dictature-et-occupation-et-extremisme-religieux_pic

سؤال يطرح نفسه كثيرًا ، و بالأخص في السنوات الأخيرة الماضية ، حيث شهد العالم العربي ثورات ربيع عربي ، قاست فيها الشعوب ما قاست ، حيث شهدت فيها الويلات ، و القلوب تمزقت ألمًا لما شهده العالم العربي ، من دماء سالت كالوديان

إنه لا يعنينا في مقالنا هذا ، الحديث عن المؤامرات ، أو عن تخاذل الحكام ، أو عن هون الفرد العربي ….. الخ من التشخيصات ، التي ينزع كثير من الأقلام العربية اليوم إلى وضعها ، و إنما ما يعنينا فعلاً هو الحديث بصورة نظرية صرفة : عن كيفية رفع الاستبداد عنا

و قبل الحديث عن الاستبداد ، مفهومه ، مقوماته ، كيفية رفعه ، دعونا نطلع على المبتغى من وراء مطالبة الشعوب المعاصرة ، بما فيها العربية ، برفع الاستبداد … و الذي هو و لا شك : حياة كريمة أو مستقبل كريم ، يتضمن هذا المبتغى ، متطلبات كثيرة ، على رأسها : توفير المسكن و الملبس اللائقين بحياة كريمة ، توفير قدر من التقدير و الاحترام للمواطن ، توفير مجال من حرية التعبير …

و الحق بأن هذه المطالب عند الأغلب هي غير متوفرة في البلدان العربية ، و لأجل إيجاد حل لهذه المشكلة ، من البديهي بأنه يتوجب علينا أولا أن ننظر فيها …

و لنأخذ واقع الحياة في الغرب كمثال ، ما دام أن هذه المطالب في الأصل مأخوذة من الغرب ، استنادًا على أن الشعوب العربية لم ترفع هذه المطالب ، إلا بعد ما اطلعت على أحوالهم في الحياة ، بفضل ما توفره وسائل التواصل و الإعلام … مما حرك الغيرة في الشارع العربي ، فضلاً عن كون أن هذا الشارع ، قد تشبع بالتصورات الغربية حول الحياة الكريمة (و لا يعنينا هنا الحديث عن مشروعية هذا التصور إلى حين)

إن رجلاً مثل مالك بن نبي رحمه الله ، لما يقرر بأن الحضارة هي الوسط الاجتماعي و النفسي ، الذي يسمح للفرد فيه بأن ينجح ، يتصور الفرد في الشارع العربي ، بأن وظيفة الحضارة هي توفير الحرية المطلقة في توظيف طاقاته الكامنة ، من أجل أن يحصل على الحياة الرغيدة ، استناداً على المبدأ الشهير الذي أطلقه سميث و الذي يقول حوله : “دعه يعمل دعه يمر” ، و هو الأمر الذي يحرم منه الفرد البسيط في ظل أنظمة الاستبداد العربية … على عكس ما يجده الفرد الغربي في ظل أنظمته الحاكمة المختلفة

و لو دققنا جيداً في حياة الفرد الغربي ، نجد بأن هذا المطمح ليس متوفرًا لجميع الأفراد في الغرب ، بل كل ما توفره الأوساط الحضارية الغربية ، هو الإمكانية لتحقيق ذلك ! فبالرغم من هذا التبشير الغربي لأبنائه بمستقبل زاهر في ظل حضارته ، و الذي لا يزال يسري مفعوله إلى اليوم ، فإنه مستحيل عموم تحققه على كل الغربيين …

ليس لعدم قدرة الفرد الغربي على المنافسة كما يدعي الكثير ، بل لأن طبيعة المنافسة -التي هي قوام الحياة الغربية- لا تسمح بأن يكون الجميع رابحًا ! … بل وجب أن يكون هنالك فائزون ، و بالمقابل : هنالك خاسرون … و لو أردنا وضع هذين الفئتين على مستوى الواقع الاجتماعي ، لقلنا بأن الرابحون بالنسبة للمجتمع الحديث الواحد ، هو من حصل الكفاية من القدرة المعيشية لكي يتخطى عتبة الفقر التي وضعها المجتمع لنفسه ، و الخاسرون هم الذين فشلوا في تجاوز هذه العقبة

و من هنا يمكن أن نستخلص ملاحظتين : الأولى – طبيعة المنافسة لا تسمح بأن يكون الجميع رابحًا ، و بالتالي يستحيل تحقيق عموم هذه التبشيرات ، الثانية – الحياة الغربية في أصلها قائمة على المنافسة

