dcdb8e99075bc4ed8ba20f1d

لا تبدو اللغة شیئًا مهمًا حینما تحاول إقناع طفل بأن یشرب کوب حلیب مثلًا .. لکنها مهمة فیما بعد لتشرح له تعقیدات الحیاة .. ولا تبدو مهمة أثناء جلوسک علی الشاطئ متأملًا البحر الممتد بلا نهایة، النوارس التي تدغدغه، الأمواج المتصارعة علی اللاشيء، أنت لا تحتاج اللغة أثناء تأملک هذا، لا تحتاج لکلمة “بحر” أو “أمواج” أو “شاطئ”، لکنک ستحتاجها لو طلب منک شخص مثلًا أن تصف المشهد له ..و لا تکون اللغة مفیدة أيضًا حین تتذکر لحظة حزن أو فرح سابقة ، لکنها تکون مفیدة حین تحکی عنها لشخص آخر؛ فأنت لن تبکي مرة أخری أو تضحک له لیفهم !

إذن اللغة هي اختراع احتاجه الناس حین احتاجوا التواصل فيما بینهم، وحین تکاثرت علیهم الأشياء والأدوات والاكتشافات والعلاقات، وحین استصعبوا استيعاب واستذکار الأشیاء بمعانیها في کل مرة .. فلجئوا للرمز .. إذ أعطوا کل شيء اسمًا يرمز له، ثم مع مرور الزمن استمد شرعیته فقط من اتفاقهم علیه، فتشکلت الأسامي وتغیرت في ظروف منوعة وأزمنة طویلة ، صار الحزن “حزنًا”، والفرح “فرحًا”، واتفق الناس أن الکرة التي تشرق صباحًا هي الشمس، و أن الشيء الأبیض في سماء اللیالي هو القمر، وأن الذي یجري علی أربع هو غزال، وأن ذلک الذي یلاحقه هو الأسد، “رغم أنه کان من الممکن یتعاکس اسميهما ببساطة”، وأن الذي یحدث بینهما الآن یسمی “مطاردة”. صار الذي یتنزل من العیون دمعًا، سواءً تنزل من عیني طفل فقد لعبته أم عیني أم فقدت ابنها للتو! .. واللغة هنا تجعل الحزنین -في قلب الطفل و قلب الأم- حزنًا واحدًا .. رغم اختلافهما الكبیر .

یمكنك إذًا مما سبق أن تفهم عیب اللغة الواضح، أنها مجرد رموز میتة وکلمات سطحیة تختزل وتختصر معاني عظیمة وعمیقة، فلا حزن یشبه آخر ولا فرح یشبه آخر، ولا حب یشبه آخر، أما اللغة فتجعل کل ذلک متشابهًا.

لکن ورغم عیوبها فإنها ضروریة للحیاة الإنسانیة، التي یعد فیها التواصل أکبر آلیاتها، التواصل مع الناس، مع الأشیاء،التاریخ، المستقبل .. کیف عرفنا الأقدمین وحضاراتهم وقصصهم، مشاكلهم، حلولهم، مآثرهم؟ عن طریق اللغة .. کیف سیعرفنا القادمون؟ .. کیف سنعرف بعضنا ونفهم بعضنا أکثر، کیف سنتحاور وکیف سنتقدم إذًا سوی بطریق اللغة! .. 

لذلك انتقلت اللغة من مجرد ضرورة وأداة لدی الشعوب إلی إرث وثقافة ومحفل ورمز وهویة .. یتباهون بها ویتغنون، ویروون بها قصصهم، بطولاتهم، یضاهون بها الآخرين، وحتى یحاربونهم بها، حاملین هذه الرایة الشعراء والرواة، مدافعین عن شعوبهم ومجدهم ولغتهم، ومؤرخین لسیرهم وأثرهم علی الأرض .. مما ضخ فی هذه اللغات عاطفةً وعمقًا وجذورًا وتماسکًا، ثم مع تکاثر الحكایا والمرويات واشتباکها وتداخلها .. أتی عنصر الخیال في الشعر و الروایات والقصة، لیزید من هیبة اللغة والکلمات، ویجعلها وکأنها عالم لوحدها، عالم یمکن أن تنشأ بداخله العوالم التي ترید، فحینما تخلق بیتًا داخل حكایة ثم تبدع في وصفه وفي وصف الحیاة التي بداخله .. فستبقی هذه الحكایة لأجیال عدة، وحینها سیكون هذا البیت -الذي في حکایتك – أرسخ من بيوت حقیقية على أمكنة حقيقية في هذه الأرض .. إنها قوة الکلمات.

