طائر يحط على جثة بقرة نافقة، وبعد ثوان، يظهر على خلفية المشهد أناس يسيرون في البعيد، قاصدين طلب بركة الحياة لمولود جديد.

هذا المشهد الافتتاحي من فلم ستموت في العشرين يضعنا في قلب سؤالي الحياة والموت، ليس فقط كثنائية بل بكل تبايناتهما والطريقة التي ينبعثان بها بين عوالم الكائنات المختلفة. فمن جهة هناك الحيوان الذي يعيش في الآن؛ الحاضر ولا يعي الموت إلا في لحظة وقوعه كـ”حدث”.

وفي الجهة المقابلة، يقف الإنسان في عالم مغاير، ويتحرك في امتداد الزمن، ما بين خبرته وذاكرة الماضي، لحظته الحاضرة، وتفكيره في الغد، المستقبل. فهو مهجس بسؤال الموت، مدرك لحقيقة فنائه، ومكبل بهذه الحقيقة.

المشهد الافتتاحي من فيلم ستموت في العشرين

وهنا في (ستموت في العشرين) إلى جانب حقيقة وعينا بالموت، أُفقنا وحتميتنا التي نلمحها في البعيد، تنضاف سمة التحديد الزمني بسبب نبوءة الشيخ لحياة مزمل وتحديد السنوات التي سيعيشها بعشرين عاماً. ليتقلص/ينمحي الأفق الذي يقترن وجوده أصلاً بالا تحديد، وبذلك يتضاعف الهاجس، ويضيق الأفق ويفقد حتى الحلم بالخلود الذي يحمله الإنسان داخله في لحظاتٍ من حياته.

يشتغل المشهد أعلاه، ومشاهد أخرى موزعة في الفلم على نوع من الدفق السينمائي، عبر بناء المشهد وتكثيفه، وخلق مشاهد بها خصائص جمالية الصورة الشعرية وتحويل هذه المشاهد إلى صور شعروسينمائية. وهنا استدعي مقولة المخرج والممثل الأمريكي أورسن ويلز حين كتب “لا يكون الفلم جيداً حقاً إلا عندما تكون الكاميرا عيناً في رأس شاعر“.

وتحاول هذه الكتابة التمييز ما بين رمزية الصورة|المشهد وشعرية الصورة|المشهد، فالرمزية تقوم على معطيات تنبني ضمن عناصر توجد في سياق كلي لتشكل الرمز. لكن ليس بالضرورة أن يكون المشهد شعرياً. وعلى العكس من ذلك تكون الصورة الشعرية، التي في الأساس تنبني على تكثيف المشهد وإبرازه جمالياً، هذا ويمكن للصورة الشعرية أن تكون رمزية أيضاً. وسيتناول المقال عددا م هون المشاهد من فيلم ستموت في العشرين وأفلام أخرى لتبيان هذه الفكرة.

وواحدة من المشاهد الأولى في الفلم يتمثل في مشهد والد مزمل وهو يعمل في الحقل وقت مغيب الشمس، التي تنعكس على الحقل وتهبه لوناً ذهبياً، مع صمت مهيب لا يقطعه إلا الصوت الصادر من المنجل، كان يمكن لهذا المشهد أن يكون في أي وقت آخر وسيؤدي غرضه، لكن الاهتمام بالصورة وجماليتها هما ما دفعا المخرج لاختيار هذا التوقيت بالذات. ففي مرات كثيرة ولكي تبلغ الصورة شاعريتها فإن ذلك لا يحدث من خلال إضفاء عناصر للمشهد، بل من خلال اختيار ثيمات أخرى تتعلق بتوقيت تصوير المشهد، الألوان وكل ما بإمكانه إبراز الحدث المصور وتكثيف جماليته.

وفي مرات أخرى اختيار زاوية التصوير ومنظور المخرج Perspective، كما في فيلم The Double Life of Veronique لحظة تصوير دفن التابوت، حيث لم يُصور مشهد المقبرة من الخارج والمشيعين المتحلقين حول القبر، وبدلاً عن ذلك غُير موضع الكاميرا، ليصور مشهد إهالة التراب من داخل القبر هذا الانغلاق المعتاد لعالم الميت يتم النظر إليه من داخل عالم الميت على أنه انغلاق للعالم الخارجي. كل ذلك يشكل هذه الصورة الشعرية الصادمة.

