jorj_bernacho

فيم تتمثل عبقرية الرجل، من خلال رؤيته للمرأة؟!

يقول الراحل الرائع دريني خشبة:

”أحسب أن الإنسان إذا كُلِف بتلخيص دائرة المعارف البريطانية في مقال واحد جامع مانع كان ذلك أهون عليه من الكتابة عن جورج برنارد شو…

ذلك أن الكاتب عن شو حيال رجل جبل شامخ صعب المرتقى.. لا يدري أي سبيل من سبله الكثيرة الملتوية المتعددة يمكن أن تصعد به إلى قمة هذا الجبل.. بل إلى منتصف القمة من أول السفح، دون أن يضطر إلى العودة من حيث بدأ كي يلتمس سبيلًا آخر لا يدري إلى أين تنتهي هي أيضًا“..

و عليه فتلك الإطلالة مني على شو ليست إلا نظرة على وجّل و خجل..

فأين أنا من دريني خشبة أو من الكتاب و النقاد و الأكاديميين الذين تناولوا حياة هذا الرجل و أدبه المسرحي..

فلنقل أنها مجرد إطلالة نسائية بحس الأنثى.. على ذاك الرجل الذي تفهم طبيعة الأنثى من خلال أعمال متنوعة مثل ”حرفة المسز وارن“، و ”زير النساء“ .. و الذي تعرض في الأولى لمهنة احتراف البغاء لدى المرأة و كيف تضطرها الظروف الاجتماعية لممارسة تلك المهنة مرغمة .. ثم تتحول مع الوقت إلى عادة لتصبح لعنة مجتمع و ليس لعنة فرد..

أما في الثانية فهو يناقش طبيعة المرأة التي ترفض الزواج من زير النساء الذي وقع في غرامها حتى تبقى حرة بلا قيود، ثم إذا بها وقد شعرت أن هذا الرجل سيعود لملاحقة النساء فإذا بها تشرع بمطالبته بالزواج لتضع القيود في عنق حبيبها و عنقها هي نفسها. .

لكنني سألقي نظرة في عجالة على عملين آخرين أحدهما طالما توقفت أمامه كثيرًا..

كانديدا، بيجماليون..

لكن أولاً لنتعرف على شو قليلًا. .

شو الساخر الناقد الهزلي .. يحاضر و يؤلف و يسخر و يتهكم و يفرض شخصيته وآراءه على العالم كله وليس إنجلترا و حسب.

مفتاحه الذهبي للولوج إلى عالمه هو أنه كان ناقدًا.. في كل شيء و لأي شيء … في جميع مجالات الفكر..

مسرحياته الخمسين و كتبه عن الاشتراكية و قصصه التي كتبها في البدايات.. ناقدًا إن لم يجد ما ينقده.. ناقدًا لنفسه و لأفكاره الجديدة التي ما انفك أن يخلقها ليرجم بها العالم أجمع..

عبقرية شو من وجهة نظر الكثيرين التي أتبناها أيضًا؛ ربما تختلف عن النسيج الذي صُنِعت منه عبقرية شكسبير.. لكنها تشترك معها في أنها عبقرية صنعها الكفاح.. كفاح ذلك الأيرلندي الذي ولد عام 1856 بمدينة دبلن عاصمة أيرلندا لأبوين متوسطي الحال، أي موظف و أم فنانة مغمورة أحب منها الموسيقى و عشقها.. لم ينل حظًا وفيرًا من التعليم و اضطر للعمل في سن مبكرة و تنقل في وظائف متعددة يقاسي مرارة الحرمان و شظف العيش بلندن..

خالط الكثيرين من رجالات الفكر الإنجليزي كسيدني وب، و وليام موريس، و ادوارد كاربنتر و غيرهم و بزغ نجمه كخطيب مفوه في الجمعية الفابية الاشتراكية التي تناهض الرأسمالية..

عمل شو بعد ذلك ناقدًا و عارضًا للكتب في صحيفة ”بول مول جازيت“، و ناقدًا فنيًا و موسيقيًا في صحيفة ”العالم“.. ثم ناقدًا مسرحيًا في صحيفة ”سترداي ريفيو“..

ظل شو يعمل بالنقد المسرحي لفترة طويلة قبل أن يبدأ في الكتابة المسرحية بعد أن شجعه صديقه وليم آرشر مترجم مسرحيات هنريك ابسن إلى الإنجليزية و إنشاء ج . ت للمسرح الإنجليزي المستقل في لندن عام 1891 على غرار المسرح الفرنسي و الألماني و للخروج من عباءة مسرح شكسبير الذي كان يحلو لشو وصفه بالنشال العبقري الذي له ذوقه الجم و قدرته الفائقة على حسن الاختيار.. فهو حسب رأي شو ”الموهوب بسرد الحكايات شريطة أن يكون بعضهم قد حكاها له أولًا“..

رحلة شو المسرحية بداية بـ ”بيوت العزاب“ و التي قدمت على مسرح الرويالتي عام 1892 ثم ”الأسلحة و الرجل“ عام 1894 و قدمت على مسرح الأفنيو.. و بالطبع ”رجل الأقدار“ و التي قدمت عام 1895 و التي يسخر فيها شو من نابليون و الطغيان و الطغاة.

