487863_420810084666853_122055241_n

طلال الطيب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

النحلة التي تغرق رأت جثة عنكبوت لم تشعر بالخوف منه ؛لأنها تغرق ! ولم تمت لأنها كانت تحلم ..

وهي لا تأخذ إستراحة ولكن أوحى لها الشيطان الذي كان (بعوضة شريرة ) أنك يا نحلة تعملين كثيرا وسوف ييقتلك العمل .تمتعي بالحياة !
لهذا تركت النحلة المملكة وهربت من جنودها العتاة الذين طاردوها بسرعة شرسة , أفلتت منهم عندما رمت نفسها في بطن زهرة عباد الشمس تلك الزهرة التي تظن الشمس إلاهة الزهور والأشجار ! 

نامت النحلة وشعرت لأول مرة بالكسل وحلمت أحلام الكسالى . فطائر من ورد , خمر من رحيق وزواج مهيب تخيلت نفسها الملكة وهي شبقة الأجنحة وتطير عاليا ويطير نحوها كل ذكور المملكة, والقوي منهم سوف يصل إليها ليضمها ضمة كاملة الأجنحة , لكنها نحلة قوية سوف تجعلهم يسقطون مثل الثلج من ارتفاع بارد ويتزوجها القمر وتنجب منه نجوم من عسل  !
كانت تحلم أحلام الكسالى حتى رأت عنكبوت مفتول العضلات يبني بيته ,راقبته باهتمام كيف يعيش وحده يغني أغاني الطيور المرعبة ! , راقبته يُِخرج خيطه الحريري من فمه ويرسم به زهرة هائلة معلقة في الهواء تجذب الفراشات الغبيات فيلتهمهن بلذة !
حلمت بأنها بجواره رقيق معها شرس مع الأخريات قالت : إنه حٌب مستحيل ؛سوف يأكلني !

هبت العاصفة عندما شعرت الغيوم بالملل من تحديق زهور عباد الشمس فيها _تظنها ملائكة الرحمة _ ورغبن بحديث الرعد الماجن الذي يصفع أفخاذهن ويعض خدودهن فيضحكن حتى البكاء !
هطل المطر عناكب من ماء ,وشعرت النحلة بالرعب لن يعصمها تاج الوردة منه . انتبهت للعنكبوت يدخل تحت الحجر , لم تفكر كثيرا بل طارت إليه وهي تراوغ عناكب الماء . حطت بالقرب منه انتبه لصوت أجنحتها وشم رائحة الورد منها , خفق قلبه العنكبوتي وكأن سهما من دخان وردي قد أصابه ! 
هي جلست غير بعيدة منه تتأمل بريق الكؤوس التي تشربها الغيمات . بصوت عميق سألها : ما اسمك ؟ 
تذكرت اسمها الطويل ( أنت العاملة رقم ثلاثة ألف وتسعون من المملكة الرابعة ) 
قالت له بعد أن اخترعت لنفسها اسما : اسمي نون ! 
هو لم يفوت فرصة ( طق الحنك ) فقال لها :حبك جعلني مجنون !
ضحكت النحلة رغم دهشتها وضمت رجليها وأجنحتها إليها وهي ترتجف من البرد , وشعرت بالنعاس لكنها انتبهت إليه وأخذت تنظر إليه بصمت عندها أسرته عيناها السوداوين مثل حبتي كون ! 
اقترب منها ضمها إليه بقوائمه الشوكية و غفت كما يغفو الفرح ! في الصباح أخذت الطيور تثرثر عن ما حدث ليلة البارحة وأن الغيمات مارسن المجون حتى كنسهن الهواء !
وجدت ( نون ) نفسها ترتدي معطف أبيض من الخيوط الحريرية وكان دافئا ومناسبا . خرجت من تحت الحجر وجدته يصلح بيته الذي تخربه الريح دائما . قالت له : شكرا ! 
انتبه لصوتها فهبط إليها برشاقة فقالت : أنا أشكرك على مافعلته معي ……..وأشكرك على المعطف ! 
وحلقت بأجنحتها الصغيرة غير بعيد ثم رجعت وقالت له : ما اسمك ؟ 
ابتسم ابتسامة عنكبوتية وظل أجنحتها يسقط على عينيه : أسمي أحمر ! 
ابتسمت إليه شاكرة وطارت وهي تنظر إليه فرأت علامة حمراء فوق ظهره .
وهي تطير كانت ترى النمل وهو ينتشل جثث الكائنات التي غرقت , النمل عندما رأها فكر هل في بطنها عسل ؟ 
وبينما هي نائمة في حضن وردة انتبهت للنمل وهو يحاصرها .كانت تلتقط رسائل قرون استشعارهم ( إنها سمينة ! سوف نأكل وجهها أولا والباقي للقرية ! ) ( كونوا حذرين قد تستيقظ وتطير ) فنشرت أجنحتها بشراسة ودارت حول نفسها دورة كاملة تستعرض قوتها ,لكنها وبمعطفها الأبيض وخطوطها السوداء والصفراء ظنوها ترقص .!
قائد النمل أرسل لجنوده رسالة عبر القرون الاستشعارية ( هي شجاعة ولكن هشة , انقضوا عليها ! ) لكنها طارت بعد أن أهالت فوق رؤوسهم غبار الطلح .
وهي تحلق كانت تخاف الطيور والعصافير وأخواتها النحلات . بكت ضعفها وتذكرت من منحها معطفا أبيض فطارت بشوق إليه ! 
وجدته جالس يراقب شجرة خضراء كبيرة رسم بين أغصانها ورداته الحريرية فحطت وراء ظهره فقال : هل هذه أنتِ نون ؟ 
وما إن جلست بالقرب منه حتى قال لها: رائحتك ذكية !
ابتسمت وهي تنظر لعيونه الكبيرة وكانت ترى فيها خيالها كله قالت : وأنت أيضا !
ابتسم بفمه الكبير وقال : إنها رائحة الفراشات !

