( هل كان يمكن لخالد حسيني ، الأفغاني ، أن ينال كل هذه الجوائز ، ويحصل على القبول داخل الوسط الأدبي الأمريكي .. لو لم يكن قد دعم – بصورة أو بأخرى – التدخل في أفغانستان ؟!)

..

إن الطبيب والروائي الأفغو-أمريكي ، المقيم في الولايات المتحدة بولاية كلفورنيا منذ العام 1985، قد حاك لنا باسلوبه السهل البسيط ، رواية تعد مليئة بالتعقيدات النفسانية ، ومتخمة بالتقلب الدرامي .. من أجل أن يعالج (ترسبات الماضي) ، وقام بتوجيه كل ما أمكن في سبيل ذلك .. من استخدام لضمير الراوي المتكلم عن نفسه ، والاستناد على خلفية المتغيرات التي طرأت في أفغانستان ، منذ حقبة سقوط الحكم الملكي في السبعينيات إلى التدخل الأمريكي مطلع القرن الجديد ، مرورا بالاحتلال السوفيتي وحكم طالبان.

 

الرواية تحكي لنا قصة عائلة غنية مكونة من أب (*يرد اسمه فقط ب بابا) وابنه (أمير) مع خادم (علي) وولده (حسان) .. تسكن في منزل فخم في منطقة وزير أكبر خان بالعاصمة كابول . لتغوص في عمق المجتمع الأفغاني -من وجهة نظر الكاتب- في الصراع الطبقي بين الفقر والغنى ، وإلى النزاع بين البشتون والهزارة ، السنة والشيعة .

تبدأ الأحداث من عند (أمير) ، حينما يبدأ في سرد ذكريات عن طفولته ، عن أفغانستان زمان . عن المنزل ، الحي ، السينما ، وعن بابا -وبالتحديد علاقته المضطربة معه .. حيث برع الكاتب في خلق التوتر اللازم بين الأب الشغوف المتطلع ، الذي يعمل دائما ، وبين الابن المسالم الخائف ، الذي يبحث عن حضن يكون إلى جانبه . وهنا يكون على أمير -البشتوني- إنشاء علاقة جيدة مع خادمه الوفي -الهزارة- حسان … فتتكون علاقة أقرب إلى الصداقة المتينة ، ولأنهما يتيما الأم ، وقد رضعا من ثدي واحد ، تكون العلاقة أخوية جدا ، لكنها في الأساس -إن تعمقنا- قائمة على المصلحة ، حيث يقدم حسان الحماية والرفقة والتسلية مقابل أن يحكي أمير بعض القصص .. 

وفي هذه الفصول الأولى من الرواية ، ينسج الكاتب -خالد حسيني- أسباب ومتطلبات العقدة النفسية عند أمير ، من إجحاف من قبل الوالد المتعنت ، قد يصل في بعض اﻷحيان إلى نكران الأبوة . ومن صداقة حميمية بين مجرد خادم هزارة لسيد باشتوني محترم ، والرفض التام لهكذا صحبة على صعيد (المدرسة – المعلمون – أولاد الجيران الأغنياء – المجتمع المحيط) ..

ولعل غياب الأم المتوفية في الفصول الأولى -وإن لم يستغل بالشكل الأكمل- إلا أنه كان بلاطة متينة لبداية ظهور أول إحساس بالذنب لدى أمير (هل بابا يكرهني لأنني قتلت ماما أثناء ولادتي؟!) .

بعدها يواصل خالد ، في الفصول التالية ، العزف على ذات المشاعر و يبدأ في تكوين بذرة الغيرة والأنانية في روح أمير تجاه حسان ، لأنه يلاحظ أن (باباه) يهتم لشأن الخادم أكثر منه ، ويدخله في صراع نفسي متسائلا (لماذا لا يتكلم ، يبتسم ، يفعل ، أو يتذكرني -بابا- كما يفعل مع حسان ؟! هل ﻷن حسان قوي ، شجاع ، واثق بنفسه وأنا عكس ذلك ؟!).. 