و العديد من المسرحيات الأخرى المشهورة.. منها مسرحية عرفها المصريون جميعًا لأنها كانت تهاجم حادثة دنشواي بشكل خاص و الاستعمار الإنجليزي بشكل عام اسمها ”جزيرة جون بول الأخرى“ وقدمت على المسرح عام 1904..

في كانديدا أفضل ملاهيه المسرحية و التي قدمت عام 1895 على مسرح الكورت تمثيل فرقة جرانفيل بيكر.. وهي تُصٙنٙفْ من المسرحيات ذات العقدة الثلاثية.. ففيها ثلاث شخصيات منهما شخصيتان تتنافسان في حب شخصية ثالثة..

كانديدا زوجة القس المحترم جيمس موريل .. يغرم بها الشاب يوجين مارشبانكس الذي يقرض الشعر و يهوى الأدب.. غرامه يشتد و يبدأ في احتقار القس و ما تفرضه حياته الفقيرة على الجميلة كانديدا..

و يكتشف الزوج علاقة الحب بينهما فلا ينكرها كلاهما و يقترح الشاب على القس ترك الأمر لها للاختيار.. تطلب منهما كانديدا أن يتفاضلا فيفتخر الزوج بقوته و يفتخر الشاب بضعفه…

تبتسم كانديدا و تختار زوجها..

تتبدى عبقرية شو في أنه يعلم تمامًا كيف تفكر المرأة، الزوجة، الحبيبة، الأم، الأخت، الصديقة.. فزوجها المفاخر بقوته هو أضعف الرجلين بالحقيقة و أشدهما احتياجًا لها..

أما ذاك الذي يتظاهر بالضعف فليس ضعيفًا بل يحتاج إلى الانتصار و لو على حساب كرامته للوصول إلى ما يريد..

أما مسرحيته بجماليون.. واحدة من مسرحياته الخالدة.. كتبها عام 1912

والتي تناقش أسطورة بجماليون ..

و قدمت المسرحية على المسرح و بالسينما بمختلف دول العالم و منها مصر تحت اسم سيدتي الجميلة..

إنها تناقش بطريقة عصرية علاقة الرجل بالمرأة التي تكون من صنيعه بشكل ما…

أليزا دولتيل، بائعة الأزهار السوقية التي تتحول على يد مستر هجينز إلى سيدة مجتمعات راقية..

أصبحت سيدة صالون من أرقى طراز، بل و يلتجأ إليها من يرغبن في تعلم أصول الحديث و اللياقة و قواعد الإتيكيت..

إنها تعشقه، و هو يعشق حريته.. سيبقى عازبًا… سيقاوم حتى حبه لها و يستعلي عليه..

فماذا تفعل أليزا؟! تعلن عن ارتباطها بشاب أكثر ثراءً و وسامة من هيجينز، هنا يسارع الأستاذ الذي أفاق على حقيقة طالما أنكرها.. إن حب الفتاة يجري في دمه و يخامر قلبه. . يسارع بالزواج منها..

هنا تظهر عبقرية شو مرة أخرى في فهمه للمرأة، هي الصياد و الرجال الفرائس و إن اعتقدوا غير هذا.. شو يؤمن بقوة الحياة و يؤمن بأنها لا تنفك تسعى بالارتقاء بالإنسان العادي حتى يصبح إنسانًا أعلى.. كما عبّر عن هذا في مسرحيته المشهورة ”الإنسان و الإنسان الأعلى“..

التي تناول فيها بشكل ما رمزية الدون جوان.. و فيها أعلن شو بوضوح أن الحب هو أقوى وسائل الحياة.. الحب الذي بنيته جمال المرأة في قلب الرجل و جمال الرجل في قلب المرأة..

إن المرأة بحكم قوة الطبيعة هي الأم الموعودة، يخطئ الرجال حينما يقتنعون بأنهم يسعون خلف المرأة يتقربون إليها و يتوددون .. بينما طبيعتها تفرض عليها القيام بهذا العمل. .

الشٙرٙكْ منذ البدء كان منصوبًا..

و بقوة الحياة و لكلا من المرأة و الرجل ..

و ليس هناك من هي أقدر على أن تكون سلاح الحياة سوى المرأة..

و الرجل في يد المرأة هو أحسن الوسائل التي تحقق بها الطبيعة أغراضها. ..

جورج برنارد شو لا يدّعي تفضيل المرأة تحت مسميات بلا معنى مثل حقوق المرأة و غيرها من المصطلحات الحديثة..

هو ببساطة يثبت أحقيتها و جدارتها لأنها حياة…

ربما يخلق شو عوالم خاصة به، و يبتكر شخوصًا خيالية يراها البعض تنتمي لعالمه هو و خياله قبل أن نجد لها أشباهـا في عالمنا، لكنني أرى أنه جعل لتلك الشخصيات الخيالية روحًا و دمًا حتى لتبدو شخصيات حقيقية تلقي بظلالها على انعكاسات الشخوص في الواقع لا العكس.

و هذه إحدى مكامن عبقريته…

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

سينما: بين رامي مالك وتوم هانكس (سيدا طاعون الرب)

ليست فجوة بين الأجيال، لكنها انتكاسة في نفوس البشر. لو اعتقد البعض من العنوان أن ما بعده ي…