6899d320729111e19e4a12313813ffc0_7

بقلم : رجب السيد

كما أن للنبوءة دلائل ، فإن للروائيين دلائل ، منها مثلاً: أن يبكيك ويفرحك في آن ، يطوّحك بين انفعالات تحتشد في جمجمتك كأنك واهنٌ مخبول أوقع نفسه في صراع مع وحش جَسورْ ولا سبيل للهروب لأن المحتشدين يدفعونك نحو دائرة الصراع كلما حاولت الهروب ، ومنها أن الرواية ستطاردك في منامك كما حدث مع أحدهم أن رأى فيودور كارامازوف في منامه ونشب بينهما صراع .. إن تلك بعضٌ من دلائل الروائي المنتمي إلى مدينة الأدباء المصطفين.

هل حدث لك أن استوقفك شيخٌ عجوز ينبّهك قائلاً:

– يا ولدي ، انتبه .. لقد سقطت منك محفظتك. فتعود خطوتين للخلف لانتشال ما سقط منك فتشكره. هذا الشيخ هو عبده خال. في رواية لوعة الغاوية: رواية غير هادئة ، حالة طارئة تحتاج لجهد وعناء ، حالة إنسانية محيَّرة ، ستجهدك.

يُحكى أن رجلاً ذهب إلى عرض مسرحي ، فكان وصوله للمسرح بعد امتلاء كل المقاعد عدا مقعده ، فكان جلوسه وقت ابتداء الكلمة الأولى من المشهد الأول في الفصل الأول ، وظلَّ صاحبنا في لوعة من حيرته إن كان فاته شيء منها أم لا؟ .. وهكذا يفتتح الكاتب روايته ، بعبارة: دلف للحيّ غريباً. ذلك الغريب اسمه: مبخوت ، جاء هارباً من قرية من قرى جازان الجنوبية اسمها قرية الغاوية الواقعة في الحدود الفاصلة بين اليمن والسعودية ، وعاش هارباً في جدة في الحيّ المقابل لقصر الملك سعود ، ثم تم طرده من جدة وعاد إلى قريتهم يبحث عن حبه الوحيد ، وبين هذا وذاك تتضارب الأحداث وتتناثر القضايا.

لتوضيح المذهب السردي للكاتب ، سوف أستعين بعبارة له من روايته : الحكايات توصل بعضها بعضاً ، وتبدو كسُحُب ممزقة ، إلا أن فضاءً ما يجمعها يحوّلها إلى سائل واحد وينزلها حدثاً جديداً.

في هذه العبارة تتجلى حجة الكاتب التي سمحت له بالمزج بين شكلين من السرد ، والمزج أيضاً بين عدة أساليب ، فالسرد جاء زوجياً في لوعة الغاوية ، أحدهما راوي عليم والآخر مخطوطة حديثة الولادة.

في مهنة نجارة الأثاث الخشبي هناك عملية تسمى النقر واللسان ، وهي عملية يتم فيها ربط القائم بالعارض وتجدها في الكراسي والأسِرة ، وتهدف تلك الصنعة للحفاظ على بقاء قطعة الأثاث ثابتة قائمة بقوة لتتحمل الأثقال ، ويمكن لأي إنسان أن يتعلم تلك الصنعة ولكن ليس للجميع إتقانها ، فيمكن لأي شخص أن يقوم بشذب اللسان ونقر القطعة الأخرى ثم يجمعهما معاً ، ولكن هناك دقائق فنية ، من أهمها : أن تصبح القطعتين كأنهما قطعة واحدة ، فلا تظهر عيوب جمالية بين النقر واللسان ، وإن أمسكت قلمًا وخططت به عابراً الحد الفاصل بين القطعتين فلن يتعرقل سن القلم وذلك دليل أن الصانع ذو موهبة وخبرة.