 و لا ينفع بأن يقال : إن هذه المنافسة ستسمح برفع مستوى المعيشة للمجتمع بأكمله ، لأننا لما نتكلم عن المنافسة ، لا نجد دافعًا فرديًا جمعيًا مفاده : عز هذه الأمة ، بل نجد دافعًا فرديًا تفرديًا مفاده : تحقيق مستوى الحياة الكريمة ، أو بمعنى أصح و أدق : تحقيق الحياة الرغيدة ! … و بالتالي ليست عزة الأمة في ظل النمط التنافسي ، اختيارًا فرديًا ، بل هو أمر مفروض عن طريق الحيلة -إن صح التعبير !- ، بيانه أن الفرد يشارك في رفع المستوى المعيشي للمجتمع ، من حيث أنه يضع نصب عينيه حياته الرغيدة الخاصة … و يمكننا تشبيه الأمر ، بالحصان الذي يوضع له السرج ، لكي يقوده في توجهه في الركض !

هذا من جهة ، و من جهة أخرى ، كلما ارتفع المستوى المعيشي للمجتمع ، ارتفعت معه عتبة الفقر التي يضعها المجتمع لأبناه ، بناءً على مكتسباته الجديدة …

إننا نلاحظ هنا ما أسماه المسيري رحمه الله : الحياة التعاقدية ، و لا نجد فيها ما أسماه : الحياة التراحمية

إن النمط الغربي أبعد ما يكون عن التراحم ، لأن طبيعة التنافس هنا لا تقبل الرحمة ، إذ ليس الأمر أنه تنافس مع الذات لتطويرها ، بل هو في حقيقته تنافس مع الغير … و لذلك ليس العجب أن الغرب يبشر بالتعاون الدولي منذ قرون ، و في نفس الوقت ينقض متطلبات ذلك –بشكل أو بآخر- ، لأن منطق التنافس هنا لا يسمح أن تتساوى الأمم جميعا في نفس المستوى المعيشي لشعوبها … إذ لابد من وجود الخاسر و الرابح في هذا المنطق … خاصة أن الموارد الأرضية ، لا تسمح بتحقيق هذا الوعد الوهم !

إذًا ، ليس القضية قضية خيانة الغرب كما يتخيلها الجميع ، بل في حقيقته هو خيانة لأنفسنا نحن قبل أن نخون غيرنا ، لما قبلنا بمنطق التنافس كي يحكم واقعنا المعاش ، و قد يمتد أثر هذه الخيانة ، إلى أبعد مما نتصور …

إن التنافس يا سادة لا يقبل التراحم ، لذلك تجد الفرد الغربي ، يشقى في سبيل تحقيق عتبة الحياة الرغيدة التي وضعها المجتمع له ، كما تشقى المجتمعات في سبيل تحقيق رفع المستوى المعيشي فيها

و ليس هنالك أدل على ذلك ، من نمط حياة الفرد في ظل هذه المجتمعات ، إذ تجده لا يتوقف عن العمل ، سواء حصل الكفاية أم لم يحصل ، و الواقع أن الفرد لو حصل مستوى الكفاية ، فسيطلب تلقائيًا المزيد (و هنا يعمل عامل الجشع الكامن في نمط المنافسة عمله) ، و إن لم يصل ، بقي يسعى إلى تحقيقه

إن تحصيل المزيد و المزيد هو أمر تلقائي في ظل هذا النسق التنافسي ، لأن الغاية هنا مادية ، و المادية لا تتوقف ، بل هي في حركة مستمرة ، لا تعرف سكنًا و لا سكينة ، فالسكينة من أمر الروح وحدها ، فإذا وقع الفرد في شرك المادية ، جعلته يشقى في الحركة المستمرة ، المفرغة من أي سكينة

فإذا ، نمط الحياة الغربي بالأصل نمط يؤصل الاستبداد ، لأن التنافس هنا لما وصل إلى مستوى المادية ، تحول إلى صراع ، و الصراع لا يقبل الرحمة ، و بالتالي هنا هو أصل للاستبداد

و لا ينفع أن يقال : إن من مقومات الحياة الرغيدة في الغرب ، حرية التعبير ، لأن حرية التعبير ، أو الحرية عمومًا ، لكي تتجانس مع بقية المطالب كما صورناه في سالف السطور ، و كما صوره مبدأ : “دعه يعمل دعه يمر” ، عليه أن يتجنس بجنس المادية ، و الذي يمكن أن نصنفه على أنه ذو طبيعة دهرانية ، و الدهرانية هنا هي الحركة المستمرة بلا غاية معينة ، لأن فلسفة الدهرانية هو استغراق الفرد في الحياة !

