11960284_1192016864148124_2728526040506180302_n

موافي يوسف :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

في البدءِ كان السُّكونُ الجليلْ

وفي الغدِ كان اشتعالُكْ …

 (ثمةُ شُعاعٍ يستحيلُ لأصابع عظيمة ، يتلوّى كأفعى ، ينبُش مقبرةً منسيّة من ذاكرةٍ مسفُوكة .. يستطيلُ كخِنجر البدويّ )* !!

أصحُو فزعاً ، مُتهدّجة أنفاسي ، جبيني يستحيلُ لغيمة خرافية تنزّ بالعرق ، ما كان ذلك ؟ لا أدري .. ألتفتُ صوبه ، أراه غارقاً لكأنما في دوامةٍ من نوم أبديّ ، في كرسيه ما يزال ، نهضت ، عدلت من رقبته المائلة ، خلعت قبعته القماشية المستديره .. بدت كومة من الشيب تميز شعره ، عيناه مطبقتان كستار مسرح مُسدل على مشهد حزائني .

كنت مُتعباً ، يداهمني فُتورٌ يُلحّ عليّ بالنوم ، ودون وعي غُصتُ مجدداً في الدوّامه …

(غيمٌ خريفيّ يتكاثف ، طيور الكركي بمناقير مجيدة تحلق ، غسق بهيّ يستدير ، فُوهةٌ على سديم الأرض تتسع ، تنفتح حتى تستحلب انتباهه بخيوط ، لطالما ابتلع تركيزه سقوط الشمس اليومي ، ثمة ريح بغبار صحراوي تعبر ، رائحة من العرق الجبلي تصطكّ بسفوح المغارات المنسيّة ، ومن الجهة المعكوسة ينسدل غطاء كثيف من قماش الآلهة الكوني ، صديد أصفر ينسرب من الذاكرة ، متكأ على حجر آيل للسقوط ، يطارد العصافير المحلقة بعيونه ، رتل من القمريات ، ثلة من طيور البوم ، مالك الحزين يغني وبما يشبه البكاء يدفن المسارات السماوية ، نحيب الأشجار الجنائزي يسد الأفق ، يشيح بوجهه بعيداً ، ثمة قطيع من الأغنام الصحراوية يستشري في الجبل ، فتى بملابس رثة يفذف كتلاً من الحجارة والحصى ، وخلف القوز الرملي امرأة ضخمة تقتلع غابة كثيفة من شجر المسكيت ، فؤوس بأظافر عظيمة تغرق رأسه بالدم ، من فرط ما تستطيل الذاكرة ، يتعرق -الفتى- يمسك حربتين طويلتين بيديه ، يغرسها بحواف بئر تبتلع الهواء المتعثر والأشعة الصفراء المحترقة ، قدماه تتأرجحان، تتسربلان في الفراغ المتراكم ، يطرقع الأصابع ، ينظر بعينين ذاهلتين في الفوهة الدائرية التي يجلس بحوافها . لوهلة سيرى طائراً برأس أصلع ، وريش مُقتلع ، ومعصوب العينين ، يتجول ، ينقر في السفوح الجبلية ، يستدير ، يتخبط ، يقفز محاولاً الطيران ، ثم يسقط سقوطاً مريعاً داخل البئر . يرفع رأسه ، عيناه تتسمران في المدى ، من دغل بعيد ، غبار هائش ينبعث ، يحك رأسه ، يتذكر ، صوت الطبول يرتفع لأعلى ، أغنيات النساء تتمدد ، صوت ملائكي يطفو ، كؤوس المريسة المقدسة ، أقراط دائرية تطل من خلف الرؤوس البدوية ، خلاخل نحاسية تُصدر صفيراً طويلاً يخترقُ الجدار الخشبيّ ، ويختفي .

