img_1671790479784

      “عن ماذا سأكتب هذه المرة؟ .. ليس لدي أدنى رغبة في فعل هذا”.

      يستمع جيداً، ليس كما قد يُعتقَد ولكن كما يفعل المحترفون، لإرادته ينصت بصبرٍ وحكمةٍ بالغين، يدعها تتذمر، يدللها ويحنو عليها .. وحين يسيل حزنها ساخناً، فهو من يطوقها بأذرع العناق .. أما عندما تتعب من هول الأشياء مصابةً بالعدم، يكون هو من يتحمل كل ثقلها الكوني، ساقطة الاستلقاء بكامل عنتها عليه .. ولما تحين اللحظة المناسبة، لحظة سطوع حقيقة الآن؛ يبتهج لحماسها المجيد فيتركها ترقص دهساً لما تحتها، وكل ما سواها تحتها .. ومتى ما لا تكون الرغبة حاضرةً هنا، تكون حتماً في مكان آخر، هي دائماً موجودةٌ في مكانٍ ما، إما بحوزتك، او أصواتاً بعيدةً في صحراء موحشة. 

     الآن هي اللحظة المُنتظَرة منذ البداية، حانت ذروة طريق حصاد الحقيقة الكاذب، بعد إلقائك خيط إرادتك في أعماق ذاتك، الآن ليس عليك إلا أن تتركه يقوم بسحبك حتى كنزك المحتوم. فقط أنصت جيداً، من يدري، ربما تجد عندها صيداً ثميناً هذه المرة. ماذا إن كان عفريتاً صارخاً معلقاً بجدائل فكرةٍ قاصية في أبعد أرجاء الخلاء؟ ماذا إن كانت بئر عطفٍ جياش تفوح بروائح قزحية كريمة؟ .. ماذا إن صادفت القنديل السماوي الخالد او السامري أو حتى إله الزهج العظيم، المعلم الأعظم .. لن ينسى أبداً ذلك الميلاد المجيد، حين كان مستلقٍ بإحباط على أرض خلاء ذاته، يحدق في سماء جوفه بلا جدوى.

      “إن أرض خلاء ذاتي هي بنفس درجة قبح العالم .. بنفس درجة خواء نسيج الأكاذيب الذي يشكل الواقع .. ربما أنا لست إلا جرة خزف مثيرة للشفقة، أو ربما سجادة ثمينة مستلقية بلا حيلة على أرض جرداء”.

      الخلاء مسطح بطريقة مزعجة، يجعلك تشعر بأن اليأس العميق هو حقيقة محكمة مطلقة لا جدال فيها .. يجعلك ترى الأرض خط سطح مستقيم بلا عوج أبد المكان .. وهذا الأثير الهائل ملء الممكن، ليس إلا صمت لا صوت طنين النمل في مسيره الأزلي متجهاً نحو الأبد، أما الأفق القاصي فهو مزيج سلس من الضجر الباهت، لا شيء مختلف حقاً الآن إلا قطعة السراب الداكن والجديدة هذه.

      لم يمضي الكثير حتى امتلك السراب أطرافاً طيفية راقصة .. ودندناتٌ باهتة تسحق تيار النمل القديم، هذا الشيء يمضي بخطى لاهيةٍ عابثة وإصرار فكرة شيطانية، يشبه الى حدٍ كبير إحدى كائنات الفوضى التي تجوب هذه الأرجاء بلا كلل .. الخلاء يعج بالدواب و الكائنات العجيبة، لكن يبدو ان الامر لا يهم على كل حال.

      تسارعت الأمور بوتيرة اكبر، واستحالت الدندنات ترانيم بلغة غريبة، مستلقياً لم يبالي بشيء حتى غطى الامر قسماً عظيماً من الاشعاع بظلمة لذيذة اضطرته للنهوض من مرقده فزعاً محدقاً في الكائن العجيب.

