%d8%b3%d8%ad%d8%b1

      سماءٌ صفراء شاحبة، تتماهى عند الأفق البعيد مع أرض جدباء تغطيها التشققات، هياكل عظمية كثيرة تنتشر أينما يقع البصر، بقايا أخرى موزعة لمواشي أصغر حجماً، تستلقي في انهزام تحت مستعمرات النمل. كل شيء ميت تقريباً، السماء عاقر يغطيها شحوب كئيب، اﻷرض خالية من أشكال الحياة، لا حشرات تتقافذ لا أشجار تنمو، فقط حشائش مملة تلك القادرة على التواجد دون مياه، هدوء يتمدد يوحي بكارثة على وشك الوقوع . تعطل محرك السيارة هنا جعلنا نحن الثلاثة نتلفظ بشتائم نابية في نفس الوقت، تفلناها على وجه صديقنا الذي أخذ طريق مختصر دون مراعاة للرفض الذي ابديناه جميعاً، أيقَنتُ بأنني وقعت في المأزق نتيجة تجاهل شعور داخلي، عدم اطمئنان أوحى إليّ أن اتهرب من الرحلة منذ البدء. متمدداً على المقعد الخلفي للسيارة أحدث نفسي حين قطع تأملاتي صوت جهور يرسل التحايا و يحمد الله على سلامتنا . رددنا التحية بأحسن منها فرحاً لوجود إنسان قد يساعدنا أو يدلنا على الطريق، تبادلنا عبارات المجاملة، سألتُه مباشرة عن أقرب مكان نجد فيه فندق أو حتى استراحة؟ اخبرنا أن بيته قريب خلف ذاك التل، قدم لنا دعوة للاستراحة عنده، وأمر سفرنا بعدها سهل ، الفضول لمعرفة طبيعة العيش في بيئة مماثلة جعلنا نلبي دعوته، التعجب قفز من ملامحنا وهو يخبرنا بأنه توجد هنا قرية، لذا استطرد : هذه الأرض كانت بساط أخضر؟ لكنها اللعنة! صدى الكلمة ما يزال يتلوى في ذهني غير مصدق أنني سمعت جيداً ما قال، نظرت إليه ولساني يردد ‘ لعنة،. متجاوزاً المقدمات الإفتتاحية بدأ يروي القصة، كما لو كان نبي تاه عن قومه ردحا ثم فجأة التقاهم مصادفة، متلعثماً بدأ يحكى : ” قديماً كانت هنا جنة دانية الغصون بثمار متعددة الألوان، سحب عطوف تحب ما بذر حديثاً في الحقول، مطر يعشق تكهنات المزارعين، سماء أغلب الوقت حبلى بماء لا ينقطع إلا ليمنح الطير مسرحا للرقص ، كل ذلك قد ذهب مع ريح اللعنة منذ زمن بعيد. انفتحت نافذة الجحيم على ما كان قائم ، حل مكانه الخراب؟. مائة وعشرون عام انقضت اﻷن على ما عرفه أهل القرية ب’لعنة الضيف’، توارثنا تفاصيل حكايته أبا عن جد، اﻷطفال يحفظون تفاصيله جيداً، كل والد يحرص على روايته لأولاده، المرضعات يخلطن الحكاية مع الحليب، يدرس كل جمعة في “المسيد”، المزارعون العاطلون يجترون تفاصيله في نهارات صيفية بغيضة حين يُصيبهم الملل من تكرار قصص بذيئة لا تتجدد، في طقوس بلوغ الأولاد سن الذكورة رواية القصة أضحت أساس الطقس، تناقلناه جيل بعد جيل كرسالة مقدسة”. قبل عقود وصل إلى مجلس العمدة رجل في منتصف العقد الرابع، جميل الروح هادئ الطبع، كان بفمه شيء