طلال

     قرأت رواية  أنتيخريستوس للروائي أحمد خالد مصطفى. في البدء الرواية عمل خيالي، ودائماً ما يكون الراوي جزء من النص؛ بمعنى أن الراوي هو شخص خيالي ابتكره الروائي الحقيقي. وأنا هنا سأناقش أفكار الراوي لا الروائي.

     جورج كارلين كوميدي أمريكي، كان يتحدث عن قطع الرؤوس في العراق، وأبدى اندهاشه من استغراب الناس من مشاهد عمليات الذبح والتي في الغالب تطال رهائن أجانب تتراوح صفاتهم بين مرتزقة أو صحفيين، وقال مقولة قصيرة: “البشر يستطيعون فعل أي شيء”

     إلا أن الراوي يحكي عن عالم تسيره الشياطين، فالإنسان ليس وغداً ولا شريراً إن لم يحفزه الشيطان على فعل الشر. الراوي أمريكي اسمه بوبي فرانك، ويدعي أنه ماسوني من الدرجة الثانية والعشرين، وهو يروي الرواية بثقة بمعلوماته بطريقة يحسد عليها. فالرواية يرويها عدد من الشياطين، وبعض الشخصيات الشريرة من الإنس التي يجعلها بوبي فرانك تتحدث وتتكلم بنفسها لتروي فاصلاً من التاريخ، أو جزء من أساطير الأولين، بطريقة مشوقة ومثيرة، وذلك لطبيعة الموضوع نفسه.

     من الممتع التحدث عن النمرود ذلك الملك الغامض الذي جادل النبي ابراهيم عليه السلام بخصوص الأُلوهية وادعائه أنه يحي ويميت. في القرآن الكريم إبراهيم عليه السلام عندما حطم أصنام القوم قاموا فوراً بإشعال نار عظيمة ورموها فيه. وعندما جادل ابراهيم عليه السلام النمرود بهت النمرود وسكت، ولم يحكي لنا القرآن ما فعله النمرود بإبراهيم بعد ذلك، لكن في الرواية النمرود عندما أفحم أمر بإلقاء إبراهيم عليه السلام في نار عظيمة ليحترق فيها. أنا حتى لا أذكر أن القرآن ذكر أن ذلك الملك الذي جادله إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة كان اسمه نمرود. يقول الله سبحانه وتعالى: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن أتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين) الآية 257-258 سورة البقرة. لاحظ أن القرآن وصف الملك بوصف منطقي “أتاه الله المُلك” والمُلك يعني السلطة، بمعنى أنك تأمر جنوداً ورجالاً فيطيعونك بلا جدال ولا نقاش، وهذا واضح في القصة فقد أمر بقتل رجل لمجرد أن يثبت وجهة نظره وأطاع الجنود كعادتهم أمره. أما النمرود الموجود في الرواية – الذي يدعي الراوي أنه هو نفسه هذا الملك الذي جادل إبراهيم عليه السلام – فشخصية خارقة، تعلم السحر من لوسيفر نفسه، وبالسحر أصبح أقوى رجل في ذلك العصر.

     كشخص مطلع على نظرية المؤامرة، فقد شاهدت سلسلة القادمون، وعصر الاستيقاظ، وقرأت كتباً، وشاهدت محاضرات للشيخ عمران حسين، وقرأت كتاب الفتن والملاحم لابن كثير، وكتاب أحجار على رقعة الشطرنج، فالروائي اعتمد على هذه المصادر في سرد الأحداث، ولم يذكر أي جديد لا يعرفه أحد، في العادة الجديد والمثير في نظرية المؤامرة يكون مزيداً من الغموض، ومزيداً من لي الحقائق وتشويهها، حتى تبدو كأنها جديدة، ولكنها نفسها المعلومات القديمة والأزلية.

     الرواية ليس فيها حدثاً رئيسياً، بل هي محاولة لسرد تاريخي يبدأ من تلك الأساطير التي سمعنا عنها ولم نرها، مثل برج بابل، والملك النمرود، انتهاءاً بالعصر الحالي الحديث. الذي يدعي فيه الراوي بوبي فرانك أنه عصر أنتيخريستوس، حيث أن أجهزة الكمبيوتر والهواتف ليست إلا أجهزة تجسس يقوم فيها أتباع المسيح الدجال بالتجسس على الناس. وأقول هذه حقيقة أثبتها العميل الأمريكي السابق إدوارد سنودن الذي سرب حقيقة أن المخابرات الأمريكية تستطيع اختراق حاسوب وهاتف أي شخص تستهدفه، بل تم عمل فيلم عن ذلك، لكن أيضاً هناك حقيقة مريحة أخرى، أن الحكومة الأمريكية لا تستطيع أن تتجسس على ملايين الناس، فهذا كم من المعلومات يحتاج لملايين من الموظفين للاطلاع عليها وتحليلها ومن ثم الاستفادة منها.

      بالطبع انتيخريستوس هو ابن الشيطان الذي ولد عندما ضاجع لوسيفر امرأة يهودية، كان لابد أن تكون المرأة يهودية بالطبع فكل ما هو شرير ودنيء لابد أن يكون يهودياً، وبذلك ننضم لكل أولئك الجهلاء من الشعوب الذين كانوا يكرهون اليهود لمجرد أنهم يهود، كما يكره بعض العنصريين الزنوج لمجرد أنهم سود.

