طلال الطيب:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

جاءت ابنتي رشا من المدرسة ,عندما جلست بجواري ونظرت إلي عرفت بأنها ستطلب مني شيئا تتوقع أن لا أستطيع أن أساعدها فيه ,وكما توقعت طلبت مني أن أكتب مسرحية صغيرة حتى تمثلها هي وأصدقاؤها في المدرسة .

بسبب حبي لعينيها الجميلتين لم أستطع أن أرفض ,ابتسمت وهززت رأسي بمعنى سأفعل ذلك .فرحت هي وعانقتني ,حتى أنها أخبرتني بأنها تحبني ؛هذا يعني أن المسرحية شيء مهم جدا بالنسبة لها …

كانت أمها كعادتها تراقبنا بصمت وكانت تضحك ربما على الورطة التي وقعت فيها الآن ,فأنا مجرد شرطي ولا أعلم الكثير عن الكتابة ,في مراهقتي كنت أكتب بعض الخواطر والأشعار بالدارجة ,والآن الكتابة أصبحت من الماضي .

قلت لها : منذ متى يطلبون من رشا كتابة مسرحية ؟

وضعت يدها على كتفي وقالت : حاول أن تكتب من أجلها مسرحية .

عندما خرجت من المنزل كنت أفكر في مسرحية كلها أرانب ,ورشا أرنبة جميلة ولها قصر كبير ,يحاول ثعلب أن يحتال عليها ويفشل , ثم انتبهت أن المسرحية يجب أن تكون بها شخصيات كثيرة ,وليس علي أن أجعل رشا محور كل شيء .

لطالما كنت أخذل رشا ,إنها لا زالت ترتدي زيها المدرسي القديم ,وفي الأعياد أشتري لها دائما أرخص ثوب أجده ,أنا لا أقصد فعل ذلك ؛لكنها الظروف ,وهي دائما تفرح بثوبها ,وهذا ما يجعلني أشعر بالألم ,أنها راضية ,ليتني مثلها ,ليتني أحب أشياءها كما تحبها هي .

وصلت إلى مقر عملي ,وكنت أفكر بالمسرحية ,وقد إشتهيت أن أمسك بالورقة والقلم وعندما لم أجد أي فرصة ,قررت أن أكتبها في الليل عندما أعود إلى المنزل .

في الليل علمت أني لا استطيع كتابة المسرحية ؛لأني لا أحب أن أعظ الصغار وطالبات المدرسة بشيء ,وتمنيت لو أستطيع أن أكتب عنا نحن الكبار وكيف نتعب ونشقى لنعلم أولادنا ,على كل حال وجدتني أكتب .

الشرطي : توقف عندك ,ماذا تفعل ؟

الرجل : أنا أسرق .

الشرطي : ماذا ,هيا معي للقسم .

الرجل : لن أذهب إلى القسم .

الشرطي : بل ستذهب . (الشرطي يمسك بذراع الرجل ويجره إلى القسم )

المتحري للرجل : ما أسمك ؟

الرجل : أنا محمد عثمان الرملاوي .

ينهض المتحري ويصافح الرجل : يا سلام ,أنت أحد كبار التجار في البلد .

يوبخ المتحري الشرطي : كيف أيها الغبي ,تعتقل هذا الرجل الكريم .

الشرطي : لقد أخبرني بأنه يسرق .

المتحري يضرب الطاولة بعنف : أخرس ,الرملاوي تاجر كبير ويدعم اقتصاد البلد .

يخرج الشرطي والرملاوي من قسم الشرطة .

الشرطي بعتاب : لماذا قلت لي بأنك تسرق .؟

ضحك الرملاوي : لأني أسرق فعلا ,لأني تاجر أربح الكثير ,فبدلا من أن أربح 30جنيها ,أربح 100 جنيه .

الشرطي : معك حق ,أنت لص حقيقي .

أطلق الرملاوي ضحكة عالية وقال : ما رأيك أيها الشرطي أن أعرفك إلى أصدقائي اللصوص ؟

تلفت الشرطي يمنة ويسرى وقال : أتركني أعمل أيها التاجر الجشع .

ضحك الرملاوي وقال : أليس عملك هو البحث عن اللصوص .

قال الشرطي : حسنا ,معك حق هيا عرفني بهم .

ركب الشرطي في السيارة مع الرملاوي (يمكن للطفل أن يقلد صوت السيارة ,بينما يتحرك الذي يقف بجواره وكأنه يركب سيارة حقيقة ) وصلوا إلى مبنى البرلمان وقال : سأعرفك أيها الشرطي على نواب الشعب ,وستعرف بأنهم نوام وكسالى وبل بعضهم جهلاء .