عملية العاشق والمعشوق تجدها في الفن الروائي ، تتجلى حين الربط بين أسلوبين أو ثلاثة ، كما في رواية لوعة الغاوية استطاع الكاتب أن يمزج بين الأساليب : الدرامي ، السينمائي ، الغنائي بحرفة لا بد أنها تطلبت منه جهداً عظيماً .. ولذلك لا تؤخذ عليه المصادفات المبالغ فيها التي استخدمها كأداة للربط بين أحداث الرواية. إن تلك المصادفات أطلقت عليها اصطلاح : الجسور السردية. ومتانة تلك الجسور يعود سببها إلى مهارته في إخراج قطعة أثاث متينة ذات أصول عديدة ، ثم قيامه بتحويلهم إلى شيء واحد.

في أي رواية توجد ثلاثة أنواع من الشخصيات: رئيسية ، محورية ، ثانوية .. الشخصية الرئيسية غيابها يعني غياب الرواية.  والشخصية المحورية غيابها لا يؤدي إلى غياب الرواية وإنما غيابها يُحدثَ أمراً من إثنين في حبكة الرواية: إما فساد الحبكة ، أو أن يحدث تغيير في مسار الحبكة وليس بالضرورة أن يكون جيد أو رديء.  والشخصية الثانوية غيابها لا يحدث أي تغيير في الرواية ، ولكن وجود الشخصية الثانوية يساعد الكاتب على أن تكون الصورة دقيقة الوضوح بخصوص القضية التي طرحها.

في هذه الرواية أريد لفت النظر إلى أمرين وهما : افتتاحية الرواية ، والشخصيات الثانوية طفيفة الظهور وخصوصاً أنها تشكل دور المفاصل القوية في بناء جسر سردي متين.

المشهد الأول من افتتاحية الرواية .. تلك الصورة التي من خلالها استطاع تأهيل القارئ للأحداث القادمة والماضية وهنا سر الربط بين شكلين من السرد ، إن المشهد الأول من الرواية كأنه لا ينتمي لحسابات الزمن ، فلا هو ماضي ولا هو حاضر ولا هو مستقبل ..

دلف للحيّ غريباً يبحث عن سكن له ، ثم تتفتح شيئاً فشيئاً بوابات عالم لوعة الغاوية. ومن الافتتاحية تتعرف على إحدى الشخصيات الثانوية “جبرانة” ، المرأة الباحثة عن رجل يأوي إليها ، ولكن كل رجال الحيّ يتهربون منها بسبب فكها السفلي الأعوج ، ذلك الاعوجاج الذي أدى إلى انكماش عينيها ، إن هذه الشخصية جبرانة مادة منفصلة لصناعة روايات من خلالها ، برغم أنها لم تظهر إلا في عشرة سطور ، تفتقد جبرانة للحب ، تعيش في جحيم الوحدة .. ستفهم من مأساتها أن غياب الحب هو ما ينفي عن الإنسان صفة الإنسانية. إن جبرانة كادت المكائد لمبخوت لأنه رفضها ، فأصبحت كصحراء تأوي العقارب لأنها خسرت قيمة ما تعيش له.

وكذلك أزمة غياب المحاكمة العادلة .. لما فشلت جبرانة في اصطياد مبخوت ، نشرتْ عنه أنه يضاجع الصبايا ولا بد من إبعاد البنات عنه ، واستدلت على ذلك بحبه للأطفال ومداومته على شراء الهدايا لهنَّ ، فلاقت الإشاعة الكاذبة قبول نسوة الحيّ دون التفتيش عن دليل صدق الدعوى ، وشاركهم في ذلك كل من يفتقد الحب ، وبعد أن كان الحكم عليه بالقتل صار حكماً بالطرد. حتى أن زوجته مؤنسة وهي من الشخصيات الثانوية قد صدّقت ما قيل عنه وهي زوجته! .. ويظل الحال مؤسفاً ولا وجود للعدالة. وخلال أزمة غياب العدالة يعرض لنا الكاتب مسألة استغلال الدين لتمرير المصالح الشخصية ، حتى في أبسط قضايا حياتنا اليومية وبعيداً عن ألاعيب السياسة الكبرى ، فمثلا تجد الشيخ جابر الأعمى الساكن في الحي وهو يؤجج مشاعر الناس ضد مبخوت ، إن شخصية الشيخ جابر حالة عجيبة يجب وضعها تحت مختبر تحليلي ، ذلك  الرجل كأنه قنبلة كراهية متحركة ، فَقَدَ بصره شيئاً فشيئاً ، وكان كلما غاب عنه النور غاب عنه الحب وحلَّت محله الكراهية والبغض ، حاول بطرق شتى أن ينال شهرة واحترامًا بكراماته الدينية ، ولكنه لم يحاول أبداً أن يحب نفسه فيحب الناس.