هذا عن اللغات بشکل عام .. أما عن لغتي أنا تحدیدًا .. اللغة العربیة .. فیمکنني اختصار علاقتي معها بأن أقول لکم أنني “أحبها” أو “أعشقها”، ولکن ذلک لا یعني الكثیر حقًا! .. فماذا تعنی کلمة “أحبك” بالنسبة للمشاعر التي تموج في قلبك لحظة قولك لها ؟! .. لا تعني أي شيء .. “وربما حتى اللغة العربیة غیر كافیة للتحدث عن جمال اللغة العربیة !” .. لذلك أنا مضطر لتوضیح ماهیة هذه العلاقة لکم .. إذ یقال أن هناك حب سري وفطري ینشأ بین الشخص وهویته مثلًا بین الشخص ووجهه في المرآة، وخطه الرديء، وبلده، کلنا نحب هذه الأشیاء حتى وإن أنکرنا؛ لذلک یسمونه “حب سري وفطري”، ومن هذه الأشیاء التي نحبها فطریًا هي لغتنا الأم، فما بالک لو كانت هذه اللغة هي “العربیة” .. هذا لیس انتقاصًا من اللغات الأخرى، ولکن افتخارًا بلغة مشهود لها بالجمال والکمال “إن وجد” ! .. فاللغة العربیة من أكثر لغات العالم انتشارًا، إذ یتحدث بها یومیًا ما یقارب الخمسمائة ملیون شخص، وتتسم بالروعة والدقة والعذوبة والشباب المتجدد، وهي لغة خاصة عند المسلمین، نزل بها القرآن الکریم عربیًا مبینًا فكان معجزة تحدی بها الرسول کل الناس أن یأتوا بمثل لغته وبیانه، وكانت في زمن ما ولقرون طویلة لغة العلوم والفلسفة و الأدب والسیاسة، وتعد العربية من أغزر اللغات من حیث المادة اللغویة، إذ یحتوي مثلًا معجم لسان العرب الذي جمع في القرن الثالث عشر أکثر من 80 ألف مادة.

وهذا کلام عام أیضًا.. فماذا عن علاقتي الشخصیة بها .. یمکنني القول أنها بدأت منذ تأتأة الطفل الذي کنته بأولی الأحرف والکلمات، ثم مع اشتیاقي لتعلمها حینما کنت علی أعتاب الصف الابتدائي الأول، كانت تغیظني مانشیتات الجرائد .. یراها الكبار فیفهمون شیئًا وأراها أنا فلا أفهم أي شيء، و کذلک الكتب واللافتات وأوراق الحلوی وهکذا، ویغيظني رؤیتهم یكتبون، وأنا حین أمسک القلم لا أکتب إلا شخبطة تضحکهم، لذلک بدأت علاقتي باللغة للمرة الثالثة – بدایة حقیقیة – حین تعلمت الحروف.. أ ب ت ث .. أ أسد ، ب باب .. لم تعد هذه الرموز ألغازًا بل تشکلت إلى معاني وأفعال، كنت أعرف الأسد والباب فیما قبل، ولکني الآن أقرأهم في الكتاب وحدي، فکأن الأسد یزأر بصوته المرعب،وکأن الباب الذي في الكتاب یفتح لي بکلتا ضلفتیه .. إنها الفرحة التي غمرتني بشدة؛ فرحة إکتشاف هذا الشيء المسمی اللغة.

ثم حثیثًا حثیثًا نمت علاقتي معها، وأساس العلاقة كان الاندهاش؛ اندهاش مع کل نص جدید أقرأه أو قصیدة في مادة اللغة العربیة، فصرت أبادر إلى قراءة منهج اللغة كاملًا منذ أول أسبوع في السنة الدراسیة، ثم أعید قراءته مرارًا وتكرارًا بلا ملل، فکأني مع قراءتي لکل قطعة أدبیة أقع في حب اللغة مرة أخری، کأني أبدأ علاقتي معها من جدید، كنت أحیا بین الکلمات، کالطفل الذي یتحرک بین ألعابه ویظنها حقیقیة، فأنا لم أر من قبل أسدًا یفتح فمه أمامي؛ لکني خفت حین وصف الكاتب کیف فتح الأسد فمه! .. لم أر سیولًا تهاجم البیوت وتکسرها؛ لكنها أرعبتني حین وجدتها في النص .. لم أفهم ما هو حب الوطن إلا حین اعتمل بصدري ذلک الشعور الدافئ المائل للحرارة حین صرنا نردد نشید الاستقلال بصوت عال .. تلک الكلمات كانت مفاتيحًا لأشیاء في الداخل .. لذلک توطدت علاقتي مع اللغة، ونتج عن ذلک أني صرت مذیع الصف في برنامج الطابور الصباحي، أجتهد کل مرة في اختیار أجمل المقدمات وأعذب الكلمات .. ونتج عن ذلك أیضًا أني صرت الأسرع قراءة في الصف وبلا أخطاء .. ونتج أیضًا أن ألفت أول قصیدة لي حینما كنت في الصف السادس -وكان ذلك فتحًا مبینًا- ؛ إذ انتقلت من مرحلة التلقي إلى مرحلة الخلق بعد أن فهمت _دون أن أدرک ذلک حینها_ أن اللغة لیست ملک أحد، وأنه کما کتب الآخرون هذه الروائع بها یمكننا أیضًا أن نجرب، فلابد أن هناک قصائد لم تکتب بعد .. وقد كانت قصیدة ردیئة جدًا رغم أني لا أتذكر منها الآن سوی شغفي لحظة كتابتها.