ملفت، نابان من فضة بيضاء ﻻمعة، أضفت عليه هالة إضافية من ورع، استقبله الناس ببشاشة، وتنافسوا في إكرام مقامه، أظهرت الأيام ذكاء الضيف، وحسن معشره، تزوج منا وصار أحد أبناءنا. سارت الأيام على ما يرام إلي أن منح العمدة مزرعة للضيف كانت أخصب بقعة، بخل أبناء العمدة أنذر بقطيعة واقعة لا محالة بين الأب وأولاده. رفض مهذب أبداه الضيف قتل بذور الفتنة في رحمها، العمدة اسعدته فطنة ضيفه لذا ترك له إختيار المزرعة التي يرغب، سأل الضيف عن افدنة عند تل يقع شرق القرية . الرجل يغرق سريعاً في تفاصيل لا تعنينا في شيء ما اشعرنا بالحنق، مغادرة هذا الخلاء الكئيب همنا الوحيد، مضيفنا له عينان مخيفتان إتساعهما ملحوظ مكنتاه من إلتقاط حيرتنا، مع ذلك لم يعرنا أدنى إعتبار، أشار إلى ربوة قريبة مواصلا الحديث : “اختار تلك البقعة”! التفتنا إلى ما يشير إليه، كانت أرض مرتفعة قليلاً تحيطها حواجز من أسلاك شائكة، رغبة في قفل صندوق حكاية اللعنة سألته عن الأسوار؟ “سأخبرك عنها لاحقاً بعد أن أنهي قصة الضيف” اجاب بنبرة حادة واستمر في الحكي: استغرب مجلس العمدة فالضيف طلب أكثر الأماكن جفاف، أخبروه أنها منطقة بور لا تفيد، رغم كل شيء منحوه ما يريد. عام من العمل الدؤوب لون التل بالخضرة، أنتجت المزرعة الجديدة ما لم ينتج في القرية من قبل، كانت قريتنا جنة والتل أضحى أعلى مراتبها. حينها! لم يعد يعقد مجلس إلا للحديث عن معجزة التل، تناقلت النسوة أقاويل عن استعانة الضيف بالجن، لقاءات شباب نسيت اخبار مغامراتهم مع نسوة المدن البعيدة، كل لقاء كان يُبَدَد في التأفف حين يؤكد أحدهم حجم الضريبة الجنسية المدفوعة للجن مقابل خدماته. آخر جمعة كانت المنعرج اﻷهم لما جرى، خصصت خطبتها للحديث عن الجن، وتبيان انواعه. ركز الخطيب علي الجن الكافر أسماه “السفلي”، أخبر الحضور أن استدعاء الجن يتطلب قطيعة مع الله تصل إلى تدنيس كتابه الأعظم ! قول ملتهب دفع المصلين للتفكير في وضع حد لما يحدث على التل، خوفهم من أن ينزل العذاب على الناس كافة هداهم الى فكرة . لحظة تنفيذها ازفت! كان للضيف يومي غياب في الشهر عن القرية كلها، لا يعرف وجهته غيره؟ غيابه الثاني صادف مساء يوم الخطبة، بعد العشاء حمل الناس حاويات الزيت، استعانوا على الظلمة بالمشاعل، كانت ليلة صيفية ظلماء جافة إلا من تيارات هواء متقطعة باردة تجري في عروق المكان. لسبب مجهول عاد صاحب التل بعد وقت قصير من إشتعال النار، عندما وصل كانت المزرعة والبيت قد تحولا الي كرة لهب ضخمة تلمع في العتمة. وقع متمرغاً في التراب، كان يصرخ أن زوجته حامل في شهرها الثامن . تعالت الحناجر كل يطلب إعدام الكافر على طريقته، تدخل خطيب القرية وعقلها المرشد، قائلاً الكلمة الفصل. بلا نقاش وضعوا قيود حديدية على أطرافه، انهمك الأشداء في الحفر، تسلح من يحفر بالإستعاذات، البقية كانوا يقرأون “الإخلاص” اعادوا تلاوتها سبعة وعشرون مرة عندما انتهوا ألقوا بالسجين داخل الحفرة، اهالوا فوقه التراب. بلا وعي مني سألت مضيفنا بصوت حاد: ماذا حدث بعدها؟ فتح ذراعيه ناحية البيوت الكئيبة التي ظهرت امامنا، ثم أجاب دون تردد: هذا ما حدث! أخذنا مضيفنا إلي بيت صغير يقع عند طرف القرية، قال أنه في اﻷصل استراحة لضيوف توقفوا عن المجيء للقرية. شيخ طاعن في السن أضاع علينا معرفة سبب إنقطاع الضيوف بدخوله، الحفاوة طفرت من وجهه، عانقنا كأبناء منتصرين في حرب هزلية سخيفة، عرفنا لاحقاً أنه شيخ القرية. ختم مراسم العناق وبنظرة مرعبة قال: “للمكان قاعدة واحدة تنطبق على الجميع! يمنع الإقتراب من التل”. إبتسامة مفاجأة أظهرها الشيخ الغاضب حين هم بالخروج قائلاً: “أتمني لكم إقامة قصيرة سعيدة!!” غرقنا في الصمت أعتذر منا مضيفنا ذو العينان المخيفتان حاول التبرير بعبارات ملتبسة، مرر علينا عيناه بطريقة مربكة كما لو كان يريد حفظ ملامحنا، كانت ما تزال بقايا إبتسامة مجاملة تظهر على شفاهنا، اعتبرها تصريح لأكمال القصة: “دفن الضيف وعاد الناس إلى بيوتهم كأن شيئًا لم يكن، لم يشعر أي منهم بالسوء خاصة وصدى حديث خطيب المسيد عن “تدنيس الكتاب” يتردد في مسامعهم. صباح اليوم التالي كانت الناس تحكي عن كابوس مخيف بنفس الملامح، تسلسل الأحداث نفسه كأنهم عاشوا حلم جماعي،استدعى العمدة خطيب المسيد لتفسير الحلم؟ قربت القرابين امتثالا لتفسير الشيخ، لكنها لم تمنع موت ثلاثين طفل، عاد الرجال من مقبرة القرية ليجدوا جثث أكثر تنتظرهم. القحط فاقم المأساة ترك بصمته على وجه الأيام العبوس، انقطع الغيث، جفت الأرض، أصبح المزارعون يبددون نهاراتهم في شرب القهوة، موت الماشية ألحق الرعاة بجلسات السكارى. تعاقب المآسي جعل شيخ المسيد يطلب بناء اسوار على التل، جذوع السدر اليابسة تسجن الأرواح الشريرة، جمع عشرة من الشباب اﻷقوياء، رش ماء التلاوة المقدس على أجسادهم، أمرهم ببناء سبعة أسوار حول التل اﻷول بالسلك الشائك، البقية من جذوع الأشجار على أن تخط واحد وعشرون دائرة بحجارة صفراء بين كل حاجز والذي يليه. صمت مضيفنا أخيراً – يبدو انه يلتقط أنفاسه – استفدت من اغماضه عيناه في إبرام اتفاق مع اﻷصدقاء، بإيمائة اجمعنا قائلين: سوف نذهب! استأذن مضيفنا ليكمل عمله، شعرت بالراحة ﻷن عيناه الثعلبييتان لم تفترسا اتفاقنا، سرعان ما هدم أبراج سروري عندما همس بخبث: “سأعود سريعاً انا ضمن الإتفاق!”.

