤال ما زال يسكنني ” من أنت ؟ “

رويت لوالدتي ما حدث معي ، وبدلًا من أن تقوم بتوبيخي ، أعطتني كتابًا لقراءته . لا زلتُ أتذكر ، كانت رواية ذهب مع الريح لـمارغريت ميتشل . واجهت بعض الصعوبات في قراءتها لكن سرعان ما وجدتُ نفسي مندمجة معها ، إذ قمتُ بكتابة ملاحظات واقتباسات أعجبتني. منذ ذلك اليوم وأنا أقرأ . عبّرتُ عن ماهيتي بالقراءة . وجدتُ نفسي أحاور ، أناقش ، أكتب ، أتميّز و أمارس الدور الذي خلقني الله لأجله في نشر المعرفة .

المدرسة لم تكن تحتوي على مكتبة لتساعدني على الاستمرار في القراءة ، إذ كان التلقين هو السائد وأي قراءة مختلفة عن المتعارف عليه كان ممنوعًا . الصعوبات التي منعتني من مواصلة الرحلة كانت متعددة ، تمثلت في كيفية التغيير ، وكيفية الحصول على الكتب الخارجية دون أن تعاقبني الإدارة . لذلك ، عدتُ إلى والدتي مجددًا وحدثتها في الأمر وإذ هي تقف مبتسمة تعلم ما يدور في ذهني . أعطتني مكتبتها ، الكتب ذات الإصدارات القديمة والتي تعود إلى السبعينيات من القرن المنصرم . أصابتني الدهشة ، رهبة ، ثم ضحكات مجنونة متواصلة مع نفسي وأنا أنظر إلى الكتب . كونها قديمة لم يكن مشكلة كبيرة بالنسبة لي ، ما همني هو أني املك كتبًا .

 بعد رواية ذهب مع الريح ، انغمست أكثر مع الروايات الأخرى ، اندمجت كثيرًا مع الأدب الإنجليزي والأدب الروسي : جين أوستن ، أجاثا كريستي ، وينستون تشرشل ، جوزيف كونراد  تشارلز ديكنز ، جورج أورويل ، جورج برنارد شو و أوسكار وايلد ، فيودور دوستويفسكي ، ليو تولستوي ، ميخائيل بولغاكوف ، ميخائيل شولخوف و مكسيم غورغي .

استمر هذا الحال حتى الثانوية ، في الصف الخامس الثانوي ، كنّا ندرس الفلسفة ، وقعت في غرامها كثيرًا . ساعدتني مع القراءة ومع اللغة العربية . فكرتُ كثيرًا إذا كان عليّ أن أواصل قراءتي مع الأدب أم لا . وإلى متى أظل هكذا دون أن أفهم الحياة أكثر .لذلك ، ونتيجة لدرس الفلسفة ، بدأتُ قراءة : فيثاغورس ، هيراكليتوس ، ديموقريطوس ، سقراط ، أفلاطون ، أرسطو ، القديس أوغسطينوس ، الكندي ، الفارابي ، ابن سينا ، توماس الأكويني، غاليليو غاليلي ، و رينيه ديكارت . لم أواجه صعوبة بداية الأمر ، وهذا ما حيرني ثم ابتسمت لأنني قد علمتُ حينها لو لا بدايتي مع القراءة ، لتعبت كثيرًا مع الفلسفة .

خلال المرحلة الأخيرة من الثانوية ، كنتُ قد عزمت الرأي لدراسة القانون أو الفلسفة أو اللغات كخيار رئيسي في الجامعة ونتيجة المعدل ، لم يتم قبولي فيها ، إذ تم القبول على الخيار الثاني ، العلوم السياسية في جامعة بغداد . لم أهتم حينها ، إذ كانت خياري . وبعد خلاصي من الصعوبات التي واجهتني خلال السنة الأولى من الجامعة والتي تمثلت في العزلة ، واجهتني صعوبات تكمن في كون النظام قديم، وأسلوب التقديم بدائي، إضافة لكون الطرق المستخدمة قديمة جداً. هنا واجهني تحدي في كيفية توظيف خطتي الدراسية ذات المنهجية الحديثة بنظام بدائي معتمد على التلقين . مرةً أخرى شجعتني القراءة على إثبات وجودي.

 

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الأزمة السورية وانعكاساتها على العلاقات الإيرانية – السعودية

سنسلط الضوء على انعكاسات الأزمة على العلاقات الإيرانية – السعودية كأطراف فاعلة في الأزمة م…