سمؤال

(مريم.. مريم)

مريم قطعة السكر.. وحدي من كنت أناديها بهذا الاسم.. جميع من بالحي كانو ينادونها مريم (نملة السكر).. عشقها كان أن تلتقم حفنة سكر ينتفخ بها صدغيها.. تنتظرها حتى تذوب.. يذوب أيضاً من رآها تتلذذ بازدراد لعابها المحلى.. تمضغ بقايا نشوتها مغمضة العينين.. وتبتسم..

(مريم.. مريم)

أنا أيضا كنت أشاركهم الهتاف والقلق.. مريم الغائبة بلا دليل إدانة أو اقتفاء أثر.. فقط تضوع في أنحاء الحي رائحة (السكر المعقود)

ليتك يا ابنتي التائهة تردين روحي إلي..

مساءاً.. أشرقت الأرض بنور ربها.. سحبت الشياطين أذيالها تسكن حيزاً كأضيق ما يكون.. حيث مخبز الحي..

ليلاً.. والشياطين تتقافز هاربة مستبشرة.. عم القلق أرجاء الظنون.. حيث الشيب والشباب والنساء والأطفال يهتفون بصوت واحد: (مريم.. مريم)

اتفقت كل شياطين الدنيا على شحن رأسي بصورة ممضة.. ذو العمامة الناصعة رغم اتساخ ما تعممه.. أراها ترهقني شفقة وتهمس باذني: “حاتم أيها المسكين.. حتى حينما أعطاك أحد زبائن المخبز بطاقة خاصة تضمن لك (واسطة) مريحة تضعك خلف طاولة في مكتب مكيف الهواء.. ازدراك الرجل.. ناظرك من أعلى رأسك حتى أخمص قدميك.. رماك بأقذع الصفات.. أطرق عند النظرة الأولى.. وكأنما الأولى له.. والثانية عليه.. طردك شر طردة من قاعته المنيفة.. أوصى الحجاب بأن لا يسمحوا لأمثالك بالدخول إليه مرة أخرى.. غريب أمره.. هللا نظر إلى تذكرتك الذهبية صوب الجنة؟ تلك التي كنت تحملها في جيب سروالك الأسود المقلم.. تزهو بقميصك الأبيض.. وجبينك الأسمر المصقول عمداً.. تتبختر في مشيتك.. قبل أن تهوي إلى درك اليأس من جديد.. تتقهقر صوب مخبز أحلامك الطازجة.. قم إلى عجينك يرحمك الـ….. يرحمك الـ…

هكذا أدركت أن من يحدثني.. هو الشيطان بذاته..

(مريم.. مريم)

ناديتها مساءاً تتقافز أمام دارها المتاخم للمخبز.. ناديتها بأقصى ما يستطيع الهمس من ضجة.. أتتني تعدو.. وتنطق بكلمات لم أتبين بهجتها.. مسحت على ضفائرها الناعمة النائمة على جانبي عنقها.. ثم قلت أخاطب ابتسامتها المرحة: “عايزة سكر حبيبتي؟”

سبقتني تعبر أبواب المخبز.. هي عادتنا كلما أزف الغروب.. أناديها.. أناولها حفنة سكر.. أرقبها تمضغه.. تمنحني نشوتها أملاً في حياة جديدة.. والأمل أخطر أسباب الوفاة.. تجلس على حجري ذات السنوات الست.. تمسح عني رهق سنوات ست مرت بعد التخرج على قارعة الأمل التائه.. والإحباط الماثل أمام عيني.. أنفقت وأهلي كل ما أملك ونملك كي أدرس (هندسة الكمبيوتر).. كنت أظنني جمعت المجد من أطرافه هندسة؟ وكمبيوتر؟ (مرحى.. مرحى).. نادتني أمي منذ اليوم الأول في الجامعة (باشمهندس حاتم).. وأبي كان ينتظر اليوم الذي أتخرج فيه.. ليجني ثمار رهقه.. سهره.. ليراني أتفوق على أقراني في الحي.. لكنه لم يفعل.. أحمد الله أنه توفي خلال عامي الجامعي الثالث.. وتركني للعرق والنزيف في سبيل لقمة العيش وجنيهات الدراسة.. أحمد الله أنه لم يرني لم أبرح المخبز الحقير حتى عقب سنوات ست مرةٍ على تخرجي..

(مريم.. مريم)

والدها (جرجس) أتقى رجال الحي.. داعبه صاحب البقالة يوماً: والله يا جرجس لو ما الصليب الفي رقبتك ده.. كان بقيناك إمام الزاوية.. ثم أطلق ضحكة مجلجلة..

