mohamad2

خالد عمر:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

استهل كتابة مقالي إن جاز -تسميته كذلك- بجزء من جملة ابتدأ بها الشاعر محمد عبد الباري حديثه وهو يخاطب حضور ندوة العلامة عبد الله الطيب بقاعة الشارقة بعد أن قدمه رئيس الندوة الصديق عمر الصديق بحديث حلو يليق به كما لاقى بمحمد عبد الباري قول الشعر .

 ” أجدني عييّاً ” نحو الاقتراب من نافذة هذا القمر الأسمر استماعاً وقراءة وكتابة . عييّاً لوصف عودته إلى هذه البلاد الكبيرة .. بمجرد كلمة عودة . لكنها ببساطة كذلك .. وإن كانت تبدو كزيارة . لكن لا يجوز إطلاق كلمة زيارة على عودة شخص ما إلى بلاده الأم .. الأمهات لا يُزرن بل تعود إليهن لتبقى .

” إني تأخرت كثيراً” بجملة قصيرة دهن عتاب البلاد المحبوس له منذ أكثر من ثلاثين عاماً بكل هذه الألوان من البساطة والحنينية الصادقة التي كانت تبرق من عينيه .. دالةً على صدق مشاعره وبيان محبة عائدٍ غاب طويلاً .

بدا متواضعاً في حكيه ومجلسه . ينتقل بلسان عربي صحيح المخرج كما بدوي . يقتبس من قول الشعراء أكثر ما يقول دون أن تلحظ تكلفاً في ذلك .. بلسانه تجري اللغة كما مركب شراعي على النيل .

دنيا لا يملكها من يملكها

أغنى أهليها سادتها الفقراء

الخاسر من لم يأخذ منها

ما تعطيه على استحياء

والغافل من ظنّ الأشياء

هي الأشياء!

تاج السلطان الغاشم تفاحه

تتأرجح أعلى سارية الساحة

تاج الصوفي يضيء

على سجادة قش

صدقني يا ياقوت العرش

أن الموتى ليسوا هم

هاتيك الموتى

والراحة ليست

هاتيك الراحة

ياقوت العرش – الفيتوري

كم يلزمنا من الانتظار لأن نقرأ قصيدة العودة للشاعر .. هذا أول ما خطر في ذهني ككثيرين . إن كان تميم البرغوثي مكث ثلاثين عاماً بعد زيارة القدس ليكتب قصيدته “في القدس” . ليس تحدياً إنما ترقب للشاعر في حديث لسانه عن بلاد كانت تسمى في أوراقه الثبوتية حتى قُبيل عودته مجرد جنسية ينتمي إليها مجازاً .. ولا يخفى علي أنه ترعرع في أسرة سودانية بكل العادات والتقاليد . أسرة كانت وطنه وملجأه الصغير والكبير معاً .

يقول الشاعر في لقائه بإذاعة البيت السوداني ببرنامج حلو الكلام أنه كان يتعامل مع البلد بخياله .. يعمد على المقاربة والمقارنة والذي لم يكن كافياً له . إذ أنه كان بعيداً عن البلد بتفاصيلها الثقافية والاجتماعية والسياسية والتي اشترط الحضور للمس حقيقتها فعلياً . كما ظهر ذلك في تحدثه عن روح الأماكن وحفظها لطابعها القديم وجمالها كمن يعيش التفاصيل بأكملها وقتاً وزمناً وصحبة وزيارة أهله وكما قال عنها : لوحة الأهل مبكية لدرجة الجمال . وجميلة لدرجة البكاء .

قال : أن المعادل الموضوعي لا يمكن نقله كما هو .. كإجابة لسؤال بادرته به الأستاذة لمياء متوكل عن أن يتحدث عن الأشياء المحسوسة له منذ زيارته للسودان .! وكما أضاف أيضاً جملة ” أوسكار وايلد : خلق الإنسان اللغة ليخفي مشاعره ” .

ووعد بأن يكتب عن المكان بعد أن يتمكن منه وجدانياً وروحياً .. وإن كان زامر الحي لا يطرب وأن كل فتاة بأبيها معجبة .. واصفاً نفسه بذلك . وأن ليس ثمة غياب طويل بعد اليوم عن السودان .

