funny-picture-background-music-its-a-dangerous-job-but-somebodys-gotta-do-it

متوكل الدومة :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

“حرب”

ما أن تقصف هذه الكلمة أذن المرء حتى تُسرج في الدم خيول قشعريرة تجري راكضة في العقل تثير غبار خوف غامض, من الذهن تنسل صور مختلفة بإختلاف التجربة، تتفق في كونها تَجْمُعٌ لموتى واخرون جرحى، نشيج نائحات مكلومات,دماء غزيرة تغطي الأرض.

خضت عشرات المعارك بل المئات إنتصرت في أغلبها وانسحبنا من قليل منها، حققت الكثير، وأهم ماحصدته قدرة التماس العذر للخائفين قبل معركتهم الأولى…

لا أسميهم جبناء تحت أي ظرف!

ذكرى ايامي الأوائل كمحار منحتني هذه القدرة، صغيراً كنت وقتها وخائف، ارتجفت الأوصال أكثر حين علمنا أننا شركاء في معركة الغد، شعورنا العام بأن فترة تدريبنا ليست كافية ليزج بنا في أتون معركة حقيقية جعل صوراً داميةً تُوجع خيالي ، تلدغه طوال الليل, سأكون صادقاً معكم مع أني لا أستطيع أخباركم بأنني بللت سراويلي، وأقول أني قضيت الليل في البكاء من شدة الخوف, فقط بكيت، بلا صراخ؟

موجات رعب عاتية إرتفعت كادت تغمر الرجال، لو لا أن ثبت الله قلوبهم بحديث قائدنا المبجل, عذوبة لسانه سرت سقت براعم الشجاعة فيّ فكبرت,وما تزال تشرب من ذكرى خطابه إلي اليوم وهي أشجار عملاقة.

ادمنت إعادة شريط كلمات قائدنا التي دلقت الشجاعة في القلوب _رغم عدم فهم معظمها _ كثيراً ما ارددها طمعاً في نفحة شجاعة إضافية، دون الجزم ما اذا كنت احفظها كما قيلت، اتولها:

” للكلمة أثر مختلف، ثمة كلمة سماعها يولد صوراً ذهنية هي الدلالة وينقطع الأثر، وهناك أخرى تحفز الحواس جميعاً، تعمق شعورك فتتناهي إليك أصوات عدة، طعم يسيل بلسانك، رائحة تخترق أنفك، ويشعر جلدك بإستثارة جراء سماعها..

كلمة واحدة فقط بهذا العمق؟

لنتركها قليلاً الآن! “

هنا قال جمل كثيرة لن اكتبها لأنها صعبة عليّ! بعدها يواصل:

“حرب”

ادرك أنه توارد إليكم (دم، أشلاء قتلي، شممتم بارود .. عطن إحتراق سوائل حيوية) لا عليكم، فالمختزن ودلالة كلمة حرب انها شيء مقيت وقبيح منذ عرفها الإنسان ومدمر.

حان الوقت لنخلق تصورنا الخاص للكلمة ليرضى عنا الله وينصرنا “

صراخ وزعيق كان بمثابة تسليم بنفاذ الخطاب عميقاً في الروح، وإعلاناً لبداية معركة إنتهت بسحقنا للعدو.

منذ ذلك الحين وروحي لا تسعد إلا بالمعارك، توقاً للنصر أو الشهادة كما الجميع، معي الجُند والضباط لا نجد انفسنا إلا ساعة قعقعة الرصاص، لا نستشعر وجودنا إلا لحظة ظهور عدو الله والوطن للعيان، متعة خالصة نقية لا تشوبها شائبة تتجلى حين الفتك بالمنافقين اؤلئك. منبع اللذة مكمنه تفجير أجسادهم القذرة وفصل أجزائها إلي أشلاء، اعظم متعة و ليس كمثلها شيء قدرة علي بث الطمأنينة و إراحة للنفس، نحققها عند جمعهم وقتلهم جماعات، وقتها ننتقم لشهدائنا ونرى ارواحهم تحلق كحمائم تهدل في سعادة عارمة، في الطرف البعيد الأخر تجفل ارواح الأعداء كاسراب من الغربان البشعة بنواح صاخب متوجهة للجحيم الذي تستحق.

الحقيقة أن ساحة المعركة – من الآن فصاعداً يجب أن تصدقوني دون أي قسم فالمؤمن لا يكذب “نقي الإيمان انا” ساحة المعركة هي بعض القرى المتناثرة في عشوائية وعبث تماما كإتفاقيات ماجنة بخلاعة وقعت بين مَن أثر عليهم الغرب مِن الساسة و المتمردون.

