11223502_435854809928573_577519707012134843_n

موافي يوسف :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

“الشعراء لا يموتون ، والفيتوري أبعدهم من الموت”

  ثمّة ضوء يتسرب من ثقب بالنافذة ، يمتد مستقيماً ، حاداً ورفيعاً ، يصطدم بالحائط ، يشكل نقطة صغيرة كان يحدق فيها حينما تحدثت إليه مباغتاً : سيدي ، اسمح لي في أن أتساءل ، لماذا يترك الشاعر وطنه ، ثم يبكيه بعيداً ؟ وفي مرات سيدي ، كثيراً ما يختار الشاعر منفاه بمحض إرادته ، مثلك ، حتى لُقبت بالدرويش المتجول !

إذن ، ما الوطن في الغربة، وهل ينسى ولو للحظة ؟

ودون أن يُشيح ببصره عن النقطة أنشد قائلاً :

وحُبّب أوطانُ الرجال إليهمُ

مآرب قضاها الشباب هنالكَ

إذا ذكروا أوطانهم ذكَّرتهمُ

عُهود الصبا فيها فحنو لذلكَ …

ثم أدار رأسه نحوي وحدّق في عينيّ كأنما يريد أن يؤكد لي شيئاً ما ، قائلاً :

عندما تُضطهد في وطنك لا تكره هذا الوطن ، ولكن ، تكره المضطهِد ، عندما يُقسى عليك فتُضطر إلى الهروب من بيئته ومغادرته ، لكن ، وفي نفس الوقت ، يجذُبك الحنين دائماً إلى مرابع طفولتك ، ومعه لا يمكن أن تنسى وطنك …

– ولكنك بعدت عن السودان ، وعن أرضك الكبيرة ، هل لهذه الأسباب سيدي ، أم هنالك أسباباً أخرى ؟  ثم أي أسباب هذه التي تقسو حتى تغادر الوطن ، ذلك الحنين العظيم !؟

قال بنبرة هادئة بعد أن صمت بُرهةً ثم نفخ من سيجارته نفختين :

أنا .. أنا لن أقول بحثاً عن الشعر أو حتى عن القوت ، فلقد كنت أعمل ، وكنت أمارس حياتي بشكل طبيعي في جو تسُوده المحبة والألفة ، كنت محفوفاً بكثير من التعاطف والرضا .. ولكن ولأسباب لا أستطيع تفسيرها لك الآن ، ولعلك تعلمها ، اضطررت لأن أبعُد كثيراً عن السودان ، أن أعيش حياتاً أخرى لم تكن قط في فكري أو حتى في مخططاتي .. !

– لكن أليس بغريب أن تبتعد عن كل هذا التعاطف الذي تُحفّ به ، أن تبعد عن الأهل، والأرض، والنيل العظيم .. عن الوطن ، ذلك الحنين الكبير، وأن تصبح درويشاً متجولاً تجُوب البُلدان والأقطار بعيداً عن التراب المقدس ، الوطن !؟

كان شارداً بذهنه ، إستعاد حُضوره ، نفخ من سيجارته نفخةً ثالثة وقال :

هذا ليس بغريب عن الشعراء ؛ فتاريخِ الشعر العالمي، والعربي، والسوداني، مليء بأولئك المتغربين من حملة هذه الجمرة في أيديهم ، جمرة الشعر ، الرغبة في قول شيء ما ليس بإمكانهم أن يقولوه في مكان ما ، فيضطرون إلى مغادرة هذا المكان ..

– مثل أبو الطيب ؟

لبث غير قليلٍ ثم قال :

 أبو الطيب المتنبي مثلاً ، لا أدعي أني مثله ، لكني أقول أنا تجربته ؛ ألا ترى أن هذا الذي ولد في الكوفة ، وتربى في النجف ، وخرج من النجف إلى بغداد مهاجراً ، ثم الانتقال إلى القاهرة ، ثم الخروج منها هارباً ، بينما كان في رفاهية ورخاء ، لكنه شعر أن أيامه لم تعد تتحمّل هذا الحيّز ، وأن ثمة عيون تضيّق عليه حركته ، وتضيق عليه الخِناق ، فآثر الحرية بالخروج ، وقُتل في الطريق في الحادثة الشهيرة التي نعرفها جميعاً ..

ولنقل كذلك أحمد شوقي ، أمير الشعراء ، أُبعِد من مصر ونُفي إلى إحدى الجزر في المحيط الهندي ، حيث قضى فترة من عمره يكتب ، ويحاول أن يسترجع ذكرياته عن هذا الوطن الذي نشأ فيه .. !

 أيضاً من شعرائنا السودانيين شاعرنا الكبير محي الدين صابر ، هذا الشاعر الباذخ الذي اضطر إلى مغادرة أراضيه وبِقاعاً أحبها .. وأيضاً إدريس محمد جماع ، الذي وجدته ذات يوم في القاهرة ، كان لقائي به على ما أعتقد في أواخر الأربعينات ، التقيته بعينيه الزائغتين ، وقامته الطويلة المهتزة بعض الشيء ، وأحزانه اللا متناهية ، وعندما سألته لماذا تركت السودان ، رد قائلاً : لم أعد أتحمل الظروف التي مرت بي نتيجة أزمات وأحداث متلاحقة .. !

– إذن يا سيدي، الغربة ، يمكن أن نقول عنها  أمر ونتاج طبيعي ، الخروج من دائرة ضيقة إلى دائرة أوسع ، البحث عن الحقيقة ، والبراحات الشاسعة ،  وحرية التعبير .. !

نعم ، وربما تفيد الشاعر ، وتفيد الفنان ، ربما تفيد الإنسان عموماً .. أحياناً تُفرض عليك ، وأحياناً تخرج أنت طائعاً باحثاً عن الرزق، أو باحثاً عن حلم ما ، وربما رغبة في التشرد ؛ فكثيرون من الفنانين والرحالة الأوربيين يتيهون في عالم كبير من حولهم .. كذلك الرحالة العرب ، مثل ابن بطوطة ، وغيرهم من الرحالة المشهورين ، أعتقد أن غرضهم كان أن يروا وأن يمتعوا ذواتهم ، أن يعمقوا معرفتهم بالآخرين ، وأن يضيفوا إلى تجربتهم .. وهكذا استطاعوا أن يتركوا بصماتهم ، وأن يخلفوا ما خلفوه من آثار …

 ثم صمت ، تثاءب ، سعل سعلتين ، ثم بدأ يُداهِمُه النُعاس مرة أخرى ..

حينها كانت أصابع كفي تطوق جبيني ، أحدق في النقطة الضوئية المصطدمة بالحائط ، وثغري تتشكل فيه ابتسامة من فرط الدهشة ، بقيت هكذا بُرهة من الزمن ، وبقي هو صامتاً كأنما يناجي تحانيس النوم ، وبدا الزمن بيننا يمضي مهرولاً على عجل …

يُتبعـ

تعليقات الفيسبوك

تعليق واحد

  1. After i initially said We clicked on the exact? Notify me personally anytime brand new remarks usually are additional? checkbox and today whenever a remark is actually more We obtain 3 e-mail using this also remark. Can there be in whatever way you may get rid of individuals whereby support? Observe ya!

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

مَقتلُ ناوكا

    (1) الجثةُ مسجيةً على الكرسي، مُمدِّدةٌ أطرافَها، باردةٌ وقد بدَت بعض التورُّماتِ الطّ…