دهب

      في روايتين طويلتين غريبتين – حال كل رواياته – يعمل الكاتب الياباني هاروكي موراكامي على علاج مشكلة التشابك الناتج عن فعل الكتابة الابداعية داخل النفس البشرية، وما ينجم عن ذلك من شعور بالغربة/ الرتابة/ المثالية/ الجنون، أو في أفضل الأحيان التماهي مع العوالم المجهولة التي يعمل القلم على ترويضها، ففي رواية ( Q841 ) يفشل  المحرر اللغوي النابه (تنغو) في كتابة أي نص عبقري يستطيع به نيل الجائزة الأدبية المخصصة للكتاب الجدد، بينما تستطيع فتاه غريبة الأطوار تدعى (فوكا إري) من محاولة واحدة فقط كتابة قصة عبقرية دهشت تنغو من أول مطالعة – فأسرته  تلك التفاصيل المدهشة في  القصة لدرجة أنه رضي بأن يكون جندي مجهول مسخر كلياً لترميم  البناء السردي المتهالك لنصها – ، (تنغو) المحرر ومدرس الرياضيات ضخم الجثة – الذي ظل يعمل جاهداً لبناء مجد أدبي – يعمل خياله المتنبه لكل همزة ولمزة من همزات ولمزات الإبداع الكتابي يومياً في فضاء السرد، دون أن يقبض شيئاً، وتكون النتيجة دائماً “فشل في كتابة نص جدير بالعبقرية”، بالمقابل لم تكلف الفتاة الصغيرة الناجية من كمونة الطائفة الدينية المعزولة (فوكا إري) نفسها شيئاً سوى تملية زميلتها في السكن  تفاصيل قصتها المدهشة التي سمتها بـ(الشرنقة الهوائية) – غير عابئة بأي من تقنيات السرد الإبداعي، وحيل الحبكة الدرامية – لتكسب الرهان وتفوز بالجائزة الحلم. أو بتعبير موراكاميّ: “وجدت الفتاة حجر مدخل الكتابة من أول محاولة” ليبقى التساؤل: تُرى ما المغزى من هذه المفارقة؟ ولكن قبل ذلك دعونا نرى ما حدث ل(سوماير).

      فلأمر مختلف في حالة (سوماير) الفتاة التي تركت دراسة الأدب بالكلية الجامعية من أجل تعلم الأدب ذاته، ولكن على طريقتها، في الرواية الأخرى (سبوتنيك الحبيبة)، تركت سوماير دراسة الأدب وأكتفت بالجلوس في غرفتها وحيدة تنتظر بصمتها الأدبية الخاصة في خضم بحثها عن “الكوخ  المهجور” لقد كانت تؤمن بأن برية روحها تحوي كوخاً خاصاً لأجلها وحدها، كوخ ساحر تخرج منه في الصباح لتحدق في النهر من علو جبل شاهق، وفي المساء تعكف على رتق ثوبها الأدبي، وهي تستمتع بأصوات الدببة البرية تطوف حول مسكنها. لقد كانت تتطلع لبناء اسلوب كتابي خاص يستوعب عوالمها السردية الضائقة بطرق التعليم التقليدي في كلية الآداب. (سوماير) أو سبوتنيك الحبيبة كما تسميها عشيقتها (ميو) لم تجد ذلك الكوخ الصاخب الذي كان يملأها عندما غادرت مقاعد الدراسة، بل بالعكس من ذلك تلاشت أي رغبة للكتابة بعد المغادرة بفترة عصيبة.

      وبالعودة إلى رغبة (تنغو) الجامحة في أن يكتب نصاً مدهشاً، ومقاربتها مع رغبة (سوماير) في بناء أسلوب خاص للكتابة، يمكننا أن نتجاسر بالقول بأن هاروكي موراكامي يريد أن يوصل رسالة عبر هاتين الرغبتين مفادها: بأن الرغبة ليست هي العامل الأقوى في بلوغ الذروة الإبداعية، بل هو يصرح بوضوح: أحياناً تكون الرغبة عديمة الجدوى إذا ما وُجدت الظروف المواتية، وذلك  بدلالة حالة (فوكا إري) فكل ما كانت تفكر به فوكا إري أثناء إملاء نصها الوحيد هو إخراج “الناس الصغار” من شرنقتها الهوائية، أي ليس أكثر من تفريغ رغبتها في السرد. فكل ما تلى ذلك من أحداث جسام لم تفكر (فوكا إري) قط في وقعها على نفسها، وحتى عندما حدثت الضجة الإعلامية التي خلفتها قصتها المدهشة لم تثير أي رغبة بالارتقاء في نفسها اللامبالية، وهنا تبرز ملاحظة صغيرة؛ هي شغف مساعدها (تنغو) – الذي عينه فضوله فقط في هذا المنصب – وحبه لكل ذرة من تلك الزوبعة الصحفية، فيه إشارة بليغة للقنوع عن النصر بالغنيمة فيما يخص هدفه، لقد قرر تنغو أن يعيش تلك اللحظات ولو بفرصة غير أصيلة.

