لماذا الحرب؟

ترجمة : علي زين

كتاب جيل جديد ( 20)

أفريل 2020م 

تصميم الغلاف: سحر مشعل

لتحميل الكتاب إضغطهنا ) أو ( هنا )

ما الذي يجعل من بشرٍ بعيدين عنّا، وعن حربنا، وسخطنا، وكوارثنا يرغبون في إفساد أمزجتهم بتذكرنا والحديث عنّا؟ ما الذي يجعلهم يبحثون عن شيءٍ ما ليعبروا عنه؟ لماذا؟ لماذا لم يمارس أستاذ الفلسفة في جامعة نيويورك يومه العادي كالمعتاد، لماذا عندما عاد من عمله الجامعي، واستلقى على أريكته الأمريكية الوثيرة، التقط الريموت كنترول من الطاولة المستديرة أمامه، وبدأ يقلب في قنوات العالم الآخر، وعندما شاهد شيئًا عن الحرب في اليمن، توقف، ثبّت القناة، وفكر بكتابة شيء ما. لماذا لم يُغيّر القناة اللعينة ببساطة، ويستبدل أخرى بها تغطي أخباره المحلية، أو لعبة البيسبول المفضلة لديه، لماذا لم يطفئه مثلًا، ويتجه لإكمال يومه بأخذ دشّ ساخن، ثم تجهيز طاولة عشائه، وتقريب زجاجة نبيذه، والاستمتاع برفقة زوجته وأطفاله، والموسيقى الليلية والهدوء؟

 لماذا قرر آخر أن يعتذر عن جرائم حكومته وتسليحها للدول، وصمت شعبه عن الإبادات في سوريا والعراق وليبيا؟ ولماذا قرر آخر أيضًا أن يبكي لعدم حيلته، وضياعه في وحل الصمت الذي حوله؟ لماذا تفرغ أحدهم لمراقبة حياة المخيمات الحقيرة ووصفها؟ ولماذا تلبس آخرون ضمائر وألسنة الأمهات والأطفال تحت الركام، وحاولوا التحدث نيابة عنهم وعن شعورهم تجاه وحشية ما واجهوه؟ لماذا كتبوا عنّا؟

منذ بدء الحرب، وخاصة في بلدي، وأنا أبحث عن وسيلة تُخبئني شخصيًّا من فكرة وحقيقة أن حربنا منسية، وهي كذلك بالفعل، وما زالت حتى اللحظة، حرب دون رقيب وضمير ومحاكمة؛ ولكني كنتُ أنجو بالبحث كل مرة بكلمات دلالية تعبّر في قرارتها عن تعطشي ويأسي على السواء: هل هناك من شاهد حربنا؟، هل هناك من انتبه مصادفةً؟، هل هناك من يشعر ويهتم حقًّا..؟ حدث أن تفاجأت بوجود هذه القصائد والمواقف المعبّرة عن حروب المنطقة العربية، ورغم ندرتها، ورغم أنها لن تشكل فارقًا سيوقف الحرب أو يعيد أرواح المنازل المهدمة، وأطفالها، وأسرها، وذاكرة حياتها القديمة، إلا أنها هدأتني أنا على الأقل، وأكدّت لي أن هناك من يبالي ويرى ويسمع ويندد ويناهض. هناك من توقف، وبكى، واعتذر حتى عمّا لم يتسبب هو شخصيًّا في صنعه! فأن تموت تحت وحشية حرب بلدك ورعونتها أمر سيحدث لا محالة، ولكن أن تموت وأنت تعلم أن هناك من يعلم بموتك، بأن هناك من تكلم عنك، وأحس بك، فذلك شعور وترياق آخر حتمًا.

تفرغت على مراحل لجمع هذه القصائد منذ سنتين، وذلك لإيمانٍ ذاتيٍّ مني بأن القصائد سَتكثُر، وبأن مواطني العالم سيلاحظون، وبأن الانتباه سيتّسع. بدأت بجمع قصائد معدودة هي كل ما وجدته حينها، واكتفيت بالمراقبة، مراقبة العالم، ومحركات البحث، وإصراري، وهذا ما حدث بالفعل، فعند كل مرة كنت أبحث فيها كنت أجد قصيدة وموقفًا جديدًا هنا وهناك.

شعراءُ،جنودٌ سابقون، طلابُ جامعاتٍ، ومسابقاتٌ شعرية، مُدَوِّنون معروفون ومجهولون، وأشخاص عاديون، كُتَّابٌ التفتوا بنُبلٍ لحروبِ المنطقةِ العربيةِ والعالم وكتبوا بإنسانيةٍ بالغة، مُدِينين تارةً حكوماتهم وتارةً أخرى قسوة الحرب، قصائد جاءت أحيانًا بشكل محكي، وأحيانًا أخرى بشكل شعري مكتمل ومتقن. قصائد جمعتُها لكم لأكثرَ من حربٍ وشعب.

                علي زين

 

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

ترجمات خاصة: لماذا نقرأ ؟ لمارسيل بروست.

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا) “عندما تأتي حكمة الكتاب إلى نهايتها فستبدو لنا وكأنها فق…