      -“إني أنا بوريديوس المبجل، إله زهجك العظيم، آمرك بأن تكتب”.

      -“ماذا تريدني أن اكتـ..”.

      قتلت كلمة الاجابة المفتاحية بصفعة قوية خاطفة إهتزت لها خلجات خلاء ذاته،

      -“يا للهول!.. هذا الشيء غريب جداً” قال محدثاً نفسه.

      قال بوريديوس: “اكتب!”

      رد قائلا: “لكن ماذ..”

      مجدداً، طبعت على خده الآخر يد حمراء طويلة الأصابع، دس المسكين محمر الخدين يده في جيبه واخرج هاتفاً لا يصلح الا للكتابة .. حينها أخذ بوريديوس يؤدي رقصة جنونية تالياً ترانيمه العجيبة، وهَٓم المسكين كاتباً ما يقوله الكائن العجيب.

      تدريجيا تباطأت الترانيم الراقصة إلى إن انتهت معها رحلة الكتابة .. لاحظ أنّ الكلام لا بأس به، لا بل إنه جيد جداً، رغم أنه لم يفهم كلمة واحدة، إلا أنّه يبدو بديعاً، نصاً مقدساً، إنه زاهٍ تماماً كقصيدة عظيمة، ولدت أثناء نوم عميق.

     قال بوريديوس: “أنت كاتب” ثم إتخذ بعدها وضع القرفصاء على الأرض صامتا ومغمضاً عينيه في هدوء مرعب، مكث فقط هكذا بينما يراقبه الكاتب متعجباً، في لحظة سكون عظيم فر الكاتب هارباً بما لديه من كنز، ولو أنه إلتفت للحظة لوجد أنّ بوريديوس يركض مبتعداً بنفس السرعة في الإتجاه المقابل. لم يُشاهَد بوريديوس منذ ذلك الحين، حاول الكاتب كثيراً إيجاده ولكن بلا جدوى، كل المحاولات من إستلقاء الإحباط ومشي الهوم على أرض الخلاء وحتى الصراخ الجنائزي و المواء الضجري كلها باءت بالفشل.

     للخلاء أرض صحراوية منبسطة باردة الجو، إنها مكان عدائي جداً لتجوّل إرادة إنسانية، الضوء فيها مشع جداً وبصورة مزعجة. يدّعي سكان قرى الذكريات أنّ سبب الإشعاع الشديد جداً هو قرب الخلاء من كرة الذات المقدسة النجمية، وتؤمن بعض قبائلهم بأنّ أرض الخلاء هي في الأصل أرض الميعاد المزعومة. بجانب عدم توفر الدلائل الموضوعية لدعم زعم كهذا، إلا أنّ هؤلاء الأهالي لا يمكن الإعتماد عليهم أساساً.

      قبيلة النوستالجيا وتعد أكبر قبائل الذكريات يعبدون تمثالاً ضخماً من الهلام الاصفر يسمونه “باست”، إذا حالفك الحظ ستراهم يطوفون حوله عراة ضاحكين عدة اشواط، فجاءة ينتصب الجميع في صمت بلا حراك محدقين في الهلام لساعات بأعين لامعة .. ومرة أخرى وبلا مقدمات يسقطون جميعاً باكين على الارض. يستمر البكاء طويلاً حتى يتوقف بغتة أخرى وبعدها يتلفت القوم يغطيهم الذهول وكأنهم لا يذكرون ما كانوا يفعلون، وبطقس غريب وكأنّهم يلاحظون عريهم للمرة الأولى، يركض كل منهم إلى مخدعه مسرعاً صارخاً. وتتكرر هذه العملية كل فترة بنفس الطريقة، هل تعتقد أن بالإمكان أخذ مثل هؤلاء على محمل الجد؟.