      قضينا نهار خانق متكاسل في إصلاح محرك السيارة، دار المحرك لكننا لم نغادر، صعوبة الرؤية الليلية كانت حجة مقنعة للمكوث الى أن نشبع فضولاً يعترينا. الناس تهرول بعد تأدية صلاة العِشاء، هرباً من بحر الظلام الذي بدأ يغطي كل شيء، كان الجو خانق، تشققات الأرض تتقيء ما تشربته من حرارة الظهيرة، شعرت أن الفضاء جحيم مفتوح وحبات العرق تنسال على جباهنا بينما نصعد التل. كان الهدوء يتلبس التل إلى أن قطعنا أول اﻷسلاك الشائكة انفجر الضجيج، مواء قطط برية، الصرير الحاد للجنادب جعلنا نتوقف دون حراك، صمتنا جميعاً إلا مضيفنا الذي غرق في نوبة صراخ مصحوبة بما يشبه الهذيان، حاولت تهدئته، منعه من الزحف على الأرض، كان يشير إلى نقطة مظلمة جزئياً ويصرخ : ” أفاعي مجنحة، عقارب ذات أزيال متعددة، أنه الجن!” اتجهت المصابيح اليدوية حيث يشير، افزع الضوء عقاب حليق الرأس، فضرب جناحيه في الهواء، من بين مخالبه سقطت أفعي ضخمة فوق جحر لعقارب كانت تتزاوج . دخلنا الفناء المحترق المتهدم، كانت ثمة غرفة شامخة حديثة البناء، اغرقناها في الضوء بعد اماطة ما علق على مدخلها الوحيد من خيوط العناكب، توسطت الغرفة منضدة مستديرة غطتها طبقات غبار ناعم، عليها مقعدين خشبيين عتيقين، لم نجد ما يثير… “انتظروا!” قالها صديقي ثم أردف: “يوجد سلم هنا!” أصوات هادرة تحيط بالتل شيئاً فشيئاً، تلتها فرقعات الحطب الجاف المحترق، ضوء النار المشتعلة حول الغرفة أنارها، نزلنا الدرج دون معرفة وجهتنا، كنا مذعورين مثل حيوانات في مأزق، وقت طويل قضيناه في ظلمة الحجرة الأخرى لكننا نجونا بفضل وجود القبو. عاد الهدوء يسيطر على المشهد، تلصصت مستطلعا الوضع، لم أجد شيئًا بل أن المخرج الوحيد كان مغلقاً بكتل ضخمة من صخور صفراء. عُدت إلى القبو لأجد أصدقائي ومضيفنا منكبين على كتب كثيرة، مخطوطات لمعادلات كيميائية، سلسلة كتب من جلد تحمل عنوان “كيف حنط القدماء أنفسهم”، كتاب صغير بخط اليد بإسم “لعنة الوهم”. على فراش مجاور تستلقي جثة بدت حديثة ليس بها أثر تحلل، كانت لرجل في منتصف العقد الرابع، إبتسامة أجزم بأنها ما تزال ساخنة بقيت على شفتاه يظهر تحتها نابين فضيين، اليد اليمنى تقبض على ورقة فسحبتها كانت تحمل خريطة تبين موقع باب سري، على الوجه الآخر للورقة قرأت: “أخرُج ولو كلفك اﻷمر ما تبقى من عمرك، عُد إلى حياتك، لا تيأس فتقع فريسة الإنتقا…” ‘إنه الضيف، أنظروا إلي النابين الفضيين، صرخ مضيفنا فتجمع الرفاق حول الجثة متفحصين. توجهت إلى خزانة عند الزاوية كان بها مئات القناني، التفت إلى الرفاق، ما يزالوا يتفحصون الجثة، بينما مضيفنا كان مُنشغلاً بالدعاء للميت وهو يغطي عيناه المخيفتان بيديه، جلست إلى الطاولة، وضعت الورقة داخل فمي!، شعرنا بالتعب فجأة، نظفنا أرض الحجرة، دخلت عالم النوم، ولكن فجأة سرت في جسدي قشعريرة اعادتني إلى الصحو، أحسست بيد باردة مسحت على جبيني. أشعلت المصباح اليدوي، كان الرفاق ينعمون بنوم عميق، وقف مضيفنا فوق صدري، عيناه بدتا أكثر إتساعا من ذي قبل، همس في أذني : “متفقان، بات لنا سر يخصنا انا وانت الان؟”.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

أمل ميلاد جديد

  قراءة في دفتر الشارع، وما يمكن أن تكون دروس تُسهم في إنجاز الثورة بالسودان. مقدمة: الوضع…