ما قبل ما قبل الأخير (2)

ترجمة واعداد : ناطق خلوصي :

تُعد الواقعية السحرية  من أكثر الموضوعات شيوعا ً في البحث والمناقشة مع أخذ تاريخها ونظريتها بنظرالاعتبار .لقد كانت بدايتها في الثقافة الأمريكية اللاتينية وأصبحت معروفة عالميا ً في الوقت الحاضر بفعل صفاتها المميزة ، وبين أعمالها ما بنافس بعض روائع الأعمال في الأدب  الحديث والقديم . وربما سيُعترف بها وتُحترم تماما ً كما هي حال الأعمال الكلاسيكية الآن .

يُفترض ان الواقعية السحرية  بدأت في العام 1935 ، وتجلى عصرها الذهبي بين أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين ، ويمكن أن تُعزى إلى التأثير الاجتماعي والسياسي والأوربي . وخلال عصرها الذهبي قدم الكتّاب الأسبان والأمريكيون اللاتينيون أعمالا ً تضاهي الأعمال الايطالية والفرنسية والانكليزية العظيمة . لقد نُسبت صياغة مصطلح الواقعية السحرية إلى كل من دادلي فتس وفرانز روه ،  ومن الصعب القول إلى أيهما ينسب ذلك على وجه التحديد , وعلى اية حال فانه ليس من المهم من الذي فعل ذلك انما المهم ان الفعل تم انجازه . ذكر البروفيسور أنجيل فلوريس  ان ” تاريخ عالمي للعار ” لبورخس ، يؤشر ميلاد الواقعية السحرية علما ً ان أعمال بورخس مشابهة لأعمال كافكا . وقبل ادراك أهمية الواقعية السحرية كان من المعتقد ان الرواية الأسبانية والأمريكية اللاتينية لم تقدم شيئا ً غير عادي .  لكن الزمن تغير إذ ظهر عدد وافر من الأعمال الكبيرة والمتميزة  من ثقافة أمريكا اللاتينية ونتاجاتها .

ان الواقعية السحرية التي عُرف بها مؤلفو اسبانيا وأمريكا اللاتينية هي مزيج من الواقعية والخيال . ومع ذلك فإن هذا المزيج يقوم على أساس الحقيقة التي تقول ان كل شيء يحدث في العمل هو اعتيادي  وله حضور يومي ، وان أي شيء يحدث ضمن حدود الواقعية السحرية يتم قبوله على انه نمط حياة تعيشه الشخصيات في القصة . وبغض النظر عن المدى الذي تم فيه البحث عن المواضيع أو مدى استثنائيتها ، فإن كل الشخصيات ضمن العمل تتعامل مع الفعل دون قصد . فعلى سبيل المثال لو ان رجلا ً يرمي كرة بيسبول فتتحول إلى نحلة وهي تطير ، فلن يكون هناك ما يدهش حول هذا الحدث، وسيبدو الأمر كأنه شيء طبيعي بالنسبة لكرة بيسبول أن تتحول إلى نحلة . ومع ان كرة kafkaالبيسبول لا يمكن أن تتحول إلى نحلة على أرض الواقع ، فإن الرجل الذي رمى تلك الكرة لن يفكر في ذلك . ان هذه الخصيصة هي واحدة من أبسط الطرق التي تحدد فيما اذا كانت الكتابة واقعية سحرية أم لا ، ذلك ان الواقعية السحرية لا تحتوي  على فعل يُنتج فعلا ً آخر . وليس هناك من سبب يجعل كرة اليسبول تتحول إلى نحلة . ليس هناك فعل أو آلة أو سحر ضروري لحدوث مثل هذا التحول  . وهذا هو الذي يجعل الأدب السحري والرواية العلمية يختلفان عن الواقعية السحرية حيث يكون من الضروري فيهما استخدام فعل أو آلة للقيام بالتحويل .

لقد أصبحت الواقعية السحرية معروفة بفعل تغييرها للطريقة التي يفكر فيها المرء . وبدلا ً من رؤية الاعتيادي والدنيوي ، فإن الواقعية السحرية تُرجع قدرا ً صغيرا ً من الحياة إلى الخيال الذي يثير بدوره ذهن القارىء . ان الواقعية السحرية انصهار الحلم والواقع ، اندماج الواقع مع الخيال ، وشكل من أشكال التعبير عن الواقع القائم مع عدة عناصر خيالية تعتبر طبيعية من قبل القراء والشخصيات على حد سواء . وهذه هي أبسط طريقة يمكن وصف الواقعية السحرية بها . وتعرف الواقعية السحرية أيضا ً باظهارها وجهة نظر مختلفة للحياة والطريقة التي يفكر بها الناس أويتصرفون . أشار لويس ليبل إلى ان الواقعية السحرية لا يمكن أن تتماثل مع أي من الأدب الخيالي أو الأدب السايكولوجي أو السوريالية أو السحر . وهي لا تستخدم موضوعات من الحلم ولا تختلق كلمات كاذبة ، وبالتالي فإن هويتها لا يمكن أن تُحدد كأدب خيالي أو رواية علمية .

