441

      “يجدر بي استئذان القرّاء، سائقاً اعتذاري مقدماً، لأكتفي ببضعة نقوش خفيفة، وإن تكن مُعلِمة بالضرورة على هامش المجموعة إجمالاً، كضرب من الاحتفاء بها”

كمال الجزولي … من مقدّمة مجموعة العودة

      أنا إذ أبتدر كِتابتي عن مجموعة “العودة” للكاتبة الجنوسودانية استيلا قايتانو؛ لم أجد سوى الكلمات أعلاه، للأستاذ/ كمال الجزولي، التي قدّم بها للمجموعة، بقطعة نثرية وافية، تضاهي جمال المجموعة القصصية نفسها. صدرت مجموعة “العودة” عن دار رفيقي بجنوب السودان، في العام 2014، في طبعة أنيقة، وفخمة، بلغت صفحاتها 77 صفحة من القطع المتوسط. واحتوت على ثمانية قصص قصيرة، جاءت كالآتي حسب ترتيبها داخل المجموعة: (عَبق مِهَن، أمي … أنا خائفة، نصف… جثة كاملة، أقْتُل نفسي … وأحتفي، بحيرة بحجم ثمرة الباباي، العودة، الهروب من الرّاتب، كوستي). قامت بتصميم غلاف الكِتاب والرسومات الداخلية/ ايمان شقاق. أنا هنا بالطبع لست ناقداً سيغوص في دهاليز النصوص عميقاً، وينظر إلى دلالات الألفاظ داخلها والتقنيات السردية المستخدمة، أو أحلل التكوين النفسي لأبطال هذه الحكايات، فهذا أمر قد لا يتوفّر لي الآن لِما يتطلّبه من تكوين معرفي وأكاديمي كبير بفنون النقد والكتابة. فما سأقوم به هنا هو محضُ طواف لقارئ، وقراءة جمالية لاستكشاف مواطن الدهشة، وتذوّق شخصي للنصوص التي ضمّتها هذه المجموعة.

      لعل العُنوان كعتبة أولى للتعرف على أي نص، يُمثّل منصّة جيدة للانطلاق إلى داخله، مع إعطاء إشارة ما للمحتوى الداخلي، وهو ما أجده موفقاً، وناجحاً، فيما يخص اختيار استيلا “للعودة” كعنوان لمجموعتها، وهو بالطبع عنوان احد النصوص الداخلية. أضف إلى أنّ التصميم الخارجي للغلاف؛ مُتمثلاً في رسم به شجرة جذورها عبارة عن أقدام أدمية، كل قدم تُشير إلى اتجاه مُختلف، رغم أن الجسد – الجزع –  واحد، وكأنّ المصمم أراد بذلك الإشارة إلى المحتوى الداخلي للنصوص، التي تدور كلها في محور انفصال جنوب البلاد عن شمالها، أو ما سُمي عُرفاً “بأدب ما بعد الحرب”. أما نصوص المجموعة؛ فقد تفاوتت في القِصر والطول، من حيث عدد الكلمات. مع ملاحظة وجود رسومات داخلية قبل أيّ نص ما عدا النص الاخير “كوستي”.

      بالدخول إلى بهو المجموعة، من بوابة النص الأوّل “عبق مهن”، والذي يحكي قصة حافلة تُقِل رُكاباً من مختلف المهن، تتحرك بهم يومياً من السوق صوب مساكِنهم، وتدور داخلها حكايات، حيث أنّ لكل راكب منهم حكايته التي تميّزه عن غيره، وعبقُ مهنته التي يقتاتْ منها. ويحدثْ أنْ تسقط هذه الحافلة من فوق الجسر إلى داخل النهر، بعد توقف قلب السائق في نفس اليوم الذي توفى فيه الزعيم. رمزية الحافلة هنا أبعد من كونها هيكل حديدي به أربعة إطارات، بل يتجاوز الأمر إلى فتح عوالم أخرى لقراءة النص، فقد تكون هذه الحافلة هي رمزية للزعيم نفسه، الذي يحمل بداخله هموم هؤلاء الحالمين، أو تكون هي الوطن،  أو الحياة، أو الاحلام، فالنص مفتوح على كل الدلالات. أما النص التالي “أمي … أنا خائفة” فيحكي عن زوجة تذهبْ إلى البنك؛ لصرف حقوق زوجها المتوفي في الحرب، ويحدث أن يراقبها أحدهم، ويهجم عليها ليلاً، ويأخذ المال، لينتهي بها الامر إلى حُلمها بأن تمتلك مالاً، ليس لتُعيل أسرتها، ولكن لتمتلك بندقية، تستطيع أن تدافع بها عن نفسها. الأمر الذي يكشف لنا بجلاء حالة الخوف التي داهمت البلاد بعد الحرب والفوضى التي تعيشها تلك المناطق المُتأثرة، مما يُحيلنا إلى إسقاط اشياء اخرى قياساً على هذه القصة، فقد تُفقد الروح، أو المأوى، أو الوطن نفسه، إذا لم يوجد من يدافع  عنه. وعن نص “نِصف جثة … كاملة”؛ فهو نَص استلهمت فيه استيلا قصة من التراث العربي القديم، تحكي عن امراءتين اختصمتا في ملكية طفل لقاضي، فأمر بقطعه إلى نصفين، ليعرف من هي امّه الحقيقية. لتستخدم نفس القصة ولكن بتقنية ارفع واجمل، حيث كان المختصمان هنا ولدين، والمختصم فيها هي الأم، بعد أن خلصَ الامر إلى قطعها لنصفين، ولكن بالطول، في إشارة واضحة لفكرة الانفصال. فكان أن حصل كل واحد على نصف جثة كاملة، ولكن نصف به قلب، ونصب به كَبِد. لتصيغ لنا استيلا مفهوم التكامل والوحدة، بصورة ذكية، حيث لا يوجد جسد بلا قلب، ولا توجد حياة بلا كَبِد.