يتابع سلسلة رجال ، يتأبطون حراباً ورماحاً تبرُق ، جلود حيوانات برية تغطي أجسادهم ، أقراطاً بلون أصفر تلمع ، تستدير بأيديهم . ثمة هاوية عظيمة تقف في الجهة المقابلة ، بخطى بطولية يسيرون نحو الصرير المنبعث منها ، يخلعون رؤوسهم واحدآ تلو الآخر ، يرمون الرؤوس المقطوعة بحوافها الطرفية ، ثم يعبرون .

ثمة أطفال عراة يتمايلون في الخلف ، يحملون رؤوساً بعيون مذعورة بإناءٍ فخاري متسع ، يترنحون ، وبِركة من الدم تسيل من رؤوسهم المقتلعة ، ثم يسقطون )* .

– كنت جالساً على ظهر ما يشبه البغل، في قمة جبلية عالية تكاد تعانق الغيم الخريفي المتكاثف ، وكانت كل تلك الرؤى واضحة ، أرقُبها من مكاني لكأنها تنبع من شاشةٍ عظيمة –

والفتى ،

 (يتابع العبور الغريب لهذا الحشد البشري ، من أعلى تلة متوارية خلف الشجر اليابس المتراص كالصراط المستقيم ، يُحدّقُ نحو الهاوية السوداء ، صفٌ لا حد له من الآدميون يسقطون ، كبار سن عجزة ، مسنين ، أطفالاً ، ونساءً يغرسن أصابعهن أسفل الرأس ، يقتلعن الرأس ، يتركنه معلقاً فوق حراب شاهقة ، ويبتلعهن الستار الكثيف المنسدل داخل الهاوية .

لوهلة ، يرى جدته ، تزحف كدودة رملية تتقدم ، ظهرها ملتوٍ ، مُسندة يديها على حطب من نبات القنا ، ثمة شارب أبيض كثيف يعتلي شفتها العليا ، تمشي برتابة مريبة ، تتعثر حتى تكاد تهوي ، تستقيم ، تضيء الطريق بابتسامة طفيفة ، ومن خلف فمها الجاف ، تطل أسنان بيضاء ومتشابكة ، تزيل كتلاً من الحصى والصخر المتكسر ، ترمي عصاتها ، ترفع رأسها لأعلى ، تقتلعه من رقبتها الرازحة تحت سياط التاريخ ، وشفتاها ذاتا الإبتسامة النورانية مفتوحتان وكأنها تفتح للريح مساراً جديداً ، تقذف الرأس العجوز نحو حشائش خضراء تنمو ، ثم تسقط سقوطاً مدوياً داخل الهاوية .

يضربُ بيديه رأسَه المليء بالأوشام ، يُهزهِزُه بعنف ، محاولاً طرد الهلاوس السّعرانة التي تطارده ، ينتصبُُ واقفاً ، يُركّزُ نحو الصورة الأخيرة التي رآها : جدته مقتلعة الرأس والحفرة تبتلعها ، يصرخ صرخة جنونية ، طاردت الطيور والكائنات في مخابئها ، موجة من الرياح تسري ، حاملة معها رائحة الطمي والبحر ، ثمة غناء رصين للعصافير الخريفية يتمدد ، حتى عم الغابة كلها ، ينظر صوب شجر تبلدي محترق ، وقطيع من النمل الصحراوي يتسكع فوق أغلفته السوداء ، ومن تحت رُكام الحشائش يسمع سمفونية حزينة للضفادع والجنادب البرية ، يتقدم نحو تراب متراكم يشبه فيلاً ترابياً ضخماً بنته الرياح بأصابعها ، يعتليه ، يرفع حربته وكأنه سيغزو العالم ، وباليد الأخرى يلوح للفراغ الكثيف كمن يتوعد شخصاً في الجهة المقابلة ، يقذفها في الفضاء ، يبكي بصوت متشنج ومخنوق ، يضحك بهستيريا ، يخلع ملابسه المُحاكة من جلد الثيران ، يُمسكُ ثعبانه البشري بيديه ، يُهذي ، يتحدث وحده ، وفي ذاكرةٍ متفجرةٍ برأسه ، يصنع من الطين البحري رجلاً دميماً بملابس بالية وأسمال ، يلبسه بِنطالاً بلونٍ أخضر ، ويُمسكه البندقية ، يقول له : أنت الحرب إذن !! .. ثم يغرقه في بركة من البول المتعفن .