انها ليست أدبا ً سحريا ً كما قد يوحي اسمها للوهلة الأولى . وبلا ً من أن تقدم رقىً سحرية لكي تخلق أوضاعا ً معينة  فإنها تعبر عن هذه الأوضاع فقط . وهي لا تشابه أساليب الكتابة الرئيسية التي تحاول أن تغير المشهد المثير أو تهيمن عليه .

تمس الواقعية السحرية كل مظهر من مظاهر الحياة . فمن الفن إلى التلفزيون ليس ثمة ما يفوتها . وعندما ينظر المرء إلى إلى رسم ما ويدرك بأن هناك  ما هو أكثر بكثير من مجرد صورة شيء جامد على قماشة اللوحة ، فإنه يفهم فن الواقعية السحرية . وبسبب هذه الواقعية ، ارتفع الرسم إلى مستوى جديد ، ولم يعد يتوجب على الناس أن يرووا  قصة بالكلمات . ان لوحة واحدة تستطيع أن تنطق بآلاف الكلمات حتى وإن كانت رسما ً لسلة فاكهة أو مزيجا ً من الألوان مخلوطة بصورة عشوائية . وأصبحت الواقعية السحرية عاملا ً في الموسيقى أيضا ً ، وبسبب دورها في صناعة الموسيقى ، أصبحت الأغاني أكبر بكثير مما يمكن أن تبدو عليه . ان المقاطع الافتتاحية ضمن كلمات الأغاني الشعبية يمكن أن تغير الطريقة التي يدرك فيها المرء معنى الأغنية الاستهلالي . ويمكن للأغاتي أ، تثير ذهن المستمع أو تميزه بل وحتى تركز انتباهه .  وربما كان للواقعية السحرية في الموسيقى التأثير الأكبر على الجماهير . وعلى الرغم من أن أغلب الناس  قد لا يدركون انهم تأثروا بالواقعية السحرية فإنهم يتعاملون معها كل يوم في الواقع .

ان الخيال والسحري وما فوق الطبيعي والواقعية ، كلها أجناس قد تكون مألوفة للناس ، لكن الواقعية السحرية كجنس قد لا تكون كذلك . وعلى الرغم من انها شائعة في الغالب في بلدان أمريكا اللاتينية، فقديتساءل المرء عن مكان وكيفية ظهورها وعن بعض خصائصها . ويمكن الاجابة على بعض هذه التساؤلات بالقاء نظرة على تاريخها ونظريتها إلى جانب بعض خصائصها وتأثيراتها .

borkhesاستخدم مصطلح ” الواقعية السحرية “لأول مرة في العام 1925من قبل ناقد الفن الألماني فرانز روه. ففي مقالته المعنونة ” الواقعية السحرية : ما بعد الانطباعية “، استخدم هذا المصطلح ليميز في الواقع اسلوبا ً في الرسم بدلا ً من اسلوب في الأدب . وعلى أية حال فإن هناك الآن رؤيتان مختلفتان حول مكان وزمان ظهور البداية الفعلية للواقعية السحرية . ففي مقالته المعنونة ” الواقعية السحرية في أدب أمريكا اللاتينية ” يدّعي انجيل فرانس ان الواقعية السحرية ترتكز على أعمال فرانز كافكا . ويذهب أبعد من ذلك فيعتقد ان العام 1935 كان العام الذي وجدت فيه الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية على يد بورخس في بوينس آيرس . وبعد ظهور أعمال بورخس بدأ  عدد من الكتاب الآخرين يحاكون اسلوبه مسجلين بداية شعبية للواقعية السحرية في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين .  ولا يتفق لويس ليبل مع وجهة نظر فلوريس . فهو لا يعتقد بأن الواقعية السحرية تطورت خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين أو انها ظهرت من خلال أعمال بورخس في العام 1935 . وحيث ان ليبل لا يرى ان بورخس هو الذي بدأ هذا الشكل الابداعي ، فإنه لا يرى في أعمال كافكا أساسا ً للواقعية السحرية . وبدلا ً من ذلك فإنه يؤكد ان ” أرتورواوسلار بيتري ” كان الكاتب الذي طور أسسها حين استخدم تعبير روه لوصف الأدب . ويقول أحد المصادر ان الواقعية السحرية لم تصبح مصطلحا ً يستخدم من قبل القراء والكتاّاب قبل ستينيات القرن العشرين .

وبالاضافة إلى الاختلاف حول تاريخ الواقعية السحرية ، فإن ثمة خلافا ً حول التعريف الدقيق  لها . ففي الاشارة إلى الفن استخدم روه المصطلح ليصف أعمال ما بعد الانطباعية التي جعلت ما هو اعتيادي يبدو كأنه غير اعتيادي . وأشار أنجيل فلوريس إلى ان الواقعية السحرية ” تحول العادي واليومي إلى مروع وغير واقعي ” . لذلك ، وطبقا ً لفلوريس فإن أحد تعاريف الواقعية السحرية يمكن أن يشير إلى شيء يقع بين الواقع والخيال . وفضلا ً على ذلك فإنه يتوجب على شخصيات القصة في الواقعية السحرية ، بالاضافة إلى القارىء ، أن يتقبلوا غير الواقعي على انه طبيعي .