برلماني : أووه صديقي العظيم رملاوي .!

الرملاوي : أهلا صديقي , أنا هنا حتى أخبر هذا الشرطي بأنك لص .

ضحك البرلماني وأخرج منديله المعطر وقال وكأنه يلقي خطبة : طبعا , طبعا نحن هنا نسرق إرادة الشعب ,وكما أننا بلا أي فائدة وظيفتنا الوحيدة هي التصفيق .

(هنا يدوي صوت تصفيق حاد من نواب كانوا نائمين ,لكنهم إستيقظوا فجأة ليصفقوا فقط )

التاجر ورملاوي أخذ يصفقان أيضا ,إلا الشرطي لم تصبه عدوى التصفيق .

عضو البرلمان : أحم عفوا والآن أيها الشرطي الطيب هل ستلقي القبض علي . (ضم عضو البرلمان يديه وكأنه يتوقع أن يقيده الشرطي ) ثم إنفجر في الضحك وأخذ يكح ويسعل .

الرملاوي : يبدو أنك تسعل ,هل ستسافر للعلاج .

عضو البرلمان : طبعا ,طبعا سأسافر إلى السويسرا ,والآن عذرا أنا مشغول ,علي أن ألمع يدي من أجل جولة أخرى من التصفيق . (أخرج من حقيبته فرشاة تشبه ما يلمع به الأحذية وأخذ يلمع بها كفيه )

(خرج الشرطي والتاجر رملاوي من مبنى البرلمان ,وقادا السيارة نحو صديق أخر ,لكنه يبدو خطيرا وذو رتبة عالية )

الرجل ذو الرتبة العالية : رملاوي صديقي ,عليك اللعنة ماذا تفعل هنا ؟

رملاوي : أردت أن يعرف هذا الشرطي الطيب أصدقائي اللصوص وأنت أخطرهم .

(الرجل ذو الرتبة العالية يجلس في مقعد وثير وخلفه صورة ضخمة لصقر أفريقي أسود ,ويمكن إستخدام مؤثرات صوتية بسيطة بصوت الغابة والطيور الجارحة )

الرجل الصقر : نعم أنا رجل ذا رتبة عالية أستغل منصبي الخطير لبيع وتهريب المخدرات وكما أنني جاسوس لبعض الدول الأجنبية والكيانات المشبوهة ,باختصار أنا رجل أبيع كل شيء معلومات تخص الأمن القومي ,أسلحة , إسمنت ,إغاثات دولية ,تبرعات خيرية .

معك حق رملاوي أنا أخطر لص في البلد ,ماذا ستفعل أيها الشرطي ؟

ضحك الشرطي بهسترية وقال : لو لم أقدم إستقالتي سأشعر بأني لص أيضا ,لأني أخذ راتبا ولا ألقي القبض على أي لص .

الشرطي يدخل إلى القسم ويقف أمام رئيس القسم ويعطيه المسدس ,وبعد أن يحكي كل ما حدث يقدم إستقالته .

النهاية

هذه أولى محاولاتي لكتابة مسرحية ,وعلي أن أنتظر رأي بنتي .

في الصباح أخبرتني أمها أن رشا قد أعجبتها المسرحية التي كتبتها وتتمنى أن أسمح لها بأن تجري عليها تعديلا ,وقلت : لا مشكلة .

بعد أيام نسيت المسرحية وكل ما له علاقة بها , حتى سألتني رشا : هل أنت جاهز بابا ؟

نظرت إلى عينيها الجميلتين متسائلا ,ثم تركتني حائرا وذهبت إلى المدرسة . أمها والتي لا أعلم لماذا لم أخبركم باسمها حتى الآن ؟ على كل حال أخبرتني أن رشا تطلب مني ارتداء زي الرسمي ؛لأن لي دور بسيط في المسرحية .

عندما أدخل المدرسة بالزي الرسمي سينظر إلي الجميع وكعادتهم سيظنون بأن أمرا خطيرا قد حدث ,وأنا على خشبة المسرح وكل الناس تنظر لي ,الأمر يبدو مخيفا .

ثم رأيت زوجتي تستعد للخروج إلى حضور المسرحية ,لقد أخذت حماما وجلست أمام المرآة تضع زينتها وأنا لا زلت أفكر بالورطة الحقيقة التي أنا فيها .