      على كل حال، منذ حادثة بوريديوس تغيرت الكثير من الأمور بالنسبة للكاتب، لم يعد سلبياً ولا مسؤولاً تجاه خلاء ذاته، لقد صار يرى كل مُلقى أرضٍ كنزاً محتملاً، ربما أصبح أخيراً يعرف قيمة إرادته الحقيقية. 

      -“الكاتب لص احمق وبليد.. لا تنخدعوا! الكاتب سارق! الكاتب سارق!” بصوت مخنوق صرخ مالك الحزين وهو يمر محلقا فوق المنطقة.

       لم تعد مثل هذه الاستفزازات تزعج الكاتب، بعد أن مضى وقت طويل على بعثه، وبعد أن إعتاد شيئاً فشيئاً على حياة الكتّاب هذه وما ترافقها من مصاعب، إنها حياة صائدي الكنوز المغامرين، لطالما غص الماضي بالأمجاد، بالإرادة المتأججة، بالنصوص العظيمة، أما حاضر الآن هذا فيبدوا – لحسن الحظ – أقل قتامة من المستقبل، في هذه الأثناء، الإرادة لا تنبيء عن شيء أبداً، كما لو أنّها لا تريد.

      -الآن، ماذا سيكتب.. عن ماذا سيكتب؟.

      -“اللعنة”

      في إحدى جولات هوم البحث، صادف في طريقه “دجاجة الخور الحكيمة”، كانت مخلوقاً غريباً جداً، تجلس في بطن الخور فوق صخرة هي أشبه ببيضة عملاقة .. مستقرة هناك يحفُها جمع غفير من كلاب ضالة، يبدو عليهم جميعاً الإنصات باهتمام لما يقال، تسلل الكاتب مندساً في آخر الصفوف.

      قالت الدجاجة الحكيمة: “إنّ أثمن ما في الوجود هو الحقيقة، الحقيقة هي أثمن شيء لا يمكنك بيعه” هنا شرع في البكاء تيس نحيل وسط الكلاب حتى إبتلت لحيته.

      قالت:”البعض لا يحاول أن يكون صادقاً كفاية، ربما فقط أن يظهروا أقل كذباً، هؤلاء سارقون ملثمون!”

      تململ الكاتب و صرخ قائلاً: “أبحث عن بوريديوس العظيم”

     إلتفت الجميع اليه وكأنه راكب غريب يتكلم في مركبة مواصلات عامة.

     قالت:”لماذا؟”

     لم يجب بشيء.

     تفرست الدجاجة الحكيمة في هيئة الكاتب لبرهة.

     ثم قالت: “لماذا انت كاتب؟”.

     -“لأن هذه الاشياء ثمينة، أقصد النصوص”.

     -“ماذا تعني بثمينة؟”.

     لا إجابة

     قالت:”بماذا سيفيدك بوريديوس؟”.

     -“لا أعلم، ربما يمكنه ان يساعدني”.

     نهضت الدجاجة من جلسة الحكمة، ودارت بكامل جسدها إلى الخلف، شابكةً جناحيها فوق ظهرها، وقفت هناك فوق صخرتها ساكنة لمدة وهي تنظر من خلال زجاج نافذة ظهرت لتوها إلى أفق للسأم البعيد ظلت محدقة لمدة، ثم قالت: “إتبعني”.

      في مسير طويل مشى الإثنان حتى انتهى بهما الأمر في مكانٍ غير مأهولٍ على حافة الخلاء، لا شيء هنا يذكر إلا جبلٌ عظيم. 

      قالت: “ماذا ترى؟”.

      قال: “جبل ضخم ومترهل يضع سماعات عملاقة كما يبتسم بصورة مثيرة للشفقة”.

      فجاءة إهتزت الأرض ورقص الجبل بصورةٍ مخجلة.

      “عجيب” قال الكاتب. 

       قالت: “إتبعني”.