هذا الصراع ، يجعل أمير يجتهد للحصول على رضا والده ، بكل الأساليب المتاحة على حساب حسان .. فيقوم بالكذب ، الخداع ، الخيانة . بينما يقابله حسان بالتفهم ، الوفاء الولاء . ونصل إلى قمة اضطراب المشاعر عندما يفوز الولدان بمسابقة الطائرة الورقية -مسابقة شعبية ، وينال أمير أخيرا حب وتقدير والده ، لكن للأسف يتعرض حسان -شريكه في الفوز- إلى مشهد مخزي من قبل أطفال عدائيين (آصف) ، على مرأى ومسمع من أمير ، فيتسبب ذلك في إحساسه بالخزي والعار ، فيقوم بتلفيق تهمة سرقة متسببا في طرد خادمه حسان ، مما يجعل أمير حاملا لعقدة الخيانة طوال حياته .

وعندما تنشأ الحرب السوفيتيه ، ويهرب أمير ووالده من أفغانستان إلى باكستان ، ثم إلى الولايات المتحدة اﻷمريكية -سانفرانسيسكو .. نحس جيدا بالتغيرات في المركز الاجتماعي من السيادة والمال إلى المواطنة والفقر ، ونكتشف التقلبات الدرامية ، من مرض والد أمير ووفاته بالسرطان .. إلى زواج أمير وحبه لثريا ، وإلى عدم حصولهما على ابناء . كل هذا وغيره ينشئ جدارا هشا بين أمير وذكرياته .

لكن اتصالا هاتفيا ، يهدم الحاجز الضبابي ويحيي كل المشاعر المضطربة لدى أمير ، متسببا في قلب حياته رأسا على عقب.. فعندما يطلب منه (رحيم خان) صديق والده المقرب ، بأن يحضر إلى باكستان ، لمواجهة الماضي .. ويقوم بإخباره حقيقة أن حسان الهزارة -الذي خانه- لم يكن فقط مجرد خادم أو أخ بالرضاعة ، وإنما هو في الأصل أخ شقيق غير شرعي (مفسرا تعاطف أب أمير السابق) .. وأنه الآن قد قُتل تاركا وراءه ابنا يدعى (سوهراب) ، يعيش في أحد دور الأيتام في أفغانستان .. وأنه إذا ما أراد التكفير عن ذنبه فعليه إنقاذ ولد أخيه !

فيضطر أمير للذهاب إلى كابول ، متحديا خوفه القديم – ويتجسد في (آصف) ، ليجد بعد أحداث دامية ومتداخلة ، سوهراب ، الطفل الخائف المضطهد -في إشارة للعنف ضد الطفل في أبشع صوره. ليقوم بانتشاله ومنحه الأمان والأمل ، ويشرع في تبنيه كابن ، فيأخذه معه إلى أمريكا .. ويبدأ في التواصل معه !

الرواية جيدة في بعدها الإنساني ، تخاطب أغوار النفس البشرية .. تشرح بشكل كبير مشكلات المجتمع المتعددة ، بين الأغنياء والفقراء ، بين الحرب والسلام ، وبين الأبوة والبنوة والتبني ، الأخوة والصحبة ، الخادم والسيد ، الوطن والملجأ .. لكنها بصورة أدق لم تعكس ، على أي حال من الأحوال ، تقلبات وهموم المجتمع الأفغاني ككل ، وإنما اكتفت بما حدث من تبدلات للأسر الغنية فقط .

وإذا وضعنا في اﻹعتبار أن الكاتب خالد حسيني يكتب بإيديولوجية المجتمع الأمريكي ، ويتحامل متعمدا على حكومة طالبان ، ويصف التدخل في أفغانستان بالمطلب القومي .. غاضا طرفه تماما عن ما حدث من تبعات ذلك ، من قتل وموت وتشرد ، نعايشه إلى اليوم .. بل إنه حتى لم يناقش الآثار المترتبة على الأفغانيين المتواجدين في المهجر !.

لهذا فبالرغم من كون الرواية جيدة تماما ، وتستحق أن تنال مانالته من شهرة .. إلا أنها -وللأسف- توضح لنا جانبا واحدا من الحكاية !

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

شِلِن

1        زنَّ ذكر النحل شِلِن بأنين خافت داخل المعتقل، متألماً من جناحه المكسور، وعندما جا…