عثمان

(1)

    إستيقظت بالأمس عطشاناً، في منتصف الليل. بنصف عين مفتوحة، وجسد مُثقل بالتعب. تناولت كوب ماء بارد، وأمسكت بهاتفي وشرعت بالكتابة. الساعة تجاوزت الثانية صباحاً بقليل حسب قراءتي من الشاشة. الكون صامت، وكأنّ لا أحد به، السماء منتشرة كثوب أزرق عملاق يغطي قُبة الكون، والنجوم تتحركُ وامضةً هنا وهناك، كأطفال في صباح العيد. شرعت في كتابة قصة قصيرة تحديداً. كتبت السطر الأول والثاني والثالث وهكذا. حتى قفز النوم من عينيّ، وتدحرج في الفراغ. بَدأت أحداث القصة تتناسل شئياً فشيئاً، تتسع كالقمر العالق في قبة السماء، الذي بدأ صغيراً عند مغرب الشمس، وهو الآن يَحتلُ منتصف السماء مضيئاً وجميلاً.

(2)

     بَدأت شخصيّة بطل القصة تتشكّل وتنمو شيئاً فشيئاً كدائرةُ الشك بداخلي؛ نحو هذا الكون الهائل. كتبتُ عمره والذي يبلغ الخامسة والعشرين. حاولت إبراز بعض تفاصيله، فهو طويل قليلاً، ومتوسط الذكاء. دقيق الملامح وذو بشرة سمراء. له أنف حادّة وعينين وسيمتين، غَمازة في خده الأيسر وشارب ناعم وذقن حديثة بها سبع شعرات متناثرة كتناثر هذه النجوم. ثم جعلتُ له حبيبه جميلة كانت زميلته التي تدرس في المستوى الأدنى منه بالجامعة. عاطل عن العمل، ويدخّن بشراهة، يسبُ الجميع إلا أمه وحبيبته. فالأولى تعطيه النقود وتعطف عليه، والثانية يقابلها كل فترة فتمنحه أملاً بعيداً. لا يصلّي، ولا أهداف له في هذه الحياة، ولا يكّترث لشيء، يَقرأ كتباً إنجليزية قديمة، ولديه وله خاص بالسياسة، ويرى في نفسه مناضلاً جسوراً.

     أثناء كتابة القصة كانت أصوات الضفادع المُنتشية، وطنين الباعوض الجائع لدماء البشر، وهلاويس الشخص الذي ينام بالقرب مني، وشخيره والمتواصل، تُشاركني في كتابة القصة. أغالب هذه الأصوات بالتركيز أكثر مع تفاصيلها. حيث بدأت أتضجّر من بطلها وتصرّفاته، والذي حاولت جاهداً جعله شخص صالح. لكن دوماً ما تجابهني عدميته المفرطة، وصراخه الدائم، ودخان سجائره الكثيف. سَخطه على كل شيء. تركت الهاتف وانغمست في نومي من جديد.

(3)

     إستيقظتُ على صوت أمي الحبيبة وهي توقظني بلطف، وأنا أفتح عينيّ على هذا العالم البائس، ألمح في تقاسيم وجهها أملاً بعيداً يخرجني من دائرة الحظ السيء، الذي يلازمني منذ تخرّجي. تُقبلني على خدي الأيسر، وتذكّرني بغمازتي الرائعة، وعيّني الجميلتين، وبشرتي السمراء. فتزيل عني كل هواجسي، ورهق أعوامي الخمس والعشرون، التي إنقضت دون أن أفعل شيئاً، سوى ورقة يتيمة معلقة على جدار غرفتي المتهالك مليئة بالأختام، ومغلفة تغليفاً رخيصاً.

     أتحرك بتثاقل نحو دورة المياه لإفراغ مثانتي، ومن ثم أنجز تفاصيلي الصباحية. فالقهوة أعدها بنفسي، وأنا أصنع غمامة من دخان سجائري، وأطالع كومة الكتب التي أمامي، كتب إنجليزية قديمة إشتريتها من بائع متجول بأسعار زهيدة.

    سألتني أمي: “هل صليت؟”

    أجبتها بغمغمة غير واضحة الكلمات. وهي بالطبع لم تجتهد كثيراً في تفسيرها، وأعتبرتها أني صليت.

(4)

    بدأت بالعبث بهاتفي ردئ السرعة ذو الشاشة المتكسرة، أول ما طالعني فيه هو القصة التي كنت أكتبها بالأمس ليلاً، قرأتها مجدداً لأكملها؛ وجدت فيني ضجراً منها، وهَممت بمسحِها. عدلت عن ذلك الأمر، وحاولت تحسين سلوك البطل قليلاً، والتعديل من تصرفاته، ولكن لم أستطع،  أردت أن أخلصه من حياته البائسة، وضجره الكثير. إلى أن  قررت قتله، بدأت في صياغة مشهد موته، حاولت أن أجعله بطولياً، حيث يخرج في مظاهرة تندد بأزمة الغلاء الطاحن التي تضرب البلاد، وتطالب بتحسين الأوضاع المعيشية. ثم يعتقل فيها، ويموت بالتعذيب في إحدى السجون التي يوضع بها. ولكني عدلت عن هذا، فالحي الذي يَسكن فيه، والمدينة التي يطوف في شوارعها غارقة في الجهل والرهق اليومي، ولا أحد يستطيع التحدث عن أمر الخبر والوقود، فالعسس يجثمون على صدر المدينة، ويحسبون أنفاس سكانها. فكرت في أن يكون مشهد موته عند النهر حيث يذهب للقاء حبيبته، فيختلفان أثناء حديثهما، تذهب هي إلى حافة النهر، يحاول تهدئتها فيجرفُهما التيار. ولكن تذكرت أن حبيبته في مكان يبعد تماماً عن مكانه الذي يسكن فيه، وان البلدة التي يسكن بها ليس فيها نهر. وفي غمرة إجتهادي في قتل بطل القصة، فكرت في أمه التي تحبه، وفي أنني كان بالإمكان جعله أكثر صموداً وقوة، مسحت القصة وبدأت أكتب قصة جديدة.

______

*النص الفائز بالمركز الثالث، وذلك في الدورة الثانية من مسابقة (لمتنا كتاب) يوليو 2018.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

هيّا نشترِ شاعراً

( عليّ أن أقطع أميالاً قبل أن أنام). ( علينا ألا نترك الشعراء في الحدائق). (1) سِحر الرواي…