و بالتالي فإن منطق الحرية وفق الثقافة الغربية هو أصل للاستبداد ، الذي يشعر به الفرد الغربي ، و لا يدركه بوضوح ، لما يصف شقاؤه في الأدبيات الغربية العدمية ، و في الفلسفات الغربية الانتحارية ، أعني الفلسفات التي تعلن موت الإله و موت الإنسان !

و على مقتضى كل ما قيل ، يتبين بأن النمط الحياتي الذي نطلبه ، وفق الشعارات التي نرفعها اليوم ، لا تدفع عنا الاستبداد على وجه التحديد … و إنما وفق منطق التنافس ، نحن في الحقيقة نطلب أن نهزم الغرب في منافسة المستوى المعيشي !

و في المضمون ، نحن نطلب حرية أن يصرع بعضنا بعضًا ، و لكن بزي ظاهر حضاري ، و باطن متوحش ، الأمر الذي لا يعفينا من الشعور بالاستبداد

نقول و للأسف : إن فرويد شخص حالتنا بدقة ، فعلى حسب منطقه ، فإننا في الحقيقة نعيش حالة من الكبت ، و نريد أن نلبي هذه الرغبة باندفاع متوحش ، ظاهر بزي حضاري ! … و هذا الوضع الذي نطلبه هو أبعد ما يكون عن مطلب الرحمة الذي نبتغيه من وراء مطالب رفع الاستبداد الذي تمارسه علينا الحكومات العربية اليوم

و لعل المخابر الغربية ، التي تنهل منها أنظمتنا الحاكمة ، تدرك ذلك جيدًا ، و تجيد اللعب على وتره …

و في هذا السياق ، أتعجب : كيف نطلب الرحمة في الجدلية الاجتماعية ؟ … ثم كيف ندعوا بالدعاء الشهير في الأوساط الشعبية : “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين و أخرجنا منها سالمين” ، و نحن في حال قبول لمنطق الصراع ؟ … أترانا لا ندرك بأننا بهذا ندعوا على أنفسنا بالهلاك ؟

إن الله يا سادة ، لا ينصر قومًا لا يسمحون للرحمة أن تلج إلى نسق حياتهم الاجتماعي الذي ارتضوه …

و عليه يتبين لنا ، بأن الله لن يرفع عنا الاستبداد و نحن اليوم عاجزون عن رحمة بعضنا بعض ، حتى إذا ذاق بنا الحال ، تحولنا إلى أحياء أموات يأكل بعضنا بعضًا ! … و لك أن ترى الفروق السبع ، بين بلد خليجي ما و بلد إفريقي ما ، و إن كان كلاهما عربي ، و كلاهما مسلم ! …

في الحقيقة يا سادة ، نحن كمسلمون : نجسد التكالب في أنفسنا ، و الذي سمح لغيرنا من الأمم أن تتكالب علينا !

و لن يرفع الله علينا هذا البلاء حتى نرفعه من أنفسنا ، و نحل محله الرحمة ، يظهر في واقعنا المعاش ، و إلا فإن الأنظمة المستبدة و التي من وراءها أمم غربية ، ستظل تتكالب علينا

و عليه فإن واقعنا لن يتبدل ، حتى نباشر حركة إصلاحية ثورية ، تثور على منطق الاستبداد من جذوره الفكرية و الثقافية ، تغير من نظرتنا إلى نمط الحياة الواجب علينا تحقيقه ، و يحل محله نمط حياة تراحمي ، غايته : ليس محض تحقيق الحياة الكريمة ، بل تحقيق غاية خلق الله لنا … حتى لا نغرق في الدهرانية مجددًا ، لتعيدنا بذلك -من حيث علمنا أم لم نعلم- إلى منطق الاستبداد

حينئذ ، سندرك أي شعار نرفعه ، لو اقتضى هذا الأمر رفع شعارات ، أي في الحالات التي نكون فيها نعاني من محض أزمة سياسية ، و ليس أزمة حضارية بأكملها ! … سنرفعها و نحن واثقون جيدًا مما نقول ، مما نريد … لأن الشعار في تلك الحالة سيكون ممتدًا من أصالتنا الفكرية و الثقافية

حينئذ فقط ، سيتحول سلوك الصالح من تجنب الفتن ، إلى قول كلمة الحق في وجه سلطان جائر … لأنه في تلك الحالة ، سنكون أمة أرضًا خصبة ، تثمر زرعه الذي زرعه بكلمة الحق التي ألقاها في وجه السلطان الجائر …

و الله أعلم

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

رمضان

مرة أخرى يهل علينا شهر رمضان المبارك ، و مرة أخرى يهل علينا و أوضاع الأمة الإسلامية في ترا…