      قبل أن تقرأ الرواية ستجد عبارة داخل مستطيل تقول: “جميع الشخصيات المذكورة هي شخصيات حقيقية .. بإنسها وجنها وشياطينها .. وأغلب الأحداث المحكية مبنية على احداث ووقائع حقيقية مثبتة”، بالطبع أنا أحسن الظن، وأعتبر هذا التنويه تكنيك روائي لجعل الرواية أكثر تشويقاً، فأجمل القصص هي التي تطلع عليها كأنها حقيقية، بحيث أنك تنسى العالم الذي من حولك قليلاً.

      السرد التاريخي الذي في الرواية ليس مبتكراً، بل هو قديم، وله شعبية كبيرة، لأنه سرد مليء بالعاطفة، والذي يبرئ الذات من كل إثم وتقصير، ويشيطن الآخر، ويصفه بالشرير، والمتعاون مع الشيطان، كما يرى بعض المسلمين اليهود والنصارى حالياً. هذا السرد التاريخي الناعم مثل الحرير، والخالي من أظافر نقد الذات الخشنة، منتشر بكثرة، تجده عندما يكتب احدهم عن أتاتورك وعن الخلافة العثمانية الضائعة، وعن الخلافة العباسية والأموية، وعن الخلاف بين الصحابة الذي كان بين معاوية وعلي الخ. أعني هو سرد ليس فيه موضوعية، ولا عقل، فمثلاً عندما تحدث الراوي عن معركة صفين تحدث عن رجال رائعين، بحيث أنهم كانوا يتقاتلون، وكل واحد منهم يحترم الآخر ويحبه، وهو حب قتل حوالي 40 ألفا في هذه المعركة. ومثل هذا السرد التاريخي أيها السادة يحدث شيء خطير جداً، وهو أن الأخطاء تتكرر، بل الجرائم تصبح شيئاً طبيعياً. فلماذا أكون حاكما عادلاً بينما لو كنت حاكماً ظالماً سيحترمني شعبي، وسيكتب مهما اقترفت من جرائم أو اخطاء بعد إسمي رضي الله عنه.

     الرواية مشوقة، ويبدو أنها نجحت في السوق، فقد طبعت أكثر من عشرة مرات، وهي مثيرة وممتعة، والفائدة الوحيدة التي خرجت منها هي قراءة بعض الاحداث التي كانت تخص تاريخ المقاومة الفلسطينية. دان براون في رواياته يقدم الفائدة التاريخية المنطقية مع التشويق والحبكة الممتعة التي يمكن أن تدخل العقل، فعندما تقرأ واحدة من رواياته لا تشعر بالخوف من شياطين تحرك الأحداث من وراء الستار، بل تشعر بالخوف على البطل لأن هناك رجل من لحم ودم يطارده بإصرار ويروم قتله.

     إن الاطلاع على التاريخ من وجهة نظرية المؤامرة، يخلق جوعاً ونهما لا ينتهي لمعرفة المزيد من المعلومات والحقائق المخفية في الرموز والمباني. بالنسبة لي كانت الأمور واضحة؛ مجموعة من الرجال الأثرياء جداً يجتمعون ويتفقون على تقسيم ثروة العالم بينهم، ودول تحصل على مزيد من النفوذ تتأمر وتتحالف على دول أخرى. بالنسبة لي يمكن أن تكون هناك جمعيات سرية، لكن في النهاية هذه الجمعيات السرية أعضائها بشر، حتى لو كانوا يدعون أنهم يعبدون الشيطان، فأنا لا أظن أن الشيطان يخاطبهم وهم يأتمرون بأمره.

      هناك بشر يمكن أن يقتلوا ويسرقوا ويشنوا حرباً يموت فيها جنودهم وجنود الآخرين من أجل مصالحهم الشخصية، المعادلة ليست ناقصة بحذف الشيطان من المعادلة بل لا زالت صحيحة، وبل أصبح من المنطقي الآن التحدث عن الإصلاح بدلاً عن التحدث عن شيطان ذكي وعبقري، لا استطيع هزيمته والانتصار عليه.

     تيمور لنك كان يحب بناء أهرامات من الجماجم وكان مسلماً، الحجاج بن يوسف الذي اذاق معارضي الأمويين الأمرين كان مسلماً وحافظاً للقرآن، عمر حسن احمد البشير يلقب نفسه بخادم القرآن وله دكتوراة أو ماجستير في الدراسات الإسلامية والفساد المالي ينخر حكومته ومسؤوليه الذين لا يقدمون حتى للمحاكمة.

     هل ترون، ليكون العالم سيئاً لا يحتاج لأن يكون الشيطان موجوداً. الإنسان يستطيع فعل أي شيء؛ حرق، اغتصاب، سرقة، خوزقة، من يقرأ التاريخ بعين واعية يفهم هذا.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

رواية “بارادايس” ثيمة الرعب والموت

في مساء بارد من شهر أكتوبر، قررت أن أقرأ رواية بارادايس، وفي دمي بقايا إدمان على الإنترنت …