     رغبة (سوماير) في صناعة مجد أدبي خاص بها كانت أصيلة مع جموحها وأستبدادها، فقد كانت سوماير تعمل بجد من أجل ذلك، مسخرة لنصل قلمها كل خاطرة عابرة في حياتها – التي أصبحت محصورة بين طيات الكتب -، وبذلك سبحت في عوالم الكتابة الإبداعية لدرجة أنها صارت تعيش على حسب تصورات كتابها العبثيين، ومن خلال عملها الجاد ذلك تمنت لو تكون محض شخصية تافهة من شخوص كاتبها المفضل “جاك كيرواك”. وبذلك تنازلت سوماير عن حق التمتع بالإحساس ببهجة الحياة، فكل ما يهمها هو العبث واللامبالاة اللذان ينشدهما كيرواك في رواياته، ومن الطبيعي أن تفقد مكانتها كأنثى في مجتمع لازال متشدداً في التصنيف، ولكن رغم ذلك لم تستطع (سوماير) المسكينة من الفوز بالرهان، وإنما تورطت أكثر.

      (تنغو) كان عملياً أيضاً فيما يخص السعي وراء هدفه التاريخي، وذلك عبر إعداد نفسه جيداً من تعلم للتقنيات اللازمة لبناء نص أدبي جيد، ومواكبة الكتابات الحديثة ورصد اساليبها مستفيداً من عمله في فرز مشاركات جائزة الكتاب الجدد، عطفاً على علاقته الجيدة بأحد أساطين الأدب في البلاد – الناقد الفظ كوماتسو -، رغم ذلك لم يستطع الوصول، كل يوم يصبح  الأمر أكثر تعقيداً؛ ياللحسرة! ولكن لو أخذنا نظرة فوقية فإننا سنجد الأمر مختلف، لم تضع جهود السيد تنغو هدراً فقد أستطاع أن يبني مجداً بالوكالة عندما روض عوالم (فوكا إري) -مشذباً شرنقتها الهوائية – لتحظى بالمركز الأول في المسابقة الوطنية للكتاب الجدد، مثلما لم تضع جهود (سوماير) الحثيثة، فعلى الرغم من أنها فقدت الرغبة في المجد الأدبي إلا أنها عرفت؛ لأول مرة في حياتها؛ رعشة الرغبة الجنسية بإهتزازات لوعة عشق فريد، تلك الرعشة المقدسة الغريبة التي ما كانت لتعرفها لو أنها لم تتبع رغبتها المتمردة وتترك مقاعد الدراسة. حتما ستسوقها دروب الحياة لحقول اللذة الجنسية وميادين الفراش يوما ما، ولكن أن ينقبض قلبها لمجرد ورود أحدهم على خاطرها فذلك من ضمن المستحيلات لفتاة بتعقيدات سوماير.

     في نهاية الأمر قررت (سوماير) السفر إلى العالم الآخر، ليس من أجل الرغبة الأولى التي جعلتها تترك مقاعد الدراسة، وإنما لأجل الاتحاد، والتحرر من عذابات التشظي العاطفي، وتيه الروح، مثلها أنهمك (تنغو)  في مطاردة عوالم “الناس الصغار” التي سرقته حلمه وأذابت رغبته ولو لحين.

     ما يمكن للمرء استخلاصه من التجربتين الروائيتين لهاروكي موراكامي، هو؛ إن الغور النفسي الناتج عن فعل الكتابة لا يمكن ردمه بأماني الرغبة، أو حتى همم الاجتهاد، فالكتابة كفعل غير محسوس لا يمكن ضبطه في مسار المنطق، أو احتوائه بثوب العاطفة، أو حتى ركوب أمواج التعود والمؤانسة، إذاً الكتابة عمل مستقل ومتحرر من كل قيد داخل النفس البشرية، له ظروفه التي يتكيف معها، وبذلك تدور طواحينه الخاصة ذات الرياح المزاجية، فالنفس البشرية كليةً لم ولن تكن يوماً محكومة بقوانين العقل، أو حتى عاصفة العاطفة، فكيف بالفعل الإبداعي داخله؟

     هاروكي موراكامي دائماً ما يغوص عميقاً في تلك البحور ليخرج ما يمكن إخراجه من درر، وهو بذلك يقوم بعمل ذا قيمة لأنه غير معروف في التجربة السردية، ليس كتوجه يهتم بالشؤون الداخلية للنفس، فالأعمال التي تسبح في النفس كثيرة، وإنما كتجربة لدغدغة منابع الإبداع داخل النفس البشرية، ومناقشة أسئلة المبدع وتهويماته النفسية العويصة فيما يخص الإبداع الكتابي على وجه التحديد، إذاً هي تجربة جديرة بالانتباه.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

عبقرية امرؤ القيس الشعرية

الحادي والعشرون من أذار كيوم منذور للشعر أبداً؛ في خليقة ما بعد الحداثة، يمر علينا ولمّا ن…