وعلى العكس من ذلك ،  عرّف ليبل الواقعية السحرية كـ ” موقف من الواقع يمكن أن يتم التعبير عنه بأشكال شعبية أو ثقافية  ” . ويتفق ليبل مع رأي روه بأن الواقعية السحرية تكشف عن الغموض الكامن وراء العالم . ويبدو ليبل ميّالا ً للاعتقاد بأن تعريف فلورنس للواقعية السحرية يستند وبشكل كبير على الجانب الخيالي .

وحين  لا تتوفر الواقعية السحرية على تعريف دقيق ، فإن لها غرضا ً عاما ً ومألوفا ً . فبالنسبة إلى روه فإن غرضها يتمثل في ” النظر إلى العالم بعيون جديدة ”  . وبكلمة أخرى ان الواقعية السحرية تحاول أن تعطي منظورا ً جديدا ً للحياة ، مانحة ً الأشياء ” معنى ً أكثر عمقا ً ” . ونتيجة ً لذلك فإنها تأخذنا إلى إأبعد من مستوى مجرد ” رؤية للوجود ” إلى مستوى أعلى لـ ” الاحساس بالوجود ” . ويتوافق مع هذه الفكرة رأي أماريل تشاندي القائل ان “مفهوم اللامألوفية وثيق الصلة بشكل خاص بالواقعية السحرية ” . ان هذا يؤكد إلى حد بعيد الغرض من منح القراء طريقة تنويرية جديدة للنظر في الأشياء الاعتيادية في الحياة .

ولتلخيص بعض خصائص الواقعية السحرية ، فإن على المرء أن ينظر اولا ً إلى الخصائص الفردية لما يعتبر سحريا ً ولما يعتبر واقعيا ً . ففي الأدب السحري الذي ظهر في أمريكا اللاتينية في أواخر القرن التاسع عشر ، كان الهدف هو اثارة العواطف بخلق عوالم خيالية للهرب اليها من العالم الواقعي . وعلى الضد من الأدب السحري يقف الأدب الواقعي الذي ظهر في أمريكا اللاتينية  في أواخر الفرن التاسع عشر هو الآخر . ان الأدب الواقعي يقوم على حقائق الأشياء في الحياة وتمثلاتها الدقيقة أكثر مما يمكن أن يصوره الخيال . وكما أشار روه في مقاله ، فإن الواقعية السحرية تقع بين حدين . ويقول مصدر آخر انها تدمج الواقعي والخيالي أحيانا ً وهي تفحّص لخصيصة الوجود الانساني  ونقد ضمني للمجتمع، وللنخبة فيه بشكل خاص . وفضلا ً على ذلك فإنه بينما تلتصق الواقعية السحرية بالواقع ، فإنها ليس عليها أن تبرر لماذا تظهر الأحداث الغريبة أو لماذا يمكن للشخصيات أن تتصرف بالطريقة التي تفعل بها ذلك .

وعند البحث عن موضوع الواقعية السحرية ، قد يتناول المرء ما الذي ترك تأثيرا ً في بعض خصائص الواقعية السحرية وفي أشهر الواقعيين السحريين أمثال غابريل غارسيا ماركيز . وبحسب فلوريس فإن الظروف الاقتصادية والاجتماعية غير المستقرة التي كانت سائدة في أسبانيا وأمريكا اللاتينية تبدو أسبابا ً رئيسية جعلت الأدب يقع بين الواقع والخيال .وهناك بالطبع الكثير من التأثيرات الأخرى في حياة الكاتب مثل العائلة وظروفها ، تكون قد أسهمت في بلورة خصائص الواقعية السحرية أيضا ً .

في الواقعية السحرية ، كما يقول لويس ليبل ، يواجه الكاتب الواقع ويحاول تفكيكه ليكتشف ما هو الغامض في الأشياء وفي الحياة  والأفعال الانسانية . وهو يرى  ان الواقعية السحرية أكثر من أي شيء آخر ، هي موقف تجاه الواقع ويمكن التعبير عنها بأشكال عادية أو ثقافية ، بأساليب معقدة أو بسيطة ، ببنى ً مغلقة أو مفتوحة . وطبقا ً لذلك يمكن تعريف الواقعية السحرية بأنها ” اكتشاف للعلاقة الغامضة بين الانسان وظروفه ” . انه يفصل الكتّاب الذين يشعر انهم ” خياليون ” عن عالم الواقعية السحرية  . ومعان ليبل يجد نفسه في مواجهة بعض ادلة روه وفلوريس ، فإنه لا يتفق معهما في الغالب .

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…