حسان

     إن مصطلح جامعة – اللاتيني الأصل – يدل علي مجتمع يتكون من معلمين ومتعلمين ،  وأيضاً عرفتها الأكاديمية العربية البريطانية على أنها مؤسسة التعليم العالي والبحث العلمي التي تمنح درجات أكاديمية، وتحتوي على مجموعة من الكليات لدراسة المجالات المختلفة بصورة أكثر تخصصية.

     إن ما نلتمسه في التعريفين هو أن سمة التعليم والتعلم موجودة. وكما هي مجتمع له تقاليد رسخت في وعي المعلمين والمتعلمين فهي مؤسسة تضبطتها لوائح وهياكل إدارية تتبع لمؤسسة الدولة بصورة رسمية. وإن تتبعنا المراحل الأولي لتشكل مفهوم الجامعة، ومن خلال السياق التاريخي، نجد أن معظم جامعات أوربا مثل (جامعة باريس، جامعة اوكسفورد، جامعة بولونيا) كانت في الأساس مدارس مسيحية. فلقد عملت الكتدرائيات والمدارس الرهبانية على تعليم القسيسين والراهبات بحيث أنهم كانوا يتلقون علوم اللاهوت والفلسفة والقانون والطب  فيها بصورة منتظمة ومضبوطة، وتمنح شهادة عند الانتهاء من فترة الدراسة كالتي يتم منحها للخريجين من مؤسسة الجامعة حالياً، ويرى المؤرخ “جيفري بلايني” أن الجامعة أصبحت سمة للحضارة المسيحية، فلقد وضعت تلك الجامعات أو المدارس تحت رعاية الكنيسة الكاثوليكية عام 1229 للميلاد إثر وثيقة بابوية.

     ازدهرت الجامعة وبرزت بصورة واضحة وواسعة مع مجيئ الإصلاح البروتستانتي، ومع احتدام الصراع (الكاثوليكي – البروتستانتي) حدث اهتمام أكثر بالجامعات، وأدى إلى انتعاش ورفع مستوي التعليم. وليست الهياكل الإدارية، أو سلوكيات الطلاب داخل محيط الحرم الجامعي وحده المميز لمؤسسة الجامعة، أو تاريخ نشأتها في أوربا، فالعلوم التي كانت تدرس خلال الحقب المسيحية داخل الكتدرائيات والمدارس الرهبانية، أصبحت اليوم تقدم في صورة منهجية مضبوطة وذات أسس علمية ومعرفية صلبة تقوم بدفع عقول الطلاب وتأهيلهم ليصبحوا أفراداً قادرين على إدارة شؤون الحياة بشقيها الخاص والعام. فالعلم المقدم في المناهج التعليمية الجامعية يقوم على أساس عقلاني موضوعي، بحيث أنه يخضع بتجربة المتعلم الذاتية، فعند تقديم معلومة ما ستخضعها مباشرة لتصديق أو تكذيب، فعند اخبار طالب العلوم بأن الأرض تقع ضمن المجموعة الشمسية تتشكل عنده معلومة مع أنه لم يشاهد كوكب الأرض أو المجموعة الشمسية  بعينه، أو يخضعها للتجربة الحسية المباشرة. ولكن من خلال دراسة آثار وجود الأرض يمكنه اثبات صحة المعلومة.

     إنني بتقديم المثال السابق كل ما أود إيصاله هو أن العلم المقدم للطلاب ضمن المنهج الجامعي يجب أن لا يخضع لأي معايير غير موضوعية، وهو فعلياً لا يمكن أن يخرج خارج سياقاته الموضوعية فمثلاً إن أخبرنا محاضر مادة التاريخ أن لا وجود لنابليون، وأن نابليون بونبارت ليس إلا خرافة تمت صناعتها من قبل آخرين، وكان المحاضر شخصية اجتماعية مرموقة جداً، وصاحب أثر كبير في المجتمع، في هذه اللحظة بالتاكيد سنأخذ مقولة المحاضر على أنها معلومة تحتمل الصواب والخطأ، ولكن نحن كطلاب في عهدنا الحالي لم نشاهد نابليون، لكن يمكن دراسة آثار وجوده في التاريخ البشري، وبذلك لا نكتفي بثقتنا في مقدم المعلومة، بل نضع المعلومة ضمن سياق استقلاليتنا العقلية، ويجب تجنب أي تحيز تجاه العلم، وأن نتلقاه بطريقة موضوعية، وأن الموضوعيه تعتمد على النقد، وعلى المناقشات النقدية، والاختبار التجريبي النقدي. وهنا نضع نقطة بالغة الأهمية، وهي أن كل  طالب جامعي يعتبر شخص راشد، ويمكنه التفكير بصورة عقلانية، وجميعهم متساون أمام آلية النقد، واستخدامها في قياس مدى صحة المعلومات التي يتلقوها، وعليه فإن الطالب الجامعي يمكن أن نطلق عليه مصطلح عقلاني من باب العقلانية التقويمية، أي أنه في مرحلة تعتبر هي سن الرشد، وفرد يمكنه استخدام امكانياته العقلية في إدارة أموره من دون تدخل جهة ما تحدد له ما يفعله وما يقوم به، وبالتالي يكون مسؤول أمام المجتمع والقانون عن تصرفاته، ويتحمل تبعات ما نتج عن ويعكسه تفكيره، وهنا يحقق الطالب مبدأ مهم جداً في حياته وهو استقلاليته .

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

نحو نظرية نقدية (1/3) 

  في إحدى سنواتي الجامعية بينما كان الخطاب العلماني يحتدم في الفضاء الاجتماعي بالجامع…