وهي أحضرت ملابسي الرسمية وبدأ أنها ستكون رفيقة طيبة ,ساعدتني في ارتداء ملابسي وهي تبتسم وتشجعني ,قلت لها : أريد ولدا يقف بجانبي ,ما دمت أنت تقفين مع رشا .

ثم همست بأذني : أظن بأني حامل .! لن أروي لكم ما فعلته بها هذا أمر محرج قليلا ,لكني شعرت بالسعادة .

وصلت إلى المدرسة وقد كان الأطفال يبدون وكأنهم في عيد ولم يكونوا يرتدون أزياءهم المدرسية ,بل كانوا يرتدون ملابس جميلة وأنيقة ,وكذلك كان أبائهم وأمهاتهم وكما توقعت كانوا ينظرون إلي بفضول وكأني لست منهم .

رحب بنا مدير المدرسة بما أسماه (يوم ثقافي مفتوح ) وقلت لنفسي ليتنا نحصل على أيام كثيرة للثقافة ,وأيام أقل لكل شيء سيء .

لقد كان المسرح عرضا للمواهب ,فقد كان هناك الفتى الذي يقرأ القرآن بصوت جميل , ثم كان هناك الصبي الذي يحفظ الكثير من أقوال العلماء والفلاسفة .

ثم كان هناك الفتى الذي إستطاع أن يضحك الجمهور لمجرد أن يتكلم ويبتسم لطالما تمنيت أن أكون من هؤلاء الذين يضحكون الناس بمجرد حضورهم إن لهم ظلا خفيفا ومريحا (ظل خفيف) إنها عبارة شعرية .

كما كانت هناك تلك الفتاة التي ألقت قصيدة عن بالون لم يشعر بالخوف وهو يطفو في الهواء ولم يشعر بالخوف من الغابة ولكنه عندما رأى العصافير ترجع إلى أعشاشها في المساء تمنى لو كان له بيت يعود إليه بدلا من أن يطفو في الهواء من غير توقف .

أظن على البالون أن يفهم أنه ليس عصفورا ليكون له عش . عندما علقت على هذه القصيدة طلبت مني زوجتي أن أسكت .!

صعدت إلى المسرح معلمة جميلة ويبدو أنها ساعدت رشا ورفيقاتها على التمثيل في المسرحية .

صفق الجمهور عندما بدأ الستار يكشف عن المسرح ,وضحك الناس عندما رأوا طفل صغير يرتدي زي الشرطي وله شارب كث ,ويبدو أن الطفل يظن أن رجال الشرطة يجب أن يكونوا جادين أو غاضبين .

وعندما رآني الشرطي أقصد الطفل الذي كان يؤدي دوري تردد قليلا ,لعله خاف أن أقبض عليه لأنه يمثل دوري ,لكني إبتسمت له مشجعا .

لقد كانت المسرحية كما كتبتها لم يغيروا فيها شيئا ,حتى ظهرت بنتي رشا وقد كتبت خطبة مسرحية طويلة أذكر منها : أبي شرطي شجاع وهو من سيقوم بالإلقاء القبض على هؤلاء اللصوص ,وأشارت لزملائها وزميلاتها الذين يمثلون دور الشخصيات الأخرى .

طلبت مني الصعود إلى المسرح وشجعني الجمهور بالتصفيق , صعدت إلى المسرح وساعدت الشرطي الصغير في إلقاء القبض على التاجر الجشع وعلى البرلماني وعلى صاحب المنصب الكبير .

وهكذا إنتهت المسرحية ,لقد كتبت رشا نهاية جميلة لها ,لا أعلم لكني فخور بها ,قلت لها : لقد مثلت دور التاجر الجشع جيدا . قالت لي : التمثيل يشبه الكتابة إنه عملية تخيل وتقمص .

وعليك أن تتخيل أسماء كثيرة تظهر على الشاشة ,هي أسماء المصورين والمخرجين ,سأقول : إنك تخيلت كل شيء . لهذا كل الأسماء التي على الشاشة هي اسمك !

تعليقات الفيسبوك

3 تعليقات

  1. Inte är det undra på att det är” krig i världen” när man ser hur många skriver…skrämmande!! Håller sällan med Katrin,men tycker inte det ger människor rätt att vara nedvärderande och elaka i alla fall! Skäms över er som skriver så elakt!!

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

رواية “بارادايس” ثيمة الرعب والموت

في مساء بارد من شهر أكتوبر، قررت أن أقرأ رواية بارادايس، وفي دمي بقايا إدمان على الإنترنت …