أصبحا يثرثران معا كثيرا قال لها : بأنه يعتبر نفسه مهندسا وفنانا معماريا وأن الفراشات يقعن دائما في فخاخه الفنية وقبل أن يأكلهن يقول لهن بأنهن جميلات لحد الثمالة وشهيات لحد الموت … أعتذر ولكن الحب عند العناكب أن ألتهمك أو تلتهميني لا فرق !
هي أخبرته عن العمل حتى الموت وأنها سوف تموت لو لسعت العدو !

كانت نون نائمة فانتبهت بأن أحمر يغزل عليها معطف أخر بدلا عن الأول الذي نزعته عندما شعرت بالحر فقال لها : سوف يأتي الشتاء قريبا ! 
وما إن أخذت نون تنظر لخيالها في عيون أحمر حتى تعرف كيف يبدو عليها المعطف الجديد تساقط الثلج نحلات ثلجية صغيرة وعندها قال لها : أنتِ أجمل ما عرفته في حياتي !
قالت له : أنت مبدع وفنان ! 
خفض بصره خجلا من الإطراء المباغت وجلس يتأمل وروده الحريرية والثلج يكسرها وجلست بجواره قالت له : رائحتك جميلة ! 
فتبسم وقال : إنها رائحتك أنت . 
وبعد أيام طمر الثلج الحجر وصارا في عتمة دافئة أخبرته أن خلية النحل تكون دافئة بفضل آلاف النحلات اللائي يحركن أجنحتهن معا !
سألته : هل تذوقت العسل يوما ؟ 
قال : رشفته ذات مرة من فمك !
احمر بوحها خجلا حركت جناحيها قليلا وكان للمعانهما تأثير ضوئي دافئ .

ذاب الثلج عن الحجر ودخل إليهما الضوء مثل طفل يخشى أن يرى عاشقين متعانقين .
قالت له : إنه الربيع ؛ الألوان في كل مكان !
إلا أنه كان مريضا وخافت أن يعلم النمل البارع في التجسس والسريع التواصل بمرضه فيأتي إليه !
أخبرها ( أحمر ) بأن عليها أن تتركه ؛ لأن الصقيع خرب قلبه . وأحيانا كان يظنها ملاكا ذو جناحين شفيفين ! 
حاصرت جحافل النمل الحجر والتقطت نون بقرني إسشعارها رسالة قائد النمل لجنوده ( حاصروا المكان ولا تدعوا للنحلة فرصة لتخرج من تحت الحجر حتى لا تطير , احذروا من ( أحمر ) فإن ضرباته قادرة على قصم نملة لنصفين !) 
وكانوا يتقدمون نحوهما بسرعة وكانت نون تحرك أجنحتها فتثير عليهم الغبار حتى كلت وتعبت وأخذت أجنحتها ترفرف رفرفات خافتة وكادت أن تقع فريسة لهم إلا أن أحمر هب فجأة وزمجر زمجرة عنكبوتية وخرجا من تحت الحجر وأخذا يهربان حتى اعترضهما جدول ماء بارد ! 
رأى أحمر قائد النمل يبتسم ساخرا وهو يحاول أن يصلح قرن استشعاره المكسور وأرسل منه إشارة إلى نون تقول : لا فائدة الماء البارد أمامكم ونحن خلفكم استسلمي !
قال أحمر للنون : كوني نحلة وحلقي بجناحيك . وركض أحمر نحو الماء فرمى نفسه فيه , طارت نون تنظر إليه وهو يغرق , نظرت نون إلى النمل الواقف في حافة الجدول وهم ينظرون إليها ببلاهة وبسرعة رمت نفسها وراء أحمر . 
في الماء عانق أحمر نحلته العناق الأخير ورغم أن التيار قوي إلا أنه لم يستطع فكهما عن بعضهما , وعند قبرهما نمت زهرة الشمس تتفتح في الليل وتذبل في النهار !
في الأرض مات قائد النمل وشوكة نحلة تخترق صدره

تعليقات الفيسبوك

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

رواية “بارادايس” ثيمة الرعب والموت

في مساء بارد من شهر أكتوبر، قررت أن أقرأ رواية بارادايس، وفي دمي بقايا إدمان على الإنترنت …