غبراهيم

إبراهيم جعفر :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

(ﻟﻮ ﺃﻥّ ﺍﻻﺳﻢَ ( ﻛﻤﺎ ﻳﺰﻋﻢُ ﺍﻹﻏﺮﻳﻘﻲُ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﺮﺍﺗﻴﻠﻮ )

ﻋﺒﺎﺭﺓٌ ﻋﻦ ﻫﻴﻜﻞِ ﺍﻟﺸﻲﺀ ،

ﺇﺫﻥ ﻟﻜﺎﻧﺖ ﺍﻟﻮﺭﺩﺓُ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺮﻭﻑِ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻬﺠﻰ “ﺍﻟﻮﺭﺩﺓَ”،

ﻭ ﻟﺘﺪﻓﻖَ ﻛﻞُ ﺍﻟﻨﻴﻞِ ﻓﻲ ﻛﻠﻤﺔِ “ﺍﻟﻨﻴﻞ”)

” خورخي لويس بورخيس “

     منذ زمن بعيد ، فكَّرَ بأن الكلمة التي يقولها ستتحقق ، لذلك تملَّكَه الفزع والخوف ، وفضل أن يكون صامتاً …  استغرب الناسُ الأمرَ في البداية ؛ أن يضيعَ صوتُ أحدهم ويعجز عن التعبير ، لكنهم مع مرور الوقت اعتادوا على سكونه الحجري وشروده الدائم ، وحينما أخفقوا في مداواة خرسه ، نسوه تماماً كما ينسون الأشياء التي لا تصدر جلبة.

       هو أيضاً في النهاية ملَّ من كونه أبكماً محاصراً بلغة الإشارة ، وأراد أن يجرب ، أن يختبر الحدّة الحقيقية لنبرة الصوت ، أن يسمع بوضوح كلامه ويراه ، لمرة على الأقل .. فوقف عند مقدمة الشارع ، ببساطة ، منحنياً للأمام وماداً يديه كأنهما أجنحة نسر ، ثم تحدث بأول شيء خطر في باله ، قال بصوت مسموع : “محيط”! لكن ما تسرب من حنجرته لم يكن تدفقاً هوائياً للكلمة بقدر ما كان اندفاعاً مائياً من مفاصل الصوت ، تشكلاً كاملاً للهدير والموج والعواصف التي تتكسر على الصخور ، فاض الماء المالح اللانهائي وغمر الأرصفة والمنازل .. السفن الضخمة المحملة بالبضائع خرجت من طرف لسانه المتحرك ، ومع الأبخرة المتصاعدة حلقت الطيور والنوارس فاختلط طنينها بهتف الربان والقراصنة ، ومن مكان ما بين الأضراس سبحت أسماك القرش رفقة الحيتان والدلافين والكائنات الغريبة الملونة ، وفور أن غطى الطوفان الأرجاء حتى نمت شقائق النعمان والرخويات من الجوف الحلقي ، نبتت الطحالب وحدائق المرجان حول الينابيع الدافئة والمرتفعات البركانية … وبسبب انقباض الشفتين المرتجفتين نشأت حركة المد والجزر ، فاحت رائحة الجو الرطبة الخانقة ، وصاح الأطفال على شواطئ فرحين وهم يبنون قلاع الرمل ويجمعون الأصداف ..

      بيد أنه غرق في كل ذلك ، جرّته الأعماق إلى ظلمتها الحالكة ، هرب منه يقينه وسلامه الداخلي ، وتولد لديه رعب مميت ، فصرخ دوامات مائية لولبية مضطربة ، هاجت دواخله بالتيارات المتقاطعة البهيمة ، واحتاج لفعل معقد فقط كي يطمئن ، قال بعد أن فكر بسرعة : “ضوء” .. وكما لو أن الشمس كانت في جوفه منذ الأبد ، أشرق فاه بنور ساطع ، انبثق السنا لينير هجعة المحيط ، وأرهق الضوء المبهر أجفان العيون المترقبة ، كانت الأنوار تشع بمختلف الألوان والدرجات ، كاشفة عن آلاف الأسرار ؛ عرائس البحر تعوم حول أتلانطس ، السفن الحربية الضائعة تقودها الأشباح ، والكنوز المخبأة تحت الجزر التي لم تؤهل تلمع وتنكشف…