      سار خلفها قليلاً حتى وٓلِجٓت خلال باب كهف في جانب غير مهم من الجبل، تردد في البداية إلا أنّ وخز الفضول الكثيف على مدخل الكهف كاد يفتك به، بعد فترة قصيرة ومع تجدد زلزل الرقص، خرج الكاتب من الكهف مهرولاً يتنهد فزعاً ويتصبب دهشاً، قال والكلمات تتقطع بأنفاس ركضه:” لم يخطر لي أبداً أن كل هذا الجمال قد يكون بالداخل”.

      على مدخل الكهف وقفت الدجاجة الحكيمة، يغطيها الحبَط، وهي تحدق في الكاتب راكضاً مبتعداً حاملاً نصاً عاطفياً يقطر منه القزح القطبي. 

      في الماضي البعيد، لم يكن الكاتب يبحث عن بوريديوس. بعد أن أدرك أنّ ارض الخلاء هي في الحقيقة مكان غني جداً، أخذ بالتجوّل فيه سعيداً خلف إرادته الفتية. كل جلسة ترحال في أقاصي النفس كانت تخرج بالكثير من النصوص العظيمة، أفضل النصوص وجدت في أكثر أماكن الخلاء عدائية، لقد كانت حصاد أشد الأشياء إلتصاقاً بالحقيقة، الأكثر صدقاً، وكانت الأحزان هي الأصدق دائماً.

      حدث هذا منذ فترة، حينها كان الكاتب عائداً من جلسة رحلة صيد وفير، في منطقة قريبة من وادي البكاء، يمشي في الارض مرحاً ويعد الأوراق التي في حوزته، فجاءة سمع صوت بكاء شديد، أخذه مصدر الصوت إلى حافة وادٍ عظيم.

      قال مندهشاً:”لم اعتقد أن بالخلاء أرضاً غير مسطحة”.

     هرول سريعاً نحو مسحة الحنين فوق منحنى الوادي، هنالك باب ينتصب وحيداً في بقعة مريبة يسيل الوادي منها سربالاً واهناً .. قريباً اقترب حتى توقف على بعد أقدام .. كانت “اميرة الجيران الباكية” جالسة على الأرض مُنكفئة بين زراعيها، متوارية بالجانب الداخلي من باب الجيران، مبتسماً وهو يرفع ثوبه واثباً إلى بقعتها الجافة نادى :

     -“لماذا تغرقين الارض بالأحزان؟”.

     دون أن تغير الاميرة من جلستها قالت وهي تجفف صوتها من البكاء:”((لماذا))، تلك الكلمة، هل تعنيها حقاً؟، هل تريد فعلاً ان تعرف لماذا؟”.

     تلعثم الكاتب، فصفع وجهه، ثم تكوم على الأرض جاعلاً أسرتي الأصابع تقبل بعضها كثيراً، تعانقٌ باهت وفراق عجل، دخن هاء السكت ونفثها قائلا:

      -“لا أدري، حقاً لا أدري”.  

     على مهل رفعت أميرة البكاء رأسها، نظرت إليه مباشرة في عينه متحدثة بكلام لم يسمعه أحد، هناك شيء يحدث ابتلع كل مسارب الحس، عجيب جداً، حلقات زحل تطوف آماداً متعِبة .. كل حلقة هي جرحٌ رمادي دامٍ .. والبين لونٌ كالخوف عصابي .. و الحواف صوتٌ رهابيٌ كضرب الموج على القلب، والمنتصف، في مركز الدوران السوداوي .. شيء لا أفهمه يسبب البكاء .. بصعوبة نطق كمن ينتشي بهذيانه:”إنّ حزنك جليل، يبدو حقيقياً بشدة .. كنت دائماً أقف محبطاً أمام الجمال، أمام الحقيقة، لا أدري كيف أكون في حضرتها، لا أدري كيف ألأحتواء، لكن الان.. لقد إزداد الامر علي تعقيداً، لا أعرف كيف أحتوي عين زحل .. اريدها على عيني واريدها في فمي، اريد الطواف بهما مفتوحتان الى الأبد و أحب طعم فنائك على فمي، اريني كيف أعبد عين زحل وأذوقها سوياً؟ كيف تفعلين كل هذا؟ من أين تأتين بكل هذا؟ لماذا كل هذه الحقيقة؟”.

