961

بقلم  : Mehmet Akif yigit

 

 في هذا الزمن أصبحت الأشياء غريبة و فقد الأسوياء عقولهم .

اجتاز أحمد كل امتحاناته و بعد متابعة طويلة مع خطوط الطيران عثر على، تذاكر ستأخذه إلى بلدته و بأقل تكلفة . و كما الجميع عندما استيقظ صباحًا ، أخذ تذكرته مباشرة ، كان في غاية السرور بسبب أنه وجد تذاكر طيران بقيمة مناسبة لهذه الدرجة ، و مباشرة خطر بباله ما سيفعله بعد وصوله إلى بلدته . 11 نيسان . قال : ( لقد تبقت لي أيام قليلة ) خرج من بيته لكي يتجول قليلًا في طرقات استانبول ، تبدو الطرق غريبة ، الناس ليسوا كما عهدهم دومًا ، و عند دخوله دكان عم حسام لكي يأخذ سيجارة نظر إليه عم حسام بوجه كأنه مصاب بالشلل ، لم يستغرب أحمد هذه الحالة إطلاقًا . كأنما صرخ قائلاً ” كم ” من مكان ما في أعماق تلافيف عقله ، و للحظة تخيل عم حسام تأثير هذا الصوت كأنه وقع أسيراً للميتافيزيقيا ، و أصبح من الصعب أن يتخلص من هذا الشعور و بمجرد خروجه فتح علبة السجائر ، أخذ سيجارة واحدة ، و بينما كان يمشي تحسس كل جيوبه ، لاحظ أنه لا يملك ولّاعة . حسناً ، المنافس الأزلي لعم حسام يعود إلى المقصف ، قائلاً : ” بولعة واحدة لن يتلوث عم حسام ” و أخذ ولّاعة الكشك و أشعل سيجارته بسرعة . و بعد أن أخذ آخر نفس من سيجارته رماها فوراً ، رفع رأسه ، و بقوة نفث غاز منوكسيد الكربون الذي امتصته رئتيه ، و في هذه اللحظات لاحظ وصول الأوتوباص ، في البداية ذهب إلى ساحل (باشكتاش) ومن هناك إلى (أورتاكوي) ومن ثم جاء (إيمين أونو) و عبر بالبابور إلى ( أوسكودار) . و عندما كان جالسًا على الصخرة يشاهد المضيق لم تمر على ذهنه أفكار بسرعة لا يصلها الضوء . انتبه إلى نفسه يسمع أذان العشاء ، وعندما أراد رمي العلبة التي في يديه لاحظ أن هناك آخر ثلاث سيجارات ، حسب مع نفسه ، همهم قائلاً ” على الأقل كان ينبغي أن تكون داخل العلبة عشرة سيجارات ، في أي وقت دخنت كل هذا العدد ؟ ” أدرك أحمد بينه و بين نفسه أن شيئًا غريبًا يحدث ، لكن نجحت خلايا عقله في أن تجعله يصدق أن كل شيء على ما يرام . و بينما كان يدخن آخر سيجارة من العلبة تأكد حينها أن الوقت قد تأخر و بدأ يتخذ الطريق الصحيح الذي يأخذه إلى البيت .

