إبراهيم

إبراهيم جعفر :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

لعل المتأمل في روايات الكاتب العالمي نور الدين فرح ، يدرك على الفور مقدار المساحة العريضة التي أُفسحت لقضية فهم الهوية الصومالية ، مع محاولة إيجاد -بطريقة أو بأخرى- التعريف الأمثل لها .

ولم تشذ (خرائط) كثيرا عن ذلك ، حيث أنها حاولت معالجة الهوية من خلال صبي اسمه “عسكر” ، فقد والديه إبان الحرب الإثيوبية على إقليم أوغادين ، وقامت بتربيته “مصرا” -خادمة إثيوبية- تحت رعاية من عمه “قورح”..

وحين منحت مصرا ، الأم البديلة ، الحنان والعطف لعسكر ، وقامت بتدليله كأنه ولدها ، وكانت له كل شيء -وبمثابة العالم المحيط .. كانت هي في الأصل إثيوبية تتبع لعرق المستعمر ، العدو . بينما ولدها عسكر من جنس المقاومة ، الثورة .

 

ورغم أن مصرا ، كانت أقرب في كل شيء إلى مجتمع أوغادين المحلي ، و الناس يعاملونها كذلك ؛ كصومالية .. إلا أن الأسئلة الخفية التي يطرحها عسكر للقارئ كانت مريبة ، ( هل يمكن أن تعد مصرا صومالية بحكم أنها عاشت منذ طفولتها هنا كخادمة وفية ؟! أم هل هي ليست كذلك باعتبار أنها تعرف اللغة الأمهرية ؟! ) (وهل يمكن اعتباره هو -عسكر- صومالي فقط لأنه كذلك ، بغض الطرف عن أن من رباه ليس بصومالي ، وأنه لا يتحدث بسبب هذا كبقية الصومالين ، بل يُتأتئ كغريب ؟! )

 

هذه الاستفسارات وغيرها ، التي ترد في الرواية عن طريق الصياغ المباشر ، أو عبر الأحلام والرؤى للصبي .. تشعل الصراع بين الأنا والآخر ، بين عسكر وأمه ، بين عسكر والمجتمع ، بين عسكر والعدو . لكن مهارة الراوي -فرح ، ركزت على بعد جديد من الصراع ، وهو المفتاح الذي يقود صدامات الهوية والقومية لبر الأمان ، وهو خلق حوار حقيقي بين الولد عسكر (الأنا) ، والولد عسكر (الآخر) ؛ أي بين عسكر الذي يحب الوطن وذاك الذي يحب مصرا ، وبمعنى أوضح : ( أن الآخر الذي يجب الحوار معه ، وقبوله ، يبدأ أولا من عند الآخر الذي يسكننا )

 

وتنتقل بنا الرواية رويدا رويدا لمفاهيم متناقضة بين الأنا والآخر .. فحين يرحل “عسكر” إلى العاصمة مقديشو بسبب الحرب ، ليعيش في كنف “الخال هلال” وزوجته “صلاتو”.. يجد أن صلاتو هي التي تعمل ، وتقود العربة ، وتذهب إلى السوق لشراء الحاجيات .. بينما هلال هو الذي يطبخ ويكنس ويغسل الأشياء . وهذا التناقض الصادم بالنسبة لولد قادم من الريف .. يؤثر على الصراع الداخلي في نفسيته بينه والآخر.

 

وعندما يتم منح عسكر ورقة تحمل صورته الشخصية وقد كتب عليها صومالي الجنسية والهوية.. تبدأ مرحلة معقدة من معالجة التشظي لعسكر ، يستفسر (هل إذا لم أحصل -أنا عسكر- على هذه الورقة أكون مجرد نازح ؟!) (وهل سأكون -وأنا الآن قد حصلت عليها- مواطن لديه عين الحقوق والواجبات أم أني مجرد لاجئ سيرحل يوما عن مقديشو ليحرر أوغاندين ؟!) (وهل إذا حضرت مصرا وأثبتت أنها صومالية الهوية سيتم منحها هذه الورقة؟ ولما هي لا وأنا نعم؟!)

 

كل هذه الأسئلة وغيرها، يتم تركيزها عندما تتهم “مصرا” بخيانة الوطن لصالح الإثيوبين ، وتتسبب في مقتل ستمائة جندي صومالي .. مما يجعل صراعا مرضيا يحدث بين عسكر الابن وذكرياته الحميمة ، وبين الواقع المؤلم . وتستمر أحداث الرواية في التقلب الدرامي إلى أن يلتقي عسكر مع أمه مصرا ، ويقبلها بالتدريج ، بعد أن يكتشف أنها قد تكون بريئة . وللآسف سرعان ما يجد الثوار الصوماليين مصرا ويقومون بقتلها والتمثيل بجثتها .. فيشعر عسكر بالمرارة .. لكنه في نهاية الرواية يعرف الإجابة على كل الأسئلة ، تاركا لنا نحن القراء ، مواصلة الصراع الذاتي ، ومحاورة الأنا قبل مجادلة الآخر .!

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

شِلِن

1        زنَّ ذكر النحل شِلِن بأنين خافت داخل المعتقل، متألماً من جناحه المكسور، وعندما جا…