ميرغني

بقلم: ميرغني أحمد

 

     في لحظة تعادل المدة التي نحتاجها لفرقعة الأصابع عبرت الفضاء إلي كوكب مهجور، كوكب يخلو من كل شيء الا القلق؛ هل تعرف ماذا أعني بالقلق؟ القلق أن تكون هنا وهناك في آن، تختلق أحداثًا لا وجود لها باستمرار لا نهائي! أول سبع أشهر شعرت أن جسدي سينهار ويأخذ شكل علامة استفهام ويتصلب هكذا أو يتحّول إلي شجرة صبار. أما الاستفهام فمن هول الاسئلة الصادمة التي لازمتني طوال السبعة أشهر، وأما شجرة الصبار فلأنها الشيء الوحيد الذي كنت استند علية حين يسقطني «ثقل السؤال» وأظن أن جسدي هذا وفيًا بما يكفي ليفكر مجرد (يفكر) في نهاية لطيفة تعبر عن امتنانه للصبار، لكن لم أمت ظل جسدي متماسكاً سبع سنوات أخري!

     في أول صباح من السنة الثامنة سمعت فجأة أغنية لويس ارمسترونغ what a wonderful world سمعتها بوضوح مذهل، من فرط الفضول تتبعت الصوت إلي أن وقفت في حافة الكوكب؛ رأيت الارض للمرة الأولى منذ سبع سنوات في الفضاء الفسيح، شيء يشبه السحر، حدث حينها ما يلي:

     حروف النوتة الموسيقية للأغنية تعبر المسافة من الأرض إلي حيث أقف، ثم تتراقص أمامي كسرب من الفراشات، ثم تعود من حيث أتت ثم تعود من جديد، لم أنتبه كثيراً مع صوت  أرمسترونغ الخرافي، ولا مع هذه الظاهرة الغريبة، بل بالذي يسمع الأغنية من يا تري هذا الحالم الذي لا يعرف ان العالم بألف وجه قبيح، وأن الاستماع إلى الأغنيات والإيمان بها سيكلفه عمراً من السذاجة والوهم!

     فكرت في الصراخ عسي أن يسمعني ذلك الحالم الذي لا أعرفه، ثم عزمت على الأمر وصرخت بكل ما أملك من قُدرة: “لا تراهن على الحياة والأغنيات”، ردد الصدى عبارتي ببطء سبعون ألف مرة في ثلاثة أيام كاملة رد عليّ في اليوم الرابع أحدهم بصوت غاضب بلغة آسيوية :” “死吧你這混蛋可怕

     أذكر أنني انسحبت بهدوء إلي شجرة الصبار، استندت عليها أشتكي لها وقاحة الناس واضرب الأمثلة التي لا تنتهي، سبع سنوات أخري استهلكتها وانا هكذا اثرثر دون توقف. لاحقاً ماتت شجرة الصبار، شيعت جثمان شجرة الصبار في جنازة مهيبة حضرتها كل استفهامات الكون! لحظة موتها همس السؤال الأكثر رعباً في أذني: “ليقف جسدك هنا دون سلام، ولتكن روحك أبدية الألم! غيبوبة عميقة سحبت جسدي إليها وجمدته؛ ظل عقلي نشطاً بما يكفي ليهذي: “على صدري فتاة تبكِي وترتعد طوال الليل، صاح دِيَك الصباح تحولتْ إلى ذئب، اخترقتْ أشعةُ الشمسِ النافذة تحولتْ إلى عقْرب، فركتُ عينايَّ جيداً ثمّ أبصرتُ بإتساعِهِما العقرب يحترقْ”. لقد كان أمراً ثقيلاً عليّ، مُلتصِقاً بالجدار مرعوباً ببطء، هرعتُ للنافذة، تلاشتْ فجأة وتحولتْ الغرفة لقفص حديديّ ضخم في كلِّ ركن أسد وفي منتصفه بُركان، تتدَلَّى من سقفه ثعابين. هبت ريح صَرْصَرٍ عاتية، قذفتني خارج القفص، لكن وجدتُني في جُحرٍ ضيق، بجهدٍ عسيرٍ حاولتُ الخروج، فشلت، بقيتُ هكذا عِدّة سنوات، ثُـمّ زِلزَالٌ عظيم تسببَ في إنقاذي، ركضتُ كمن يهرب من فَمِ الشيّطان، ركضتُ، ركضتُ، ركضتُ، ثُمّ سقطتُ بقوةٍ في فجّوة عميقة وجدتُها مقبرة جماعية لـِجنُود، هياكل عظميّة بملابس عسكريّة سالمة لم تتمزق! كيف؟ لا أعرف! ولم أكن أمتلكُ قوةً ولا عقل للتفكير .. ثُمّ وابل من الرصاص انطلقَ من بنادقِ الهياكل العسكرية، سبعون ألفَ رصاصة حوّلت جسدي إلى قماشٍ مُمَزق انهكته السنين.

     انطلقت من حُنجَرتي صرخة هادِرة تُشبِه صرخة مجموعة ديّناصورات هائِجة ردَّدَت الجُدران صرختِي بـِشماتة، انفِجار كبير لألغام أرضية لفظَني خارج المكان كشظيّة لاحولَ ولا قوةَ لها، بجسَدٍ مُمتَلًئ بِثقُوب لا تنزِف سقطتُ بقوة في غابة ممتلئة بمصاصّي الدِماء، رأيت بعين مرهقة: أُمي تخبِز أصابِعها لهُم وتبكي بحُرقة .. أبي يُنظِف لهُم المكان القذِر بالدِماء .. انتبهوا لوجُودي، ضربُوني دونَ أن أشعُر بشيء، ثُمّ قالَ كبِيرَهُم لِصغيرَهَم اشربْ من دