حسين

حسين إدريساي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

لطالما كنت أعتبر الانتظار جريمة من الدرجة الأولى ينبغي أن يعاقب مرتكبها في محاكم الحب بأن يجلد بثمانين وردة وبأن يكتب مائة قصيدة حب !
في الانتظار نحن نتخشب نفقد ليونتنا وإحساسنا بالوقت والمكان ..
تتفحم الساعات ..
وتمشي الثواني بخطى مشلولة عرجاء ..
نصاب بلعنة الهشاشة والتربص ..
ونفقد دهشتنا البكر الأولى ..
رذاذ عطر بسيط قد يدير رأسنا ..
صورة مركونة منذ أزل قد تفتح صنبور أدمعنا ..
كنت عالما بكل تفاصيل الوجع ..
وكنت موغلا في غيي ..
وهكذا وبكامل وعيي وجنوني وقعت طائعاً في فخ انتظارك الفاغر فاه ..
طقوس ساديتك قد ابتدأت ..
فهلا شرفت ؟

بمقعد خشبي بارد ..
ونافذة تطبطب على الوجع ..
وحيداً بداخل مقهى ..
أرسلت بصري ساهماً إلى الخارج ..
سعاة البريد بملامحهم الدافئة وإرهاقهم اللذيذ يسابقون الريح متحسسين قلوبهم بين الفينة والأخرى ..
أشجار الصفصاف الهلعة من ظلها تنظر إلى ساعات معصمها مترقبة مجيء الحطاب بوجل واستسلام ..
عربات طائرة تجرها أحصنة فاخرة بداخلها كونتيسات رقيقات أمسكن بمرايا للتبرج بيد وبالأخرى أمسكن رسائل الحبيب بيد من حديد ..
مجموعة من الاسكندينافيين بشواربهم الكثة وهم يقتتلون بخناجرهم الصغيرة المقوسة ..
عدد لابأس به من رعاة البقر وهم يطاردون هنوداً حمراً بحبال ذات أنشوطتين ..
وكان كريستوفر كولمبوس يبتسم مغتبطا ..
هل كنت أحلم ؟
كولومبوس يجاورني في الطاولة !
– تشرفت بمعرفتك سيدي ..
– هيللو ياصاح ..
العالم الجديد كان نقمة أليس كذلك ؟
– أمريكا تدس أنفها كثيرا وتروج لديمقراطية كاذبة !
– ما ذنبها فحكامكم يعبدونني ويعبدونها !
– ولكن .. !
– لا ضغينة يا عزيزي ولنفترق أصدقاء ..
أتود المجيء معي لنكتشف خرابا أكثر ؟
– أنا .. لا أظن .. حسناً .. إنني أنتظر إحداهن ..
– أواه يا صغيري البائس أشفق عليك من نار الحب ومقصلة الترقب !
– وداعا كولومبس سأوافيك لاحقا ..
– وداعاً صغيري !
– كونت دراكولا ؟
– بشحمه ولحمه !
– لم أتعرفك للوهلة الأولى ..
أصحيح ما يقولونه عنك ..
تكره الثوم والصلبان ..
وتخاف المرآة !
– لا تصدق كل ما تسمعه ..
أنا فقط أخاف من ظلي !
– أتمتص الدماء ؟
– نعم فالدم كلمة نبيلة !
هلا امتصصت دمي فأرحتني ؟
– لا فهذه الأصناف من القهوة المرة لا تروقني البتة ..
أنت عاشق يا صغيري ودمك يغلي فيه سم الانتظار !
– أرجوك ..
– لا والآن فلنفترق أصدقاء هل تأتي معي ؟
– إلى أين يا كونت ؟
– إلى قلعتي ففي الصباح تكون سيداً مهذباً وفي الليل خفاشاً وضيعا ..
هلم أترك غطرستك وكن خفاشاً مستوحداً مثلي !
-أنا .. لا أظن .. حسنا ..
إنني أنتظر إحداهن ..
– هارب من الألم ومستجير به
فتى مسكين !
– وداعا كونت سأوافيك لاحقا ..
– وداعا فتاي المسكين !
– نيل ارمسترونج !
– صه ..
فأنا أراقب ثقباً أسوداً هائلاً !
– مرحى ..
عرفتك بخوذتك الفضية !
– لديكم انحباس حراري وروحي هائل !
– فاتك الكثير لقد حسبتك ميتاً يارجل
أين كنت بحق الله ؟
– في القمر أكتب تقاريراً من ناسا !
– قل لي بربك هل رأيت طيف امرأة يرقد باسترخاء على ظهره ؟
– لا ألاحظ مثل هذه التفاصيل الوردية عادة فقلبي أصبح نيزكا متحجرا !
– ولكن ..
– هلم معي ولتكن روبوتا آليا ..
وسأختار لك نجمة متوهجة !
– أنا .. لا أظن .. حسنا ..
إنني أنتظر إحداهن ..
– ياللفتى المسكين يسير إلى حتفه على رؤوس أشواقه ..
ولا يدري أنه لا يدري !
– وداعا أرمسترونج سأوافيك لاحقا ..
– وداعا أيها الجرم السماوي الحالم !
– بودلير !
يا إلهي أي رياح طيبة ألقت بك هاهنا ..
نخبك يا أستاذ الرمزية الأوحد ..
بونسوار يا ملك الضاد وشيطان القصيد !
– رويدك يا صاح فأنت تفسد عزلتي وتنفر أغنام وحدتي !
– كان غيابك قاسيا أنت وهوغو وفولتير !
– فولتير كان أحمقا وسيزال !
– سمعت أنهم حاكموك ؟
فبماذا قتلوك ؟
– بالشعر أعدموني ..
وبالشعر ذاته هزئت بكبريائهم وانبثقت من العدم !
– تباً لأعداء الجمال والبيان !
– قصائد الشر بيدي ..
ليست جيفة سوداء من شعر هذه الأيام ..
ولا تزال ساخنة هلم بنا نلتهمها سوية !
– أنا .. لا أظن .. حسنا ..
إنني أنتظر إحداهن ..
– إذن تقتص بيديك العاريتين مراسم الذل !
هذا شأنك وحدك ..
سأنتظرك في متحف اللوفر ..
يستهويني الجمال الصامت أكثر !
– وداعا بودلير .. سأوافيك لاحقا ..
– وداعا أيتها المرثية الدامعة !
– بيتهوفن !
أعلم أنك لن تسمعني ..
ولكنني أحب موسيقاك العذبة !
– حياتنا عبارة عن مقطوعة متكاملة ..
ومفاتيح البيانو بها الأبيض والأسود !
– معك حق لابد من عزف بعض المفاتيح السوداء كيما يستقيم اللحن ! 
– هلم معي إلى الأوبرا نعزف السيمفونية التاسعة سوية بصحبة سينيور باجانيني في الأوبرا السويسرية !
– أنا .. لا أظن .. حسنا ..
إنني أنتظر إحداهن ..
– أتعلم ما هي النغمة النشاز ؟
– سلم موسيقي مكسور ..
– بل موعد مع امرأة لن تأتي !
– وداعا بيتهوفن .. سأوافيك لاحقا ..
– وداعا أيها اللحن الأسيف !
وهكذا ..
مبللا بالصمت واللاشيء ..
أويت إلى ركن قصي وأنا مدرك أنه لن يعصمني مطلقاً من الدمع وطوفانه ..
رحت أحك جلدي بعصبية كمجذوم لم يتقبل أقداره كما ينبغي منشداً أبياتاً لأوفيد ..
وطفقت أتذكر ساخطاً ..
كيف هزئت بأحلام كولومبوس واغتبت أمريكا ..
دنست الدماء في حضرة دراكولا ..
وضحيت بمكوك فضائي فاخر برفقة أرمسترونج ..
قاومت الإغواء الأخير لبودلير وقصيده الفاخر ..
و أعلنت إلحادي بالموسيقى والحياة بقرب أذني بيتهوفن الخامدتين المرتجفتين !
كانت كوميديا سوداء اقترفتها وإثم لو تعلمين عظيم !
وهكذا بغباء سافر ..
كفرت بخمسة أنبياء وبكتبهم وأسفارهم مؤمنا بشمسك وحدها ..
طعنت فراستي في مقتل وألقيت نفسي في بئر انتظارك بكل مغبة ..
فهلا انتشلتني قافلة حضورك ؟
هلا أتيت ..
يا أنت ؟
هل ؟

تعليقات الفيسبوك

تعليق واحد

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

لا يموت الشاعر

الشاعر: عمار شرف الدين يفضل غفوة كتابةٍ أبدية يعالج فيها نصاً أرّق حياته  تصلح غفوته الطوي…