أمها (ماريا) أنقى نساء الحي سريرة.. لا تخوض في عرض أحد.. ولا تذكر إنسياً إلا بالخير.. كان لا بد لمريم أن تخرج للوجود خيطاً من نور.. نبيلة.. وطاهرة.. يستنشقها القمر ليلاً.. تستنثرها الشمس نهاراً تملا أطراف المدرسة.. الحي.. الكون.. حباً وفرحة..

(مريم.. مريم)

مريم تحبني بصدق.. الأطفال يحبون بلا سبب.. ولا يكرهون إلا بعذر قاس.. لطالما أوصتني أمها عليها.. تقول عنها أنها أختي الصغرى.. أليست كذلك؟

أضحك.. أطرق إيجاباً.. امتنانا لكل تلك الثقة.. ولكن الشياطين قتلتني.. لم تقتلها هي.. النور لا يموت.. بل يختبئ بانتظار لحظة مناسبة للانبلاج.. ما فتئت تفح فحيح الهلاك في أذني.. تذكرني بحلمي الضائع.. قسوة الفرن.. النار.. العجين الحامض يتخثر.. واللهب يزداد أواراً يحول قلب الطوب إلى جمر محرق.. يتلظى في انتظار العجين الجاهز للتجزئة.. وحيدان أنا ومريم.. والشياطين تربط قسراً ما بين جسدها الغض.. والشيء الذي انتصب غضباً.. لا شهوة.. دائماً ما يتركني باقي العمال وحدي عقب صلاة العصر.. وينصرفون إلى بعض شئونهم.. أبقى هناك أعد العجين بحنكة سنوات متتالية.. وأطهو خبز الليل.. حيث لا يطلع عليه الصبح إلا نادراً.. الليلة لن يطل على الكون صبح.. إذ انتشرت الشياطين تحكي انتصارها الأخير.

ذاب السكر بين شفتي مريم.. فتحت عينيها مبتسمة.. طالعت وجهي.. سألتني بحيرة صادقة: “إنت منو؟”

أنا لست أنا.. تعبت.. تعبت.. تعبت.. مت ولم ألفظ آخر أنفاسي بعد.. هي لا تدرك.. ولكنها تستحق الرحيل عن كون بهكذا قذارة.. هذا عذري يا إلهي.. فهل غفرت؟

(مريم.. مريم)

أنا أصدق من يناديك الليلة.. ليتك تكذبين يقيني.. وتخرجين من بين جنبات الحي مبتسمة كعادتك..

(مريم.. مريم)

لم تحتمل جسدي يغتصب براءتها دون شفقة.. أراها بعمامة ناصعة.. لا.. بل كانت هي العمامة الناصعة.. انزاحت عن رأس الغبي الذي أطفأ نور الحق في حلمي.. وتركني للشياطين.. وترك لي مريم.. المساء كان أظلم مما ينبغي.. أهدأ مما يجب.. وطفلة النور كانت جريمة الشيطان الكاملة..

(مريم.. مريم)

انبلج الفجر بلا آذان.. المؤذن أيضاً كان يبكي غيابك معنا.. ينادي اسمك بلا توقف.. وأنت تنشرين رائحة السكر المعقود في سماء الحي.. ويلكم.. ألا تشتمون رائحة روحها؟

لفظت أنفاسها الأخيرة تحت وطأة جسدي.. لا تسألني عما حدث.. كانت تصرخ بصوت مكتوم.. لا تدرك لم خلعت عنها فستانها الأزرق القصير.. سحلت جسدها الأبيض المستدق بقسوة واجمة.. أطبقت كفي على أنفاسها.. لست أذكر سوى الرجل المتعمم صباحاً.. النساء المتجملات بالوهم.. والرجال الذئاب.. الكون يا قطعة السكر أقذر من أن يضمك.. الجرن أحق بك.. مازالت الشياطين تهمس لي.. كانت تلومني هذه المرة على ما ارتكبت في حق الصغيرة.. لكنني لم أكترث.. ولن أكترث.. مريم تستحق الجنة.. وأنا أرسلتها إلى حيث تستحق.. سأحدث والدتها النائحة.. ووالدها الواجم.. بأنني وضعت جثتها المتراخية في أتون اللهب.. لكنها لم تحترق.. فقط ذابت.. كقطعة سكر.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

من ذاكرة نصف نبي

عذرًا فتياتي الصغيرات.. أنا لا أذكر الأسماء التي تمنحني السعادة.. أذكر فقط تلك التي تهديني…