فصيلة (قحط) إختصاراً لـ”قوات حفظ الوطن” قوامها عدد قليل من جنود مخلصين محبين للوطن وضابطين فقط، أحدهما قائد القوة رجل متواضع، تقي،ورِع من فرط تواضعة لا يضع علامة النسر والنجمتان علي كتفه بتاتاً، ايضاً يترك مهمة توزيع الكأس علينا ليلاً لأحد الجند بينما يجلس هو كبقية الجند، يرضى الأحكام الصادرة طوال الليل بينما نبقي ساهرين حماة للبلاد. أكثر ما يثبت تواضعه تركه إمامة صلاتنا الجماعية لجندي في كل مرة.

الضابط الأخر كان نائبة في قيادة القوة، مثله في التواضع لا يضع العلامات، هالة من الوداعة تكسوه، لكن ثمة شيء غامض يتخلل ملامح وجهة لدرجة تهزك لو حدقت فيه بتركيز، تصرفات نجدها غريبة ولا تليق برجل عسكري تكاد تكون بلهاء تبدر منه، كالبكاء ليلاً بينما الجُند نيام، يتفل أثناء نومه شتائم مؤذية في وجه من لا نعلم.

دعونا منه الان كنت أخبركم عن قرى يقطنها كفره مع زويهم، كئيبة ومبعثرة، بنيت من القش وبعض مواد واهنة، هنا ايضا ما يظهر تواضع قائدنا المبجل وورعه، ما أن يمكننا الله من قرية حتى يبتعد تاركاً الغنائم وتقسيمها بالعدل لأحد الجُند، رغم أن ما نغتنمه يكون قليل فسكان القرى فقراء _غنيهم من يمتلك حمار بعربة_ لكن قائدنا لا يغريه متاع الدنيا. السكان فقراء طيبون ومسالمون، لكنهم بجهلهم يدعمون الكفر يعينونه علي الحاكم، يمتصون افكار شيطانية مستوردة، كقصة حدثوهم عن أن ابناء الأغنياء يجب أن يعاملوا في التعليم والعلاج وغيرها علي قدم المساواة مع أبناء الفقراء..؟

يسعون لتغير شِرعة الله .؟ أوليس ذلك رفض لحكمة الله في خلقه أغنياء وآخرين فقراء..؟

لو أنهم ينتهون! لا يتركون لنا خيار غير محاربتهم ساعين لوضعهم في رحاب النور.

بسهولة إلتهام نار لكومة قش واهنة نلتهم مقاومتهم المثيرة للشفقة، هذه القرية نالت نصيب نظيرات لها غرقت في العدم، ميسوراً وسهلاً كان فتحنا للقرية وعادياً فقد امدنا الله بجُند من عنده، الجُند كل مشغول يُطهر المكان من الدنس، ينصر الحق بما ينتخب في الروح اللذة، ينتج في الجسد نشوة تغسله من الرهق، أحدهم كان يصغي لهسيس نار أشعلها في منازل القش والورق المقوى، ثم امتهن عادته بإعادة رقصة صممها من تلقاء نفسه معتقداً انها تحبب النصر إلي قلبه يدعوها “رقصة الموت المهيب”.

منزوياً حاول الإبتعاد عن الغنائم أمسك قائدنا صبي أمس الوجه، بض الجسم، حلو المحيا، جميل بشكل يثير الريبة ويفتق الحذر، حجبهما كثب رملي قريب، – لا تقاطعوا- فقد ثقفناهم.

نائبه منهمك يرص السكان صف واحد بعدها جردهم من الثياب، ساد المكان صوت إختراق رصاص للحم، سقطوا جميعاً إلا شاب قوى البنية قرر الضابط تقي الملامح عدم قتله، الي غرفة بعيدة من الطين كانت شاهدة علي المعركة اصطحبه، دقائق إنقضت بعدها سمعنا الضابط يتنهد ويبكي، إنقطع بكاءه

دوي رصاصة

خرج مسح وجنتيه وبنطاله مبلل من الخلف.

في البدأ ظننت أن حظي عاثر اليوم إلي أن وجدت متعتي وقد قبضت علي إمرأة ندية في الثانية عشر من العمر تقريباً

_لا إنها امرأة ؟

كيف لنهدين كهذين بحجم الليمون تماما وطعمه يحتلان صدر طفلة..؟ كيف لطفله أن يكون لها شفاه بتلك الطلاوة..؟ كيف لزهرة فردوسية أن تنبت بين فخذي صغيرة..؟

قصدت بها تل قريب.

كل شيء عادي حتى الآن، إنتصارنا معهود، هزيمتهم متكررة، الرقص يحدث عند نهاية المعارك، ال…

لحظة ثمة تغيير يطرأ علي الساحة؟ شيء غريب ومهيب يحاول الخروج من العدم.

انه السحر .

بالسحر استعان عبدة الشيطان رغبة في الخلاص، منهك نال مني التعب بعد جولة الفردوس كنت اشاهد ما يحدث من خلف التل، إمرأة الليمون تشوش تركيزي بأنين نار اللذة، أعتقد أنها تطلب المزيد استنادا علي خبرتي فانا خبير في الأمر، كانت المرأة الثالثة بعد المئة التي أعبر حدائقها، لم اقدر علي تركها تقاسي الإحتراق.

