hqdefault

ما زلنا نسمع منذ وعينا للوجود – ونحن أبناء التسعينيات من هذا القرن- أن اكتوبر شهر مجيد ، ولم نجد من شهاب مجده إلا كتب تاريخ لم يتعلم منها الناس إلا ذكرها في رتابة السنوات كمناسبات ومهرجانات للفرح ، ولا تبقى من كل النتائج إلا وعود أمنيات بعيدة يتحالف الحظ أن تتحقق أو لا . تكونت رؤانا بإسقاطات سطحية علينا .. ونحن لسنا سوى أبناء العرَّاب الذي يُلقي بكل شيء علينا .. ولا يُلام على شيء .. ويقول سير .! ربما نحن من يريد أن يمضي بحريته ؛ وسنمضي .. لا أن نقاد .. الأمر بسيط .!  
يقول صديقي -بكري- رفيق الجدار والأمسيات والمشاوير الطويلة ؛ كلما خطر الوطن في مخيلته وهو يتحدث اقتباسًا لجملة صديقنا إبراهيم جعفر مكرم : ( الوطن أصدقاء يا صاحب ) .. يُعرفه كما دق قلبه ؛ ويحكيه بوفاء مثل قصص الجد للأبناء عن تأريخ البلاد . ولطالما كانت أصدق القصص ما يحكيها الأجداد .

 يا صديقي أن تحب عزة * ، يعني أن تدرك ذاتك دون الشر الذي فيها ، وألا تصبح مجرد محطة مجهولة مثل غرفة صغيرة وباب زجاجي وآلة لقطع تذاكر الآخرين دونك ، محطة تشير إلى سيارات لا سائقين لها ، أو إلى سائقين دون سيارات . لا تعبأ بتأخر نفسك أولى ناصية تفكيرك لأنك مهما حدث يومًا ستصل  ، لا تعبأ بتوقف استهلاكك للأوكسجين من أجل من تحب .. وحدك تفعل ، وحدك تحتاج لتذكرة وصول تختمها يدك ومن ثمَ تحمل حقيبة قلبك باليد الأخرى وتمضي .. وتمضي دون أن تسمع من يقول لك : ترجل .. يا صاحب الأحلام والبلاد الكبيرة .

  الوطن محطة أخرى لم تصلها بعد بقلب عزة ، وأنت تحب قلبها بصدق ، محطة تركتها كحبيبة ساءك غيرتك عليها ، بكت منك وعليك ، أوجعتها وأوجعتك ، ولم تتذكر أن الأوجاع تأتي من أقرب ما يكون ، والفاجعة لا تكون وحدها النهاية ، فللفواجع مسارات عدة .. ونهايات عدة كإنطفاءة كون .. وبكاء عزة ، وتوقف خاصرة كمنجة عن عزف سحرها .. وتوقف قلب .. وإنتهاءات بسيطة مثل انتشار السلام حولك ، أو أن تهاجر بعيداً عن الأرض .. وتنبت في بلاد الشتاءات والصقيع .. وتنسى كل شيء عن أفريقيا إلا لون بشرتك التي تذكرك أنك لست من هذه البلاد ؛ وأنك آخر .. أنك آخر .

  
أيتها البلاد التي تسكن ذاكرة التاريخ وأسماء الشهور وثوراتها ، أُمجدك كشعب لا يهتم بما خلف المسافات البعيدة إلا بما جاءه من خير ، أجهلك كطفل صغير يرى في جدران بيته كل هذا الاتساع المدهش .. ولم يخطو إلا خطوات محدودة فيه حتى الآن . و لو أن لي مصباح علي بابا وبساطه وحلمًا قويًا مثل الريح .. لأعرف البلاد كما يعرف الفيل أفراد أسرته بكل الحنين والإلفة .   

يا صديقي ، أينما وليت قلبك أقبلت حبيبة -بنصف بلادك- تيممه لتدعو لها في صلاتك .. وما تعانيه أن خيطًا من الأعذار تلفه حول أصابع إجاباتك عندما تُسأل ؛ فتختنق الأجوبة وتموت بكذبة بيضاء تسميها الوطن ، لم أعي أن حقيقته تكمن في الأسئلة الصحيحة . ولكنك ستمضي وسأمضي ، كما مضوا ببساطة هذا الفعل ولا أحد سيعرف قيمتك إلا الذين سيأتون من بعد زمن طويل وعزة ؛ القريبة التي حكيت لها صمت صدرك بصوت عالٍ . فما عرف قيمة الذين مضوا إلا قلة من الناس وأسراب قليلة من الغرباء .. وهذه البلاد الصامتة مثل محطة قديمة ومهجورة الركاب تعلم كل شيء وهي المحطة التي يكمن فيها العالم وتقود إلى كل مكان ؛ طالما أدركت بابك الصحيح .  
الوطن يا عزة ؛ أن يكون كالأزهري ** ، عاش بسيطًا ومات بسيطًا ، بإفراط الفقد والحنين للذكريات القديمة . لا أحد بكاه مثلك ، وبكته كتب التاريخ أوراقًا حملتها الريح إلى الخلــود لونًا وعلماً وقصيدة .. نهرًا وغابةً وصحراء ..   
 

 *عزة = كناية عن الوطن وللحبيبة

**إسماعيل الأزهري = أول رئيس للسودان

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

ينْتَظِر البَعْثَ كُلَّ مَساء ..!

 | نضال الغريبي – الشاعر التونسي المنتحر مثل الخراباتِ القديمة، رحنا نسير مبعدين نتت…