      “النسور تحوم في السماء، كأنها سرب من الشوارب الطائرة. السماء بعيدة، بعيدة زرقاء مشمسة، وحارقة. وأنا مخنوق بعبرات لا تزرف، وممتلئ برعب يحلق في الفراغ، ولكن قلبي لا يخفق … ربما مت، أو أتظاهر بالموت”، هذا مجتزأ من قصة “اقتل نفسي … واحتفي”، والتي تعالج قضية الإبادة الجماعية، وعالم اطلاق النار العشوائي، والطائرات الضخمة، والموت المجاني، الذى لا يعرف صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو انثى، مواطناً أو لاجئاً. وعن “بحيرة بحجم ثمرة الباباي”، هي قصة تحكي عن فتاة تلازم جدتها حتى موتها، في قالب فنتازي مدهش، حيث ارتبطت هذه الفتاة بجدتها ارتباطا عميقاً، للحد الذي جعلها حتى بعد أن تقدمت في عمرها ترضع من ثدييها، اللذين يشبهان ثمرة الباباي. مع استصحاب عوالم السحر، والأسطورة الشعبية، في تعلّق الفتاة بالنسور حتى بعد وفاة جدتها؛ لأنّ جدتها اخبرتها ذات يوم بأنّها لو اتيح لها التحوّل إلى كائن آخر لاختارت أن تكون نسراً. ولعل الحكاية هذه تُحيلنا إلى أبعاد أخرى مدهشة، من حيث استخدام رمزية الجَدّة، بوصفها ركيزة أساسية في أيّ مجتمع، فهي دائما مدعاة للحكمة والصبر والأمل.

       بعد القصص الخمس السابقة تفاجأنا “العودة”؛ وهي القصة التي تمثل عنوان هذه المجموعة. تدور احداثها داخل اراضي الوطن الجديد، بما يوضح حالة اليأس، والعطالة التي تمتلك الشباب العائدين بعد تحقيق الاستقلال، ومن ثم التفكير في العودة إلى الوطن القديم في هجرة عكسية، ثم إلى الحنين للوطن الجديد، والعودة النهائية. وتكشف هذه القصة بجلاء حالة التنازع والتشظيّ التي يعيشها هؤلاء الشباب بين وطن جديد يفتقر لأبسط  أساليب الحياة، ووطن قديم لم يعد لهم فيه موطئ قدم، ويعاملون فيه معاملة الغرباء. أما “الهروب من الراتب”، فهي قصة يمكن إسقاطها حتى على مجتمع الشمال، أو أيّ مجتمع آخر، ففلسفة الواسطة، والمؤسسات التي تُدار بواسطة الافراد شيء يتكرر في كل المجتمعات، فهو خطاء يُرتكب بمهنية وحِرفية عالية. حيث تحكي القصة عن شاب عائد من إحدى الدول التي تلقّى فيها تعليماً متقدماً، ليتفاجأ بأنه تم توظيفه حتى قبل أن يصل، وأن مرتبه يأتي إليه وهو لا يعرف شيئاً عن عمله، فيكفي أنه واحد من أقرباء صاحب المؤسسة. وتحت غطاء أنهم مناضلون، وأصحاب الثورة الحقيقية، يرتكبون مثل هذه الأشياء، وهكذا تكون حياة ما بعد الثورة مليئة بالفساد والمحسوبية. وعن آخر القصص، المسماة “كوستي”، فلعلها تكون أبلغ ختام لهذه المجموعة، لأن عوالمها تدور في مدينة كوستي، وهي نقطة حدودية، كانت بها معسكرات انتظار للعائدين صوبْ وطنهم الجديد، تستعرض فيها استيلا احوالهم من خلال اسرة صغيرة، وتعكس فيها قلقهم وفقرهم وهواجسهم، إلى أن يستقر بهم المقام في الوطن الجديد. حيث تقول في جزء منها: “كوستي مدينة في الذاكرة. واقفة كالهم، وطاعنة كالسهم، وشاهدة في صمت … على كل شيء”

إجمالاً، أقول أني استمتعت جداً بهذه العوالم؛ التي تباينت بين واقعية سحرية جميلة، وعوالم فنتازية مدهشة. فاستيلا تمتلك لغة تعبيرية راقية، وغير معقّدة، وروح سردية مَرحة، وعبارات رشيقة وسلسة وغير متكلّفة. أستطيع الآن أنْ أقول أني فهمتُ تماماً مألات حالة الانقسام التي حدثت، وإنْ كنّا نختلف في تسميتها، ففي الشمال نقول أنها انفصال، وفي الجنوب يقولون أنها استقلال، تلك المألات التي تراوحت بين السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 


*وهو نحت لغوي يقصد به الدمج بين السودان الشمالي، والسودان الجنوبي بعد وقوع الانفصال في العام 2010

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

هيّا نشترِ شاعراً

( عليّ أن أقطع أميالاً قبل أن أنام). ( علينا ألا نترك الشعراء في الحدائق). (1) سِحر الرواي…