وباسمكَ يجري بريدُ العزاءِ

وتجري المراثي

على كلِ فمْ

لأنك في الشمسِ ما لا يُرى

لأنك في الوردِ ما لا يُشمْ

لأنك كنتَ

كأنْ لم تكنْ

ونازعَ فيكَ الوجودَ العدمْ

أيا

حارس الوحي والانتظارِ

تأهبْ فميقاتُك الآن تمْ

سُتبعثُ

من موتكَ المستحيلِ

لتصعدَ وحدكَ هذا الألمْ

ستصعدُ تصعدُ حتى تغيبَ

وتهبطُ حتى

(كأنكَ لمْ…)

كأنك لم_محمد عبدالباري

الفيتوري في صوت محمد عبد الباري ..

إنشددتُ له .!

هي إجابة نحو الفيتوري من محمد عبد الباري .. إجابة الحزين لرحيله كما تمنع القصيدة للشاعر .. وسكون صوته الجسدي في مجرد قبر . ثم قراء مطلع قصيدة قلبي على وطني للفيتوري ..

حين يأخذك الصمت منا

فتبدو بعيدا ،كأنك راية قافلة غرقت في الرمال

تعشب الكلمات القديمة فينا

وتشهق نار القرابين ،فوق رؤوس الجبال

وتدور بنا أنت ، يا وجهنا المتخفي

خلف كل سحابة

في الكهوف التي زخرفتها الكآبة

ويجر السؤال السؤال ..

وتبدو الإجابة نفس الإجابة

ونناديك ..نغرس أصواتنا شجراًّ صندلياً حواليك

نركض خلف الجنائز عارين في غرف الموت

نأتيك بالأوجه المطمئنة ، والأوجه الخائفة

بتمائم أجدادنا ..بتعاويذهم حين يرتطم الدم بالدم

بالصلوات المجوسية الخائفة

بطقوس المدارات ..بالمطر المتساقط في زمن القحط ،

بالغاب ..والنهر…والعاصفة .

إن كان ثمة طريقة لوضع الربيع في قارورة عطر فإن محمد عبد الباري يشابه هذا الوصف من الفيتوري الربيع الأفريقي الذي ما زال حياً في قصائده . ويتبادر للجميع درجة قرب الشاعرين وجدانياً والزيارة التي سبقت رحيل الفيتوري حاضرة للأذهان وصوت محمد عبد الباري يقرأ شعر الشاعر الكبير له .. فيصحو متفاعلاً معه وهو يحمل تعب ورهق قلبه الضعيف . فيخبرنا محمد عبد الباري أن صوت إلقاء الشعر وحده قصيدة تحيا حين تقال .

التصوف في وجه الشاعر قبل شِعره

عندما يلتقي العقل والعاطفة على مقعدين من الروح حين فضاء من الزمن أيً كان الفعل في مجال المكان يمكن أن نسمي ذلك حضرة صوفية .

التصوف هو إشباع لحاجة الروح لما هو عاطفي وعقلي في آن واحد . تجرك بيئتك نحوه وتُضلِلَكَ الحضرات المختلفة كما ضلال درويش في البلاد الكبيرة . وتقودك تقلبات روحك إليه لما هو حسي ومنظور لإيمانك . فتبحث وتقرأ وتتأمل ما حولك بشغف المعرفة والراحة ثم تختار طريقك . وخلاصة الأمر أحياناً يكون كعودة الإنسان إلى أصوله في مرحلة ما في حياته وهو سليل الأسرة الصوفية منذ الميلاد.

التصوف حالة فردية تُعاش كما لحظة كتابة القصيدة .. وإن كان هذا رابطاً دلالياً بليغاً فإن معظم المتصوفة على مر التاريخ كانوا يكتبون من الشعر أعذبه ويختارون من المفردات أكثرها بساطة وأناقة في الحديث . التصوف هو طريقة شعرية للتعامل مع الحياة بفن القول والفعل والظهور إن جاز القول .

وكما قال أبو مدين الغوث : “ من قال التمر ولم يجد حلاوته في فمه فما قال التمر “. فالتصوف مثل هذا التمر كمقاربة لحالتها .

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

ينْتَظِر البَعْثَ كُلَّ مَساء ..!

 | نضال الغريبي – الشاعر التونسي المنتحر مثل الخراباتِ القديمة، رحنا نسير مبعدين نتت…