22752167_1535388836499694_439824835_n

تحاول تفكيك مركزية كتابية وتناولية للرواية لتكتب عن فكرة غير موافقة على شروط كثيرة اجتماعياً وثقافياً..

الكتابة هي الراجحة والقائدة،فيها فعل الجمال كله،رؤية وصوت،فاعلية وتحريضية،كلٌ يكتب وفق ما يعشق ويريد..

الحرية في أن تكتب (إشارة)،وأن تدافع عنها بوعي،من خلال فعل كتابي سردي يقرأ تعقيدات،ويُقرأ بها ليكون الوعي (رواية)..

في تجربتها الروائية قالت،بالضرورة أن يكون (الوعي) رواية،الوعي بمنطلقات ضد الخوف،المحاصرة،الهزيمة، وضد كل فعل يجعل إنسانية المجتمع ثامن المستحيلات..

شرط (الوعي) لروايتها الذي حدثت به نفسها،ووضعته منهجاً ومنهاجاً لفعلها التحريضي الجمالي الذي يصنع التحالف بصفة حُسن واحد ليكوِّن جبهة واحد الحُسن وواحدة الحُسن،وفي ذلك إشارة حقيقية لتفاعلها الكتابي بكامله مُشكلاً جبهة إنسانية فيها الأنثى وفيها الرجل،والوعي بذلك نحوها هو منطلق قراءتنا لها..

أنا ضد تصنيفها كصوت يرفض محاصرة الأنثى،ذاك ارتكز فيه على صياغتها لرواياتها على نسق رفض الضعف ورفض الظلم،وكلاهما لن يكونا محاصرِين للأنثى فقط،وإن كان ذلك ظاهرياً،لكنه في تحديداته إنما يشكل الصرخة الحقيقية (ولماذا المحاصرة للأنثى)،المجتمع الذي يرى محاصرة تصنع الخوف والضعف للأنثى هو في حد ذاته مجتمع يعاني الضعف،والخوف،وهي تقول ذلك في كل رواياتها،إذن هي الصوت الذي يرفض ضعفنا كلنا،كصوت مجيد للأنثى وهي عندئذ ترفض (خيانتئذ) هنا وهناك..

هي تعمل في نسق (الرواية الشعبية)،وتلك محاولة جادة لتجاوز المعيار النموذجي السائد والذي تمت صياغته على مدى الزمن..

وكيف ذلك..؟

صاغت جنسًا روائيًا وقامت بتشكيله داخل تجربة تحاصرها وتتحدث عنها كإشارات أيديولوجية اجتماعية مُعقَّدة،ومتصارَعٌ عليها،وفي ذلك ترسم العلاقات بين واقع وحلم،بين ثقافات محاصِرة وأيديولوجيات كفضاء مفصلي،تعمل فيه وعليه..

سردياتها تلك،اجتماعية مناضلة أو هي ضد الهيمنة،ورؤيتها أنه بجانب اللغة،الشخصيات كعناصر أساسية في الرواية،بالضرورة هناك إشارة لابد منها وهي (وجهات النظر) التي فيها صراعات الهيمنة وحواراتها،وتفاصيلها لتخرج لنا رواياتها كقراءة لحوار وصراع بين طبقات وخطابات وأيديولوجيات..

فلسفتها في (الرواية الشعبية)قد ينظر لها كتيار لما يُسمى بالمُتخيل الشعبي،لكنها تيار للمعرفة التي ينطلق منها المُتخيل الشعبي،وقد تكون في معركة حقيقية لتيار يكتب الرواية على نسق تأريخي مناسب لفكرته وتوجهه،لكنها تملك كل الشرعية للكتابة حول مفاهيمية وصراعات..

هي تحاول إعادة الاعتبار للرواية الشعبية،ترفض سيطرة التهميش عليها،أو الإقصاء أو الإبعاد،برؤيتها هي تناقش وضعًا ثقافيًا اجتماعيًا تريد من المجتمع كله تشكيل خطاب قرائي ونقدي لها،ولعل ذلك ينتج مشروعاً للنهضة بتفاعلاتها في (الرواية الشعبية)..

هنا أقول إن (الرواية الشعبية)،ومفاهيمها عند الروائية سارة حمزة الجاك ليست في إطار الحكائيات والخرافات،وبذلك لن يكون تيار النقد الحداثي في محاصرة لها،إلا أن يضع مفاهيمية نقده على أفق تطويري بنائي ومعرفي بأنها هنا كرواية شعبية ربطها واقعي واجتماعي مع كل الطبقات (بيئة وشخصية وزمن)،لا تخاف من الجدلية ولا تكتب إلا عن معرفة ورؤية خيالية تعمل عليها..

في مشروعها الروائي تحاول تفكيك مركزية كتابية وتناولية للرواية لتكتب عن فكرة غير موافقة على شروط كثيرة اجتماعياً وثقافياً،بتمثيل متنوع لأحوال مجتمعنا،ونقلت فكرة الرواية إلى خطاب رمزي يتلمس التعقيدات المركبة قبلياً،مذهبياً،عرقياً وثقافياً..

وفي ذلك مارستْ الفعل المؤدي إلى إقصاء الوظيفة التقليدية للرواية كونها حكاية مُتخيلة،إلى مناظرات لعوالم واقعية بتمثيل سردي كاشفاً كل الاتجاهات..

