006b054f9ba3e860a5871ce050d4db1a

عبير عواد:

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

أنشودة حب بين أب… وابنة

في ليلة مقمرة إستولى القمر فيها على السماء.. وتوج نفسه عليها ملكًاً

إنعكس ضوءه وظلاله الشاردة على الأرض فأنارت , وعلى  صفحة النهر فالتمعت مياهه كعروق من فضة..

كان هو واقفاً بشرفة بناية تطل على النهر.. ينفث دخان سيجارته بقلق وتوتر ويلتفت وراءه للساعة المعلقة على الحائط لحظة بعد أخرى!! تأخر الطبيب, وطال الوقت!!  بانتظار استقبال مولوده الأول من زوجته ورفيقة حياته وحبيبة عمره..

كان ينظر للقمر من شرفة المستشفى.. يشعر وكأن القمر ينظر إليه نظرة لم يفهمها!!

دقات الساعة الرتيبة.. وفجأةً فتُِح باب الغرفة… بسمة تغلفها دمعة وفرحة يشوبها الحزن

لقد أصبحت أبًا لطفلة جميلة.. ليس في عمر الأم بقية!!

مخاض صعب و ولادة أصعب.. وكأنها أبت أن تترك الحياة إلا أن تسلم مفاتيحها لوريثتها

لم تغادر الحياة إلا بعد ولادة الطفلة.. استمعت لبكائها وكأنها تستمع من الفردوس الأعلى.. ثم فارقت الحياة، بكى كم لم يبك من قبل.. بكى حبيبة العمر!! التي أحبها مذ كانت طفلة !!

بعد البكاء وبعد المواساة.. عشرات الأيادي تشد على يده.. وأفواه تردد كلمات العزاء..

أخيراً سيغادر هذا الصخب وهذه الأصوات سينفرد بأميرته الصغيرة..

أمها قد أوصته على وليدتهما, طلبت منه أن يحافظ عليها ويحميها لو حدث لها مكروه منعها من حماية ابنتهما، قالت له من فضلك لا تستمع لمن يقول لك إنها أنثى.. فربما كانت عند الله أفضل من (مجرد) ذكور

عندما حملها بين يديه… ملاكًا بريئاً طاهرًا.. نسخة أخرى من الأم !!، توقف الزمن عند هذه اللحظة حبيبته لم تمت!! ولكنها تجسدت بين يديه بصورة طفلة… ابنته

بعد أسابيع,  من زيارات وأحاديث الأهل والمعارف والأصدقاء قرر الانزواء..سيبتعد عن حواراتهم التي لا تبقي ولا تذر.. سيكتفي بعالمه الصغير مع تلك الطفلة!!

اليوم أمسكت بإصبعه شدت عليه وابتسمت عندما التقت عيونهما.. أقسم هو على أنه رأى ابتسامتها ، وابتسم من عرف قائلاً: يا هذا!! ما زالت بعيدة عن الابتسام هذه الطفلة.. للملائكة تبتسم وليس أنت!!

ولكنه أصر.. في قرارة نفسه أصر..  رغم أنه آثر الصمت..منذ يوم الوفاة ورنين جملة قالوها له بصورة أو بأخرى.. قالوا إنها أنثى!! رَدَّ أليس الذكر كالأنثى؟؟

ستحتاج أمًا تصادقها وتجالسها عندما تكبر.. تزوج بعروس تحمل من طيب الخصال ما يجعلها تكن لها أمًا، رفض وقال لن تدخل بحياتنا أنا وأميرتي إمرأة أخرى!!

هي كل نساء الدنيا وهي ابنتي حبيبتي أختي وأمي وزوجتي.. هي تعويض السماء وهدية حبيبتي

قالوا لها إنها أنثى!! قال ستكون أنثاي التي أربيها في كنفي أتعهدها برعايتي وحدبي!! سأعلمها كل ما كانت أمها عليه.. وسأتعلم من أجلها كيف سأكون أبَا وكيف سأصبح أمًا!!

وهب حياته لأنثاه الطفلة.. علمها وتعلم منها, داعبها وتركها تداعبه..تعلم كيف يفك ضفائرها وكيف يجدلها!! كيف يختار معها حذاءًا جديداً أو يشتري لها رداء!! علمها كيف تقرأ كيف تكتب  وما هي مبادئ الحساب.. تشاركا الحكايات والرسومات واللعب بالألوان ، كانت أميرته الصغيرة تجلس على رجليه وتلمس وجهه بأناملها الصغيرة..تزعجها شعيرات لحيته فتأخذه من يده وتذهب به إلى المرآة ليحلقها حتى تقبله بلا ألم..

عندما كان يقول هذه وريثتي!! و يستمع إلى من يقول له  ولكنها أنثى يبتسم مغيظًا ويجيب نعم هي أنثاي!!علمها أن تفكر كرجل وأن تتصرف كأنثى… علمها أن تقرأ الشعر وتتذوق الكلمة..

قرأ معها أشعاره وشاركها إياها كما كان يفعل مع مليكته.. أمها التي أورثته إياها.. ابنته وكنزه وقرة عين له…بقي راهبًا في محراب معبدها بقي أسيراً لأبوته لها لم يستجيب لإغراء أنثى ولم تحرك مشاعره إمرأة!!

مضى الزمن كما يمضي ويمر دائما وكبرت الطفلة وأصبحت فتاة نضجت لتصبح أنثى كانت كالدرة في صدر التاج.. كأوركيدة زرقاء نبتت وسط حقل من الورود..دومًا بالمجالس كان بها يتيه فخرًا!! هذه الأنثى ابنتي!! تقرض الشعر وتؤلف الروايات.. تبتسم فيستجيب لابتسامتها الحجر..أو تبكي فتدمع لبكائها وريقات الورد… جميلة رائعة ندية حنونة رقيقة.. إنها ببساطة أنثى

حتى عندما أتى فارس أحلامها لأباها يطلب أن يكون لها زوجاً..ابتسم له وقال حافظ عليها فهي أنثى!! هذ هو كل ما أريده منك و إياك!! إياك أن تعاملها على أنها (مجرد) أنثى!! لأنها…….. أنثى!!!!

تزوجت الابنة وأنجبت وأصبحت أمًا .. و أصبح هو جدًا لحفيدين أحدهما ذكر.. والأخرى أنثى!!

كان ينظر لهما بحب.. وينظر لأمهما ويبتسم!! يفكر بحبيبته ويناجيها.. ها أنا ذا قد حافظت على العهد!! ها أنا ذا ربيتها أفضل من أي أنثى!! أو ذكر!!!وها هي أيامي بالدنيا قد شارفت على الانتهاء… وها أنا ذا سآتي إليك يا حبيبتي يا أجمل نساء  الكون !!

ذهبت الأم… وغادر الأب….. وبقيت الابنة (أنثى)!!!

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بــِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ ۖ                                                   صدق الله العظيم

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

سينما: بين رامي مالك وتوم هانكس (سيدا طاعون الرب)

ليست فجوة بين الأجيال، لكنها انتكاسة في نفوس البشر. لو اعتقد البعض من العنوان أن ما بعده ي…