 12 نيسان. بدأ ينظف البيت لأن هذا اليوم هو آخر يوم له في استانبول ، جهز حقائبه مبكرًا لأنه سيرتاح ساعة في خفوت الليل حتى وصول القطار إلى ماردين . ولكي تُظلم السماء قامت بطرد الشمس الصافية ، أخذ أشياءه لكي يستحم ، وبينما كان في الحمام كان يفكر في سفر غد ، بالتأكيد أن يفكر في هذه الأشياء و رأسه ممتلئ بالصابون ليس أمرًا جيدًا ، و بسبب هياجه سقطت قطعة الصابون على الأرض ، و عندما همّ لأخذ الصابون من الأرض أغلق بجسده العاري الماء عن طريق الخطأ ، لم يفتح عينيه لأن رأسه ممتلئ بالصابون ، تفاجأ بأنه قد بدل حنفية الماسورة القديمة التي تُفتح إلى الأعلى و تغلق إلى الأسفل ، بدلها بأخرى جديدة ، سبّ لنفسه بسبب تغيير الحنفية . سوء الحظ التصق بأحمد مثل العلقة ، لكن العلقة تأخذ شرورها و تذهب ، أما هذه العلقة التي التصقت به تعمل مراسلة لأخبار الشؤم . أحمد لم يجد الصابون ولا الحنفية ، أخيراً استسلم ، كأن هذا قدر إلهي ، فتح عينيه و قبل أن يحرقهما الصابون الرخيص ، فتحهما ببطء لكن ما شاهده كان اللون الأحمر ،قليل من أحمر و قليل من الأصفر لم يمنحاه أي معنى ، لكن كلمة واحدة ظلت عالقة بذهنه و هي كلمة نار ذات الثلاث أحرف . فتح عينيه ليتخلص من هذه الهلوسة ، بمجرد أن فتحهما أغلقهما مرة أخرى ، كان يقف تمامًا أمام المرآة ، الشيء الذي شاهده في المرآة مخيف لدرجة لا توصف ، شجعه لكي يفتح عينيه مرة أخرى اعتذارًا لهما لأنه آلمهما بالصابون ، في هذه المرة كان كل شيء عاديًا ، كان الصابون في يده و ينزل الماء من رأسه إلى الأسفل بفتور . ما شاهده في المرآة ظن أن لن ينساه إلى آخر يوم في حياته ، لكن لم يكن كذلك طبعًا ، فهم أحمد الحقيقة في ثانيتين فقط ووضعها في ذهنه ، و ثانيتان بالنسبة للإنسان المحتضر تُعدان ذاتا قيمة . يعتقد البعض أن الأشياء التي تراها في لحظة كلها خيال ، و ليست ذكريات إنما تُعد خيال فقط ، لأن  الذكريات عبارة عن حقائق أما الخيال فمحتمل أن يكون حقيقة .

نار ، ما شاهده أحمد هو هذا ، كأنه رأى نارًا تشتعل في وجه يتحول تدريجيًا إلى فحم ، رأى شيئًا مشتعلًا على امتداد جسم الإنسان ، كان هذا أكثر شيء مخيف يراه إنسان في الحياة ، طبعًا لا أقصد أناسًا منكوبين مثل أحمد . واصل غسل رأسه برغوة الصابون ، كل شيء يبدو عاديًا لكن دون أي معنى ، خرج من الحمام و لبس بجامة نظيفة ، فحص تذكرته ، عندما همّ بأن ينام ربما لم تشر عقارب الساعة إلى التاسعة بعد ، لكن بسبب أن زمن إقلاع الطائرة و هو الرابعة يجب أن ينام و يذهب إلى المطار بنشاط .

 13 نيسان 2013م الساعة 2:30

 ما إن رن المنبه انتفض أحمد من فراشه مباشرة ، الساعة ذات الرنين التي توجد في الجانب آخر من الغرفة ، صفع زرها الأعلى بتخبط ، غسل وجهه ويديه ، بدل ملابسه ، اتصل بهاتفه إلى صاحب التاكسي الذي اتفق معه ليلاً .

الساعة 3:00 داخل المطار تخطى أحمد أول نقطة كنترول ، و لكي يُتأكد من تذكرته و يتم فحصها توجه إلى سيدة ذات منظر غريب تقف أمام منصة عالية ،مدّ هويته و حقيبة سفره ، بينما كان يتخطى نقطة الكنترول الثانية وقع بصره على شيء ، و بسبب أنه لم يعره انتباهًا بدا كل شيء عاديًا ، لكن لم يكن هناك شيء عادي إطلاقًا . و دون أن يواجه أي مشكلة تخطى نقطة الكنترول الثانية ، بدأ يبحث عن حمام على الطراز التركي ، و عندما لم يجد همهم قائلاً ” لكي أجد حمامًا على الطراز التركي في مطار بُني على الطراز الأوروبي ، ينبغي على أي حال أن يكون البابا حافظاً للقرآن ” و بسبب مقدساته الشخصية قضى حاجته دون أن يجلس على الحمام الإفرنجي ، و بعد خروجه بينما كان يغسل يديه كان ينظر إلى نفسه في المرآة ، فجأة رأى في ذات المرآة أم الفتاة التي ذهبت لتقضي حاجتها ، كانت واقفة ، و دون أي مقدمات شرحت له كيف أنها كانت تقف بهدوء عندما كانت تأخذها جدتها لتقضي حاجتها .