قدمتْ في مشروعها الروائي فكرة انتقالية من اللغة المعيارية إلى لغة التداول الأدبي بطرق سردية جديدة وجديرة بالاحتفاء بها،لغتها تخاصم الكتابة الإنشائية والثرثرة اللغوية،في فكرتها تلك يتجلى العمق النفسي للشخصيات وهو ما يشكل عموداً فقرياً لمشروعها القائم بحثاً عن محددات ومهددات نفسية محاصرة أو محبطة لنا..

في رواياتها،ليس لها تظاهرات تجريب ضعيفة،تجعل من الشخصية (ضمير)،لكنها تجعل لها (هُوية)،هُوية ضعف أو قوة،بتعقيدات نفسية وفكرية لتصنع مسارات تواصلية مع قراء سيقومون بعملية تنشيط تأويلي خص بهم وهو الذي سينقل الشخصية من فضاء افتراضي إلى فضاء حقيقي،وعلى ذلك فهي دافعة للفاعلية التأويلية للقراء فوظيفة الرواية عندها تفاعل الهُويات..

في رواياتها نقطة سردية تنطلق منها عناصر السرد كلها،وهي ليست نقطة جامدة يبنيها السرد بتدرج متتابع كما في الرواية التقليدية،بل هي نقطة تشكل أحداثاً متلازمة لا مكان لضعف في المفاصل الرابطة بينها،بلفة فاعلة وكافية مركزة على حدثٍ وفعل،موقف وفكرة..

الاستقراء في نصوصها السردية يقرأ في حضور مكوِن ماثل،وهو رؤية أنثوية للعالم،ولذات المرأة بنصوص تزعزع معتقدات هازمة للمرأة،وتحاول هزيمة عالم كامل من المحاصرة لها،وتقترح حريات مختلفة للمرأة مُجملها ضد الخوف،تجربة تقود إلى تحديد خصائص نوعية بلا إنشائية مفرطة،وتصبح (الأنا)واعية بتوصيف وتشريح واستنطاق وتأويل،ويحاول ذلك هزيمة الإخفاق في تمثيل التطلعات الكبرى في تنويرية الأدب القادرة على إثارة الأسئلة،وتلك الأسئلة تجادل مفاهيمية نفسية واجتماعية تعادل التحولات التي تتحدث عن نظرية قهر وموتها في مباحث كتابتها التي تتجاوز حدود (رواية تقليدية مُعتمدَة)،إلى مفهوم (العالم في نص روائي)..

هي تكتب في (وطن) لم يعرف الاستقرار الروحي والثقافي،باجتماع الحريات والكتابة،فهل تكون الرواية هنا هامشا ًمثابراً في مجتمع يخطئ في طريق الحريات،هل تستطيع فعل الاستثناء التنويري كروائية ..؟

بقراءة لنسقها في كتابة (الرواية الشعبية) تستطيع ذلك لأنها تكتب لمجتمع قريباً من التجانس الثقافي المتكامل،ربما تصنع الدولة الثقافية الموحدة لتصبح الرواية فيها ظاهرة اجتماعية بلا تسرع إلى إطلاق مقولات الرواية جنس أدبي ديمقراطي ،أو الرواية جنس أدبي تنويري وصياغة تصنيفات تقود إلى أحكام متسرعة بالكامل..

لو رجعنا إلى تصنيفي لها كروائية تعمل على إنتاج (الرواية الشعبية) فسنعلم بالقراءة لها أن الديمقراطية ماثلة في سردية كتابية لعلاقة بينها وبين قارئ بعيدا ًعن رؤية السيطرة والامتثال،وإنما فعل كتابي يرفض اليقين بإنصياعية مجتمع للقهر الحقيقي وتنويرية مفترضة بمنظور العالم الذي يقول بالمتعدد وضرورات التأويل..

في مجتمعنا هنالك هزات اجتماعية،فعل تآكلي في جغرافيا الروح والأرض والانتماء،فهل استطاعت هي عبر مشروعها الكتابي مواجهة قضية اجتماعية ليست لها نهاية محتملة..

نعم،استطاعت،فالرواية عندها تبدأ بمساءلة التأريخ الفعلي للقهر،تقوم بتأمله وتأويله،ومن ثم ترفضه اعتمادًا على وحدة معرفة تسأل من أين يأتي القهر،ولماذا لا نستطيع مساءلة تآكل جغرافيتنا أرضاً وروحاً وانتماءً..

في مجمل مشروعها،ترفض الموضوعات الآمنة،التي يقولوها الناس والإعلام لرؤيتها أن الرواية تحتوي فكراً وقضية،وإلا كانت مجرد (أمثولة) بلغة أدبية توصيفية لحركة واقع لا فعل استجوابي تأملي فيه..

في قراءتي لمشروعها الكتابي،لمحتُ تمثيل الجسد والمدينة،والأطراف في رواية،ثم رفض أن تكون الأنثى شظايا،شظايا،ثم وعي الكتابة وكتابة الوعي،أو شخصيات عالقة على حدود القهر والخوف كأنها تكتب ذات المجتمع من سيرته الذاتية إلى تخييل ذاتي يرتبط بها وحدها..

نحن في عصر يحاصرنا، نبحث عن بديل أكثر جدارة من الأسطورة يساهم في تقوية قوى مركزية في داخلنا،ويمارس الفعل الإيجابي للبناء النفسي والوجداني لها،فهل تكون الرواية هي البديل..؟

من منطلق تساؤلنا الكلي هذا،نحاول هزيمة خوف وضعف..

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

رواندا: الحلمٌ تحقق .. فالنحذوا حذوه

القيمة الكتابية الجميلة التي ينثرها الصحافي موسى حامد عن رحلته لدولة رواندا، ظني أنها مشرو…