تطورت علاقتي باللغة منذ ذلك الوقت .. إذ مع تزاید قراءاتي تعاظم حبي للأدب ووعیي به وبأسالیب البلاغة والاستعارات والتشبیهات والتعابیر، فالشعراء والكتاب في التاریخ کله ساهموا في تقلیل الهوة والفجوة بین اللغة وبین التواصل والفهم الصحیح بین الناس، قللوا من جفاف الکلمات واختصاراتها لیصیروها ناضحة بالعاطفة، ثم مع الوقت صارت الكلمات عاطفة مستقلة وعالما متكاملًا .. أنظر لهذا البیت مثلًا لعنترة کیف یصف احتدام المشاعر المختلفة:

فوددت تقبیل السیوف لأنها .. لمعت کبارق ثغرک المتبسم.

وانظر للموسیقی والحمیمیة في بیت أحمد شوقي هذا:

هلا هلا هيّا اطوي الفلا طيّا — وقربي الحيّا للنازح الصبِّ

والكثیر من الأشعار التي قرأتها في تلک المرحلة لتؤجج نار حبي للكلمات، فتظهر علي آثار سنوات من التعلق باللغة العربیة متمثلة في بداية تشكل شخصیتي الأدبیة .. إذ لما كنت في الصف السابع كانت أستاذة اللغة تبتسم وتمدحني في کل مرة تصحح فیها واجبي فتقول: “أنك بارع في صیاغة الجمل الأمثلة” .. ویا لها من فرحة كانت تجتاحني، بعد کل هذه القصائد والکتب والکتاب والتاریخ کله أکتب أنا جملة فتجعل آخر یبتسم معجبًا بها ! .. یا له من شيء جمیل لتکون بارعًا فیه ..  ثم في الصف الثامن كانت الأستاذة في کل حصة تأخذ مني كراس التعبیر وتقرأ للطلبة جمیعًا آخر تعبیر کتبته ! .. ویمکنکم تخیل الغبطة التي أکون فیها أثناء تلک الدقائق، آه کم أرید أن أعود بالزمن لأعيشها مجددًا .. لکن للأسف الزمن لا یرجع .. لذلک نحمل قلمًا ونستعین باللغة للكتابة عن الأزمان التي نتمنى رجوعها ..

ثم بعد ذلک أتت فترة نهم قرائي، اطلعت فیها علی الكثیر من الكتب والأشعار الروایات خصوصًا المکتوبة في عصرنا الحدیث .. والتي تعبر عن قضایا الحاضر ومشكلاته .. الأشعار المتمردة والثوریة مثلًا لدی محمود درویش وأمل دنقل ونزار قباني وغیره، إذ كانت بدایة عهدي بالشعر الرمزي الذي یعطي الكلمات معاني أخری، نذكر الحبیبة مثلًا ونقصد الوطن، کأن هذه الرمزیة تذكرنا بالسیرة الأولی والحاجة الأولی للغة _أنها مجرد رموز لأشیاء ومعاني أکبر_ وهو أسلوب تحریري للكلمات وللمعاني یتمردون به علی قواعد اللغة و الكتابة نفسها متحررین منها کما یتوقون للتحرر من الظلم والرقابة والسلطات والحكومات المستبدة .. کذلک قرأت للطیب صالح ونجیب محفوظ لأفهم عبر سردهم الباذخ تعقیدات الحیاة والنفوس وتصارع الحضارات والقیم .. ثم وعیت أکثر لموقعنا في هذا الصراع العالمي العظیم، علی الحافة ! .. في الهامش، بین الأرجل، مصائرنا في ید غیرنا، تقهقرنا فتقهقرت اللغة معنا، قل بریقها وألقها واقتصت أجنحتها الطموحة التي كانت مستعدة لأن تحلق بها لأعال بعیدة، وذلک یوم أن تنازلنا عن النظر لأعلی، واکتفینا بالتلفت لبعضنا والصراعات والحروب والخلافات الدینیة والعنصریة والقبلیة والتنافس المقیت هذا، فتوقفت اللغة مثلنا عن مواكبة العصور وحجز مكان لها وسط لغات الیوم المسیطرة علی العلوم والثقافة والفلسفة والتاریخ، وحتى عن التدریس بها في الجامعات وحتى التعاملات الیومیة العادیة والحوارات البسیطة التي آلت للهجات تبعد کل یوم عن العربیة، بل وقد تتحول للإنجلیزیة التي صارت رسمیة فی بعض البلدان العربیة.

