قراءات 

إبراهيم جعفر :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

      تطرق الصويم ، في روايته الفائزة بجائزة الطيب صالح للرواية عام 2005 ، للعوالم المسكوت عنها والمتغاضي عن ذكرها ، وناقش ، بحنكة ودهاء ، عبر ذاكرة “آدم كسحي” المضطربة ، قضايا الهامش ومشكلاته ، وتحديدا.. شريحتي المشردين والمشعوذين !!

          الرواية في أجملها عبارة عن تداعيات ذاكرة ، وظف لها الراوي كل الأدوات الداعمة للفكرة البنيوية ، المساندة للوصف السردي ، من استخدام للأنا (الحاكية) في معظم الفقرات ، و استحضار من حين لآخر الضمير الغائب (المحكي عنه) عند الإغراق في الوصف ، وكذا تاء المخاطب (المحكي له) لاستجلاب عطف القارئ… ونجح منصور الصويم ، ببراعة ، بين مستويات السرد الثلاثة ، ودون الإخلال بالقارئ ، في إيصال معاناة المهمشين.

           ما ميز الرواية هو كون اللغة سهلة وتوصيفة بامتياز ، والحوارات كانت بالفصحى الغير متكلفة ، مع تطويعها لتتحمل العامية الدارجة ومصطلحات الشارع ، وتم اختيار أسامي الشخصيات واﻷماكن بعناية تتوافق مع تقلبات السرد…

        جاءت (ذاكرة شرير) علي ثمانية فصول .. ابتدأت – وبطريقة السرد الدائري – من بطلها “آدم كسحي” وهو داخل غرفة السجن ، يتذكر ، ماضيه الأول ، حينما كان مجرد طفل مشرد وكسيح ، ماتت أمه (مريم كراتيه) في مشهد دراما تراجيدي ، وتنقل بعدها بين مجموعة من الأمهات وبنات الشارع…

       هذه الذاكرة ، المتداعية ، تُحكى لنا بلسان ” آدمو كسحي” ، أو له ، أو عنه – حسب ما يتطلب السرد. عن طبقة المتسولين وهمومهم ، مهامهم ومشاغلهم ، تصنيفاتهم والفروقات بينهم ، مكاناتهم الاجتماعية وتأثيراتهم  ؛ بين “شماسة” و متسولين ، مجزومين ومشردين ، معاقين ولصوص جبارين.. ليعيش القارئ ، تماما ، بكامل كيانه.. داخل تلك الشريحة!

         في النصف الثاني من الرواية ، عرّج بنا الصويم لعالم السحر والشعوذة ، وروى قصة تحول آدم كسحي من المتسول المستغل لعاهته لاستجداء العطف ، إلى الشيخ آدم كسحي ، المستغل لعاهته لاستجداء الرهبة والوجل … ووضح ، كيف أنه استفاد من بعض تعاليمه السابقة (حاجو محمدو وابنه الشيخ “الفاسق”.. وهاشم أستاذ الدين) ، ليتشكل في الأخير داخل صورة ساحر دجال ، ينصب مع أصدقاءه وعلاقاته الجديدة ، بخدع غرائبية مبهمة ، وأخرى مخططة ، على أحلام الناس وأمانيهم البسيطة… وتستمر الرواية في التقلب الدرامي ، إلى أن يرتكب أحد مساعدي الشيخ “آدم كسحي” ، جريمة قتل ، يدخل على إثرها الشيخ السجن ، والذي انطلق منه تداعي الذكريات!

       أكثر ما ميز الصويم ، هو أنه أبرز لنا الجانب القوي من شخصية “آدم كسحي” ، جاعلا إياه -في عموم جنبات الرواية- بالبطل ؛ ببنيته الجسمانية القوية ، وضخامة كتفيه من كثرة الزحف…  لكنه تحفظ ، بشكل ما ، عن ذكر تأثير هذه الإعاقة على الجهة النفسية من تداعي الذاكرة ، سواء بالإيجاب أو السلب … تحديدا ، ما هو إحساس “آدمو كسحي” ، تجاه كونه معاق ، كانفعالاته حيال نظرات الاستعطاف ، أو تضجره من تكرار السقوط والعجز… أو حتى بيان أثر الإعاقة أثناء ممارسات الحب!. وبغض النظر عن تعمد الصويم ، تجاهل تأثير اﻹعاقة النفسي ، لخلق صورة بطل خارق ومعاق… إلا أن الرواية احتوت بالمقابل على مقارنات ومشاهدات توصيفية ، جميلة في عمقها النفسي ، غطت على البعد “الخفي” للإعاقة… لأجواء السجون ، مراكز الشرطة ، المعسكرات التأهيلية ، المستشفيات ، الأسواق ، الأحياء الطرفية ، احتراف التسول ، العلاقة بين المشردين والبوليس ، رجال الجبايات ، الكشات ، الغش والتواطؤ ، السحر والدجل ، الأوهام والأماني ، الفقر ، الغنى ، الحب ، الصراع ، الحياة ، المعاناة ، والموت.!

تعليقات الفيسبوك

لا توجد تعليقات

  1. ا

    بالعكس الاثر النفسي لأعاقة كسحي اكن واضح وكل حياته وتصرفاتة كانت عبارة عن اثر نفسي وظلال للاعاقة

  2. ا

    بالعكس الاثر النفسي لأعاقة كسحي اكن واضح وكل حياته وتصرفاتة كانت عبارة عن اثر نفسي وظلال للاعاقة

  3. كم أنت دائماً رائع يا أخي وصديقي منصور الصويم (يا دكتور منصور).. أخبارك مقطوعة إلا عبر الفيس أحياناً..أنت في السودان أم في السعودية كما سمعنا؟

  4. كم أنت دائماً رائع يا أخي وصديقي منصور الصويم (يا دكتور منصور).. أخبارك مقطوعة إلا عبر الفيس أحياناً..أنت في السودان أم في السعودية كما سمعنا؟

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

شِلِن

1        زنَّ ذكر النحل شِلِن بأنين خافت داخل المعتقل، متألماً من جناحه المكسور، وعندما جا…