– قال مبتسماً : “سحابة” ، فتبخرت مباشرة مياه السطح وطارت به مع نسمة الريح ، حملته إلى أعلى مايمكن لغيمة أن تبلغه ، ومهتدية بالنجوم هاجرت به حول الكون … كان يحاول جاهداً أن لا يسقط من خيط الدخان الرفيع ، مستنداً بصعوبة على الأبخرة المتكاثفة ، منزلقاً عبر ممرات الهواء والضغط .. ومن هناك ، نظر متحمساً للجموع الأفريقية وهم يقرعون الطبول ، للمؤمنين المبتهلين بالدعاء ، وللأشجار الجافة العطشة وهي تهتز .. لكن حز في نفسه بكاء طفلة صغيرة داخل كوخ حين بدأ الرعد المدوي يصخ الآذان ، أخافتها احتكاكات البرق البشعة التي تتقد كتصدعات الزلازل ، وتحرق بصواعقها الأنحاء .. لكنه رآها مرة أخرى تضحك وتلعب تحت رذاذ المطر حين جعل غيمته تذوب كقطعة ثلج ، هطل المطر غزيراً ، وهبط هو بعيداً في وسط معركة !

       كانت جثث الجنود ملقاة في كل مكان من حوله ، بالمئات ، تسيل منهم برك الدم الأحمر الغاني مُلطِخةً الضمير .. وبين كل صدى رصاصة وانفجار ، تفوح أنّات الجرحى الهلعين المتمترسين داخل الخنادق ، وتلتهب آهات الأرامل واليتامى والجراء .. كان الأهالي المنكل بهم – الفارين بلا صوب نحو معسكرات اللجوء – يدفنون أحياء  .. والبنات العذراوات يغتصبن بلا عطف وتُجزُّ أعناقهن كالأرانب. آلمه ذلك أشد ما إيلام ، احتواه الغضب والأسى ، اعتصرت دواخله الخيبة ، وفكر في أن يقول “موت” . لكن ما الجدوى – همس لنفسه – في أن يموت كل هؤلاء .. فهو يعلم بأنها طبيعتنا الإنسانية ؛ حب السلطة والسيادة ، إن فنى جيش سيأتي آخر أكثر عطشاً ، وإن مات قائد طائش فسيخلفه في حربه طيش عشرات القادة ، قال بعد أن أعياه التدبر : “رب”!

    وكما لو أن الأمر مُعدٌّ له مسبقاً ، خرج “الاعتقاد” من فِيه وذاع ، انبثق اليقين التام بوجود إله راعٍ وقادر ، أكبر من حدود قدرتنا ، سلّموا له أنفسهم بإيمان ، مخلصين الحب ، و حفظوه في قلوبهم بحيث لا يمكن لأحد أن يقتل أحد ، أو يخدع أحد..

   عندها هو أيضاً أحسّ بالعشق ، تجاه امرأة ، هكذا جرى الأمر .. خفق قلبه بالكلمة الوحيدة التي لا يمكن لها أن تقال عبر الكلام ، لا يمكن لمضمونها أن يسمع عبر الحديث ، وإنما من العين إلى العين .. تورّد خداه وانعقد لسانه وهو يحاول أن يبثها لها ، وحينما فتح فمه بما يمكن أن نسميه موصوفها ، في الأخير ، نبتت “زهرة بنفسج”!

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

شِلِن

1        زنَّ ذكر النحل شِلِن بأنين خافت داخل المعتقل، متألماً من جناحه المكسور، وعندما جا…