يهبط من التلةِ الترابية ، عارياً وأشياؤه تتأرجحُ في الفراغ ، يجثو على رُكبتيه ، يزحف متجهاً نحو مغارةٍ مليئةٍ بالرماد وبقايا عظام بشرية ، وطائر البوم يتجول على مقربة منها ، يقترب نحو الباب الصخريّ المُوصد ، يزيحه بيديه ، يدلُفُ إلى الداخل ، يستلقي فوق الركام الرمادي رافعاً رأسه صوب سقف المغارة البعيدة ، يُلقي رأسه فوق يديه ، وقدماه معقُوفتان فوق بعضها )*

– ثمّ في فُجائيةٍ مُفزِعة ، يستحيلُ إلى كَومةٍ من رماد ، يتصاعد منها دُخانٌ صوب السّقف ، يتسرّب عبر فجواته للفضاء القابع خارج المغارة ، تصطاده أصابع طويلة مُرسلة من الشمس فيبدو الدخان الرمادي مثل عفاريت مهرولة في فزع !! –

أصحو مذعوراً ، وصرخةٌ عظيمة حُبِست داخلي ، وإذا العرقُ قد بلل وسادتي ، وقلبي يركُلُ بوتيرةٍ عالية ، تماماً مثل تلك الطبول !

وإذا به جالساً على كرسيه ، يرقُبني بعينيه العميقتين بفضول غريب ، خُيّل إلي أنه أدرك تلك الهلاوس ،  كان ينظر إلي وكأنني أفعى تتلوى في نزعها الأخير ، لا أدري إن كان يستمتع بمشهد فزعي بينما تصارعني الهلاوس والكوابيس ، أم أنه كان ينتظرني حتى آخذ كفايتي من الفزع ، ثم يسألني في هدوء ، ماذا بك ؟

أحكي له بتهويل ما شاهدته ، تعتلي وجهه الدهشة ، بدت تفاصيل وجهه تشي بفجيعة الإنسان المكلوم ، تبرُقُ عيناه ، تندفنان تحت موجة طاغية من الحزن وتدمع .. أتساءل في نفسي عن ماذا أصابه ، ما الذي أحزن الرجل ، أم لعل في مخيلته ثمة مقبرة من زمن بعيد ، ومنسية تحت أغوار سحيقة من تراب الذكريات لمواجع أليمة وأحزان لا متناهية ..

هل حمل ذلك الفتى بعض تفاصيله ؟ أم نبشت تلك الجدة صورة جدته “زهره” ؟ فداهمته عاصِفةُ الأحزان ، والتراجيديا السوداء عن الصراعات ، التضحيات ، الحروب والدماء ، والعذابات اللا متناهية !!

 هل .. ؟

لكنه قطع شريط تساؤلاتي تلك ، حين نهض من كرسيه لأول مرةٍ مُذّ أن جلس عليه منذ انبثاقه لي ، جثا بركبتيه على الأرض ، وفي قداسةٍ مهيبة ، سجد طويلاً ، بكى كثيراً وتنهد ملء صدره ،  وحينما عاد وجلس قال بصوتٍ تعب ممتلئ بعاطفةٍ جيّاشة وحزن جليل :

 التُّرابُ المُقدّس ، التّرابُُ المُقدّس ، التُّراب المُقدّس ،

 ثم تلا في خشوعٍ مَهيب :