الساعة 3:30 فحص أحمد تذكرته و بدأ يبحث عن الباب رقم 13 الذي سيركب الطائرة عن طريقه ، و جد مساره بمساعدة اللافتات ، و عندما و قف أمام الباب فُتح و بدأ الركاب يصعدون إلى الطائرة ، في الواقع لم يكن هناك شيء عادي ، لكن حدس أحمد الغريب جعله يستمر في رؤية الأشياء في صورتها الطبيعية ، جلس في مقعد الخط الاقتصادي A 13 ، عاش لحظات فرح كبير بسبب جلوسه ناحية النافذة دون أن يعلم أنه سيندم .

الساعة 3:45 كان يوجد في الطائرة مقعد واحد فقط فارغ . دبّر خطته الشريرة أقولها بملء الفم ” إنه قد دبّر خطته الشريرة قاصدًا أرواح الأبرياء ” . معظم المسافرين كانوا يستمعون إلى المعلومات المقدمة من طاقم الضيافة بعيون على وشك النوم ، أما ذوو العيون التي لا ترغب في النوم فقد كانوا يسمعون الكلام بأذن و يخرجونه من الأذن الأخرى ، لكن إدراك أحمد الداخلي دفعه للاستماع إلى تلك المعلومات بدقة . المضيفات القبيحات ذوات الملابس الجميلة جلسن الآن في أماكنهن ، سُمع صوت أزيز الطائرة عن طريق واحد من مكبرات صوتها الرخيصة ، لم يكن هناك داع يجعل أحمد يدير رأسه فقد كان أصلاً يسمع مكبرات الصوت بينما كان يشاهد المدرجات المظلمة من خلال النوافذ . ” السادة المسافرون على الرحلة رقم KL1313 مرحبا بكم في طيراننا ، لقد أقلعنا من استانبول متوجهين إلى ماردين ، و بمساعدة الكابتن علمنا أن رحلتنا ستستغرق ساعة و خمس و أربعين دقيقة تقريبًا ،حالة الطقس جيدة ، متمنين لكم طيرانًا آمنًا على خطوطنا و نقول لكم جميعًا رحلة سعيدة ” خرجت الطائرة ببطء إلى المدرج ، ربط أحمد حزام الأمان.

الساعة 4:15 مر ما يقارب العشرون دقيقة على محادثة الطيّار لكن لم تقلع الطائرة ، المضيفات المشاكسات كذبن كذبة صغيرة بقولهن إنهن قد راجعن محرك الطائرة مرتين خلال الرحلة الليلة و العمل لم يكن صعبًا أصلًا . معظم المسافرين كانوا نائمين ، و المستيقظون هم فقط من لم يشعر بالراحة وقت إقلاع الطائرة المتأخر . المشكلة التي توجد في محرك الطائرة لم تُصلح بعد ، المحركات التي ليس بها مشكلة في الظاهر لم تستطع أن تصل إلى السرعة المطلوبة للإقلاع . تأخر الإقلاع خمس و أربعين دقيقة ، و حسب طاقم المطار القديم فإن الطائرة جاهزة للإقلاع لكنه لم يوص بإقلاعها و قال بأن الطائرة تلزمها صيانة .

الساعة 4:30 كان أحمد يراقب كل ما يحدث من البداية عن طريق نوافذ الطائرة ، المحركات جاهزة الآن و قد بدأت الطائرة تخرج إلى المدرج ببطء ، رأى أحمد تمامًا في هذه اللحظة تذكرته الموجودة في الجيب الأمامي ، أخذ التذكرة في يده و بدأ يتفحصها ، شعر أن كل شيء يبدو طبيعيًا ، و عندما كان يدقق في التذكرة حتى آخر نقطة بُهت من الدهشة ، أخذ التذكرة في الساعة 13:13، اليوم الذي سيسافر فيه هو 13 نيسان ، رقم الرحلة KL1313 ، اليوم الذي سيسافر فيه هو 13 نيسان 2013م ، رقم المقعد A13، مدخل الباب الذي سيدخل من خلاله الطائرة رقمه 13 ، لم يتقبل بعد كل هذه الصدمات التي عايشها ، الاحمرار الذي كان يداخل من النافذة ، يُدخل معه سطوع الفلاش الأصفر اللامع ، الطائرة لم ترتفع من مكانها مئة متر عندما بدأ خرطوم من اللهب يداهمها ، قبل أن يتهشم جسد أحمد إلى أجزاء جراء هذا الانفجار ، كان ينظر إلى الخارج بعينين بلون العسل.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

في مديح الثوّار 2

(1)      كانت القصيدة التي تدعو إلى الثورة متحررة من كل القيود، فقد ثارت القصيدة على قيود …