مشهد تصوير لحظة الدفن من داخل التابوت من فلم The Double Life of Veronique

ولا يمكن لحديث عن شعرية الصورة دون الرجوع إلى الأعمال السينمائية للمخرج الروسي آندري تاركوفيسكي، والذي لا يخلو أي عمل له من وجود شعرية الصورة وجماليتها. فتاركوفيسكي يهتم بخلق/بعث الشعرية في المشهد بشكل هوسي عظيم لدرجة أنها أصبحت سمة أعماله كلها. ففي فلمه The Mirror وبدلاً من تصوير الشخصية مباشرة بتوجيه الكاميرا ناحيتها، يقوم تاركوفيسكي بخلق وسيط آخر، يتم تصوير الشخصية من داخل الغرفة وتأطيرها عبر النافذة، وكأنه فلم داخل فلم، أو شاشة عرض داخل شاشة عرض. بل في مشاهد أخرى من نفس الفلم، يحقق تاركوفيسكي هذه الشاعرية بحجب السمة الأساسية في السينما “الصورة” ويستبدلها “بالصوت”. فنحن إلى نهاية فلم The Mirror لا نلمح وجه جاك أبداً، نسمع صوته فقط، وهو يخاطب طليقته أو ابنه، أو وهو يقرأ قصيدة تشكل خلفية للصورة، وهذه المشاهد كلها مليئة بالشاعرية، بالإضافة إلى بعدها ودلالتها الرمزية في الفلم.

وبالعودة إلى ستموت في العشرين، والمشهد الذي ترقص فيه سكينة على إيقاع موسيقى الزار وهي مغمضة العينين، ومن ثم انتقال إلى مشهد وسيط، مشهد حلمي تكون فيه واقفة بثوبها الأسود ومغمضة العينين أيضاً وسط الكثير من الأشخاص بطواقي حمر وهم يقفون عكسها، ومن هنا ينتقل المشهد إلى مزمل في غفوته وعينيه المغمضة، وفي اللحظة التي توقظه نعيمة من نومته، يتم تحقيق هذا الامتداد فحينها تصاب بالدهشة وأنت ترى ثلاث مشاهد مدمجة في امتداد زمني واحد، للدرجة التي تنسى فيها هذا التقطيع والتباين في المشاهد. بل وتتساءل عن من الذي كان يحلم/يتخيل اللحظة الوسيطة؟ أهي سكينة أم مزمل، أم مزمل نفسه، أم الاثنان معاً في نفس اللحظة. وهنا تكمن براعة السينما، في المدركات والعوالم التي تخلقها؛ كأن تهبنا لحظة حلم، لحظة هذيان رائعة.

 ثلاث مشاهد متتابعة من فيلم ستموت في العشرين

وهناك مشهد يأخذ عدة تنويعات وهي ذات صلة بموضوع الموت، وفيهما تتحقق فكرة شعرية السينما: مزمل يضع رأسه على صدر شخص نائم ليتأكد إن كان حياً من خلال نبض قلبه. وهو مشهد يتكرر في مناسبات مختلفة، مرة على صدر أمه، وثانية مع والده بعد عودته من السفر، وثالثة مع سليمان في اللحظة التي مات فيها على كرسيه. ولكي يمنح المخرج لحظة الموت هذه شاعرية، يقوم بإضافة عنصر جديد للمشهد؛ دخول الحصان إلى الصالة التي مات فيها سليمان كإشارة أو تلميح للموت، وكأنها استعارة لعنوان قصيدة محمود درويش “لماذا تركت الحصان وحيداً”. وتبلغ هذا الشعرية ذروتها في لحظة حلم مزمل بنفسه عندما كان صغيراً، وهو يضع رأسه على صدره في عمر العشرين، وكأنها اللحظة التي يريد التأكد فيها من أنه ما يزال على قيد الحياة. وهي اللحظة التي يستيقظ فيها من الحلم.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

وظيفة الثورة

“بوسعنا أن نتحكم بمصيرنا ونشكل حياتنا ونسيرها نحو الأفضل، على نحو لم تكن الأجيال الس…