وسِّدِ الآن رأسك

فوق التراب المقدس

واركع طويلاً لدى حافة النهر

ثمةَ من سكنت روحُه شجر النيل

أو دخلت في الدّجى الأبنوسي

أو خبّأت ذاتها في نُقوش التضاريس

ثمة من لامست شفتاه

القرابين قبلك

مملكةُ الزُرقة الوثنية

قبلك

عاصفةُ اللحظات البطيئة

قبلك

طقسُ الوجوه المدلاة ،

في مهرجانِ المشانق

قبلك

يا أيها الطيفُ ،

 منفلتاً من عصور الرتابة والمسخ

ماذا وراءك في كتب الرمل؟

ماذ أمامك في صحف الغيم

إلا الشموس التي هبطت في المحيطات

والكائنات التي انحدرت في الظلام

واملاؤك بالدمع حتى ،

 تراكمت تحت تراب الكلام

وسّد الآن رأسك

مُتعبةٌ هذه الرأس

مثلما اضطربت نجمةٌ في مداراتها

أمس قد مر طاغية من هنا

نافخاً بوقه تحت أقواسها

وانتهى حيث مرّْ

كان سقف رصاص ثقيلاً

تهالك فوق المدينة والناس

كان الدمامة في الكون

والجوع في الأرض

والقهر في الناس

قد مر طاغية من هنا ذات ليل

أتى فوق دبابة

وتسلق مجداً

وحاصر شعباً

غاص في جسمه

ثم هام بعيداً

ونصب نفسه للفجيعة رباً

وسّد الآن رأسك

غيمُ الحقيقة دربُ ضيائِك

رجع الترانيم نبعُ بكائِك

يا حراس الصدفات البعيدة

في حفلة النوء

يشتاقُك الحرسُ الواقفون

بأسيافهم وبيارقهم

فوق سور المدينة

والقُبةُ المستديرةُ في ساحة الشمس

والغيمة الذهبية

سابحة في الشتاء الرمادي

والأفق الأرجواني والأرصفة

ورؤوس مُلُوك مرصّعة بالأساطير

والشعرِ

والعاصفة

أمسُ جئت غريباً

وأمسُ مضيت غريباً

وها أنت ذا حيثما أنت

تأتي غريباً

وتمضي غريباً

تحدّق فيك وُجُوه الدخان

وتندو قليلاً

وتنأى قليلاً

وتهوي البروق عليك

وتجمد في فجوات القناع يداك

وتسأل طاحونةُ الريحِ عنك

كأنك لم تكُ يوماً هناك

كأن لم تكُ قطْ يوماً هناك

وسّد الآن رأسك

في البدءِ كان السُكون الجليلْ

وفي الغد كان اشتعالُك

وسد الآن رأسك

كان احتجابُكْ

كان غيابُكْ

كان اكتمالُْكْ

وسد الآن رأسك

هذا هو النهرُ تغزُله مرّتين

وتنقُضه مرّتين

وهذا العذابُ جمالُك !!

__________________________

* ما بين الأقواس، باستثناء محتوى علامتي التنصيص ،

 من رواية (جمجمتان تطفئان الشمس) ،

للروائي السوداني الشاب منجد باخوس .

يُتبعـْ …

تعليقات الفيسبوك

3 تعليقات

  1. D’accord pour le théâtre des Champs Elysées, le palais d’Iena et les autres ouvrages cités dans l’article. Mais, je garde le souvenir de cette tour, dénommée Tour Perret, qui se dressait toute noire et se voyait de loin en arrivant à Amiens, comme fait sa cathédrale pour Chartres. Elle m’a toujours donné une mauvaise impression de l’œuvre de Perret, indécise dans son dessin, trop fine pour être honnête, et inhabitable pendant des années. (Il paraît qu’on arrivait pas à faire monter l’eau jusqu’aux derniers étages, faute de pompes assez puissantes.) Je viens de voir une photo de la tour. On l’a nettoyée et il semble qu’on l’éclaire la nuit de toutes les couleurs. Je reste cependant très réservé sur ce triste travail tardif d’Auguste Perret. Je trouve Jacques Perret plus rigolo.

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

مَقتلُ ناوكا

    (1) الجثةُ مسجيةً على الكرسي، مُمدِّدةٌ أطرافَها، باردةٌ وقد بدَت بعض التورُّماتِ الطّ…