      نظرت الأميرة للكاتب بابتسامة حزينة، “ياللجحيم!” دنت نحو أذنه ببطء قاسٍ وعبير فانيلا الخريف يقتحم المسام مسرياً في الخلاء رعدة قاتلة، كل هذا اللمعان على شفتي الحقيقة مثير للإحباط، الآن لن تملك إلا أن تكون، في تلك اللحظة، لحظة تماس الأكاذيب بالحقيقة. اضطربت شدة كل شيء، إشتد إشعاع الخلاء، تضخمت الإرادة الى مستويات خطرة، تفتحت عيناها جنتي جنٍ جحيمية لعينة .. “يا للهول!، لا استطيع تحمل كل هذا!”، فر هارباً سارقاً قبلة ميتة، ركض بأقصى ما يملك من سرعة، فعثِر ساقطاً من شدة الهبالة .. للوراء إلتفت باكياً جزعاً ومحاولاً النهوض بصعوبة، ليجد أن الوادي قد إختفى تماماً .. إمتد خط السطح القديم ليجعل كل شيء مسطحاً بطريقة مملة .. وحبات الحسرة الدقيقة قد خنقت كل شقيق أمل، كانت هذه التجربة قاسية للغاية .. لم يكتب نصاً، لم يسرق نصاً عادياً، كانت هذه هي المرة التي سرق فيها قصيدة.

      مرت حادثة وادي البكاء، و تناقص الضياء في الخلاء رجوعاً الى مستوياته العادية، لكن الإنخفاض إستمر ببطء إلى ما دون العادة ايضاً، سبَّبَ هذا الكثير من المشاكل، ارتفعت درجات الحرارة، كما تقلصت الأشياء وانحسرت أعدادها مع الوقت، ولم يهطل الدهش من ذلك الحين، مما جعل مخزونه ينفذ بوتيرة خطيرة مهدداً الجميع بالفناء ضجراً. وحده السراب الراقص ذلك الذي يستطيع الإتيان بخلاص أطراف الخلاء القاصية من مللها القديم،  حدق الكاتب في الافق البعيد.

      -“بوريديوس” قال هامساً .. ومنذ تلك اللحظة وهو يجول هائماً. 

      الأمور صارت مختلفة جداً الآن، ازدادت سوءاً، في هذه الأثناء تذبل الإرادة ويغطي الغم القاتم معظم الأفق، تختفي الاشياء عن السطح خالدة الى ما يشبه السبات العميق. ربما الأمر فارق قليلاً، السُبات هنا قد تكون كلمة مضللة، مثلما تعني النوم العميق المتواصل، قد تعني ايضاً الموت .. البعض يسمي الظاهرة “كسوف نجم الذات”، ربما لأن الاشعاع الشديد المزعج يخفت بصورة متعبة مضطربة، لا احد يدري تماماً ما يجب فعله، فقد لا يستطيع الخلاء تجاوز هذه المرحلة الى الأبد، الآن لن تستطيع إلا أن تُصلي. 

      -“إن إرادتي تعبة بشدة، لماذا لا أجد ما اكتبه؟”.

      -“لماذا كل الحسرة و السوداء على قلبي؟”.

      سقط الكاتب على الارض مفرقاً أطرافه بعدل على الخلاء.

      -“هل أنا كاتب حقاً؟”.