وأثناء احتشاد أهل الحيّ لطرد مبخوت من منطقتهم لأنه نجس كما قيل عنه ، أثناء ذلك كانت هناك طفلة اسمها فتون تلعب في الشارع مع الصبايا من مثل عمرها ، وتلك الفتاة لم تعرف غير التربية بالترهيب والتخويف ، وكما هو حال الفقراء لا يملكون غير الشرف للتجارة به ، لم تكن فتون تعرف عن عالم الكبار إلا غشاء البكارة ، وبينما هي منهمكة في اللعب وبينما الناسُ هناك يطردون مبخوت ، سالت منها دماءٌ كثيرة أفزعتها فبكت ، وهرولت إلى بيت مبخوت لأنه الوحيد الذي كان عطوفاً عليها لتشتكي إليه مصيبتها ويجد لها حلاً ، كانت تظن أنها فقدت بكارتها. مسكينة فتون ، تلك المسكينة وقعت ضحية الجهل بعد أن ظنت أمها أن مبخوت وطئها وفضَّ غشاءها ، فكان مصيرها أن تتزوج وهي ابنة 11 عام من الرجل الأعمى الذي هو في مثل عمر جدها. عجيبٌ أنهم طردوا مبخوت لأنه يضاجع الصبايا ، ولكن لا مانع من أن تتزوج ابنتهم الطفلة برجل في مثل عمر جدها!

يعيش مبخوت منبوذ في الأرض ، يتحمل من الناس كلامهم المحمل بالضغائن لأن خبر طرده من جدة وصل إلى قريتهم .. وتعيش فتون بقوة أنوثتها ، لأنها تحولت في أعين الناس إلى غاوية ، هؤلاء الناس الذين يحبون الغاوية طالما لم تكن فرداً من عائلتهم! وخلال أحداث كثيرة استطاع الكاتب بتناوله الهادئ أن يلفت النظر لمسائل سياسية ، بل ويتنبأ ببعض الأحداث الجسيمة التي عاشها أهل قرى جازان المقيمين في الحدود الفاصلة بين اليمن والسعودية. يدقق الكاتب ويوظف إمكانياته العبقرية لرسم صورة بديعة عن حال أهل القرى الحدودية قبل وبعد أزمة الحوثيين والوهابيين وغيرهم من نعَّاق السلطة والمال. ثم أنه كيف استطاع رسم خريطته بالكلمات فتجذب القارئ فيظن أنه قد زار تلك الأماكن الأصيلة سابقاً!

لقد أتقن الكاتب حديثه عن الإنسان .. إنها رواية للأصالة ، للإنسانية.

إن هذه بعضٌ من النقاط الخافتة التي أردتُ أن ألفت النظر إليها ، ولن أخوض في تفاصيل أحداث الرواية حفاظاً على دهشة القراءة الأولى .. وبمناسبة الدهشة فإن الكاتب لديه حصيلة مفردات لغوية بل فصوص لغوية بديعة البلاغة ، ستدهشك لغته ، وأسلوبه له جاذبية بسببها ستشعر كأنك حين قرأتها واحداً من أهل الرواية.

وختاماً أقول : الأعمال الأدبية القائمة على مأساة إنسانية ، لا يستدل على جودتها بدموع القارئ ولا بتعاطفه مع الشخصيات ، وإنما يستدل على قوتها بعد انسلاخ القارئ عن حالة الحزن والتعاطف. إذ ينسلخ القارئ عن عاطفته يكون الحكم الحقيقي على العمل الأدبي بشكل تجريدي ، وتلك من أصعب التحديات التي تواجه أصحاب المذاهب الإنسانية في الرواية ومنهم عبده خال.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

الضبع والقاضي

    بسرعةٍ، أعدَّتْ انشراح كوب القهوة الصباحي لحضرة المستشار الذي تعمل في بيته خادمةً مخلص…