أنا أحب اللغة العربیة، وأکتب هذا الکلام من منطلق الغیرة علیها، إذ أرید لها أن تتبوأ مرة أخری مكانة أکبر فی عالم الیوم، واثقًا بأنها تملك إمكانات التعبیر عن تعقیدات الحاضر ومواکبة العولمة، أرید أن أراها لغة العلوم مرة أخری،  لا أرید أن أری فرار الناس منها لغیرها، لیس انتقاصا من اللغات الأخری، ولکن تجنبا لظلم هذه اللغة الغنیة الثرة والجمیلة، فکل اللغات في النهایة هي وسیلة لتحقیق أکبر قدر من التواصل، وسیلة لفهم الآخر وتجنب سوء الفهم بقدر الإمکان، فرغم مساوئ اللغة عموما ورغم اختزال الکلمات لتلک المعاني العمیقة.. لکنها الطریق الوحید للأمام .. قد لا تبدو شیئا مهما حین تحاول إقناع طفل بأن یشرب کوب حلیب؛ لکنها مهمة فیما بعد لتشرح له بها تعقیدات الحیاة .. وقد لا تبدو مهمة أثناء جلوسک علی الشاطئ متأملا البحر الممتد بلا نهایة .. لکن هل تشعر حقا أنک تری البحر الآن وتتأمله جیدا .. أم أنک تتأمله في ذاکرتک عبر أشعار تصفه… عبر قطع أدبیة تریک کیف تتصارع الأمواج أو تریک شفق المغیب .. کما الطیب صالح: “شفق المغیب لیس دمًا بل حناء في قدم امرأة”.

أنا مثلًا لم أر ثلجًا متساقطًا في حیاتي إلا عبر التلفاز، وعبر التلفاز كان منظرًا عادیًا ومملًا، لکني أحسست به حقًا و ببرودته وکأني أراه أمامي حین قرأت بیتا للشاعر الإنجلیزی جویس کاري یصف فیه صباحًا ثلجیًا قارصًا ..

“الثلج علی العشب یشبه ضوء القمر الکثیف” ..

الحقيقة لا أعرف حقًا كيف أقول”أحبك” للغة العربية باللغة العربية! .. فحين أقول هذه الكلمة.. كل شخص سيفهمها فهمًا مختلفًا .. “على طريقته وحسب اتساع ماعونه” .. لذلك فالأجدى ألا أقول الكلمة ذاتها .. بل معناها .. الأجدى ألا أقول “أحبك” بل أن أفعل هذا الحب وأمارسه .. وحبنا الحقيقي للغة يتجلى في ممارستها .. سأتحدث بها كثيرًا .. سأحترم قواعدها ونظمها .. سأقرأ أدبها ولأفضل من كتبوا بها .. ثم سأكتب بها الكثير من النصوص .. فربما هكذا تقال “أحبك” للغة العربية.

تعليقات الفيسبوك

4 تعليقات

  1. Thanks for all of the effort on this blog. My daughter enjoys getting into research and it’s really easy to understand why. I notice all relating to the powerful way you render simple thoughts by means of your web site and in addition improve participation from people about this subject so our own child is truly becoming educated so much. Take advantage of the remaining portion of the new year. You are always carrying out a stunning job.

  2. Thank you for sharing superb informations. Your website is so cool. I am impressed by the details that you have on this website. It reveals how nicely you understand this subject. Bookmarked this website page, will come back for more articles. You, my friend, ROCK! I found just the information I already searched all over the place and just could not come across. What a perfect site.

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

طق طق طق “مشاهد من اعتصام القيادة”

_ لمن لا يعرفهم .. هؤلاء هم ناس طق طق طق .. هكذا يعرفون أنفسهم للعالم; عبر الطقطقة اللانها…