      ممدداً هناك مكث  لوقت طويل جداً، اذا كانت الاسطورة صحيحة فحتماً ستكون كرة الذات الآن أشبه بهلالٍ جنيني ينحسر نحو البدايات. إن هذا هو اسوأ تغير مزاجي مر به الخلاء على الإطلاقً، لا أحد يدري، قد تكون هذه هي النهاية. إحتشدت كل الاشياء ومخلوقات الخلاء حول الكاتب في دائرة عظيمة، يبدو عليهم جميعاً رهق الشفقة والخوف الشديدين، لكنه لم يحرك ساكناً أبداً وأصاب وجهه شحوب لا مبالاة شديد، فقط يرقد هناك بهدوء مرعب يحدق في جوف ذاته بلا جدوى، قارب الضياء على الإنطفاء، ربما هذه هي النهايات الجزعة. 

      مع بداية المغيب الأحمر الحزين قطع عاجلاً صفوف الاشياء البائسة شيء ما، هرول سريعاً نحو جسد الكاتب، “هل تكون أميرة البكاء؟ هل ستعطيني قبلة الحقيقة المطلقة؟” صفعه الشيء صفعتين مدويتين، لكن دون أن يجدي نفعاً، نهض مرتلاً ترانيماً غريبة بعصبية ارتيابية، صفعه مجدداً صارخاً “اكتب”، صفعه مراراً وتكراراً مردداً “اكتب!”، “لماذا لا تكتب؟!”، لكن الكاتب بقي على حاله جثة هامدة. سقط بوريديوس على وجهه صارخاً بعويل مزعج متواصل وضارباً يديه و رجليه بالارض بهستيريا طفولية. 

      -صرخ: “لماذا تفعل بي هذا؟”، “لماذا لا تكتب وحسب؟”.

      ليس من مجيب.

     فجاءة سكن كل شيء .. وتوقف بوريديوس عن الضرب والعويل، خمد ممداً هناك على بطنه بجانب الكاتب، كانت هذه هي أكثر اللحظات سكوناً في أرض الخلاء منذ النشأة الأولى. 

      “لقد كذبت عليك” قال بوريديوس .. صمت قليلاً وأردف قائلاً “انت لست كاتباً”.

      -“ألقيت الكذبة عليك ولذت بالفرار”.

      سال الحزن حاراً من عين الكاتب اليسرى.

      -“أنت لست كاتباً، انت كل شيء، انت الكون، انت الخلاء العظيم!”.

      -“الكتابة منفذ ضئيل وحقير لتبث روحك إشعاعها للعالم، الكتابة هي اسلوب العالم العاجز عن احتواء إبداعك اللامتناهي” “أنت عينا بكاء الحقيقة الجليلتين”.

      إرتفعت شدة الاضاءة قليلاً و سقطت حبة دهشة على جبين الكاتب.

      -“وتحسب أنك جرمٌ صغيرٌ وفيك إنطوى العالم الأكبر” قال بوريديوس بصوت خفيض.

      -“الحقيقة هي الأثمن، إنها الحب الشافي، انها الابداع الخالد”.

      -“الكتابة هي سرقة القبلات الفانية، أنتَ قصيدة عظيمة ولدت من بعد قبلة خالدة!” قال مقهقهاً منكسراً .

      إهتز الخلاء للحظات بزلزال رقص مرح، نما جنين الذات سريعاً فأشرق الخلاء بفجر ميلاد جديد، الآن كل شيء افضل بكثير .. نهض بوريديوس بهدوء نافضاً عنه بقايا الرمل الجاف .. إلتفت للوراء ليجده قد قام من رقدة الموت، الآن هو ليس مستلقٍ بإحباط، لا تتملكه السوَداء، ولم تكن إرادته بهذه العظمة من قبل .. إنه فقط يجري مبتعداً بسرعة هائلة، حاملاً  بيده نصوصاً جيدة، وهناك في المنتصف، بين الأوراق، توجد قصيدة الخلاء العظيم.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الجزيرة

  الجزيرة التي وجدت نفسي فيها، لم تصلها رسالة واحدة في زجاجة، لم يمس شواطئها شيء أبدا…