ذبحتها.؟

لا تقلقوا ! “انا لا أنسى الواجب” لقنتها الشهادة ضمان حسن الخاتمة.

قوة السحر تجلت بعد أتممت الذبح ، كنت ما ازال أجثُ علي ركبتاي متباعدتين تحتهما تستلقي الفتاة، هالني المشهد شيئاً لا يقدر عاقل أن يصدق إمكانية حدوثه.

بلا ادنى إنذار وثبت أسلحتنا في الهواء. بنادقنا ماركة “ج3″علي بعد ثلاث أقدام انتصبت في الفراغ، كل بندقية أمام رأس صاحبها معلقة، صاعقة نزلت علي الجميع. لم يقدر أحد علي نبث كلمة، دهشة إستحوزت علي المكان فصمت، غرقنا في بحر صلوات وتضرع نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، من واتته شجاعة من الجُند أخرج مديته وعمل طعناً في فراغ أسفل البندقية.

لم يحدث شيء..؟

بفوهات مصوبة نحو الرؤوس، في توالي مخيف ومُربك وضعت كل بندقية نفسها في وضع الإطلاق، أزرار أمان أنزلت نفسها، كل بندقية مستعدة برصاصة جاهزة في مجراها، تملك الجُند هلع واضح ركضوا في كل الجهات محاولين النجاة، بإصرار يصيب القلب باليأس كانت الأسلحة تطير في الهواء وتثبت نفسها علي بعد ثلاثة أقدام من رأس الجندي الهارب.

دخلت تمتمات بحديث القائد لنها إنهارت وتسرب إلي قلبي الرعب وانا في مخبأ خلف التل اراقب ما يجري، فزع مريع وغبن غامض سكن رأسي ربما لأني لم اذق طعم الخوف منذ وقت طويل.

المشهد شيئاً فشيئاً يصبح أكثر جدية وإثارة للضحك كأنه نكته سمجة.

قاسمة ظهر شجاعتي الراسخة و كسر تعويذتي جاءت من تحرك وارتجاج ثقوب الرصاص في أجساد الكفرة، إنفتحت أوسع تُنبت ازهار متعددة الألوان ، اما اجسامهم المزدحمة ثقوباً المكسوه دماء متخثرة حلقت فوقها فراشات زاهية، صعقني أن أنبت قطع ذبح رقبة البنت لبلاب يانع اخضر، فراشتان منسلتان من العدم حطتا علي نهديها العاريين، والأكثر هولاً خلية النحل التي غطت الشفاة الندية، ومنفذ الفردوس حجبته مُزنة، الجسد الناحل حديث التفتح لفه الغيم.

بندقيتي مضجعة في جوار حميم مع إمرأة الليمون، تحسست حلقي كانت به مساحة لم يسُدها الرعب شهقت، تدفق هواء مشحون بالطل دخل رئتي المختنقة، سقوط البنادق من تلقائها بث في نفسي إطمئنان اكبر، إيمان أعمق. ترديد حديث قائدنا المبجل شكل درعاً تحميني.

إكرام الزملاء واجب آخر أعرفه ولا أريد التقصير عنه، أخرجت دفتر ملحوظات بحجم الجيب بدأت أوثق شجاعتهم دونت ما أظهروه من بسالة،

فرغت ..!

علي الآن أكمال الواجب، ابتهل ادعو للشهداء جُنداً وضابطين.

ازحت يداي عن وجهي بعد انتهيت كانت جثث الجُند تتقيح، تسيدني الغثيان هناك ثعبان أرقط يخرج من دبر قائدنا بالإنابة، عقلي كذب عيناي أمرني أن أصفع وجهي، ففعلت وبي امنية أن يكون ما يجري مجرد حلم مزعج تغسله الإستفاقة …

الصفعات المتكررة اشعرتني فقط بالألم المبرح الأحداث حقيقة.

بالمستمسك بقشة في عرض البحر رددت حديث القائد:

” يجب أن نبتدع شكل يلهمنا إلينا النصر، يحبب إلينا المعارك ننشد اشعاراً في مديح الحرب، نفتج ب..”

من الخلف يأتيني صوت آلي، إلتفت في حذر، كانت بندقيتي معلقة في الفراغ نصف ياردة فقط تفصلها عن رأسي.

فَعّلت نفسها في وضع إطلاق المجموعة، كجز علي أسنان متسوسة طرق الصوت المكتوم أذناي، رصاصات متزاحمة في فوهة البندقية أقشعر لها جلدي.

ما هي إلا لحظة حتى..

إنطفأت الدنيا؟

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

أمل ميلاد جديد

  قراءة في دفتر الشارع، وما يمكن أن تكون دروس تُسهم في إنجاز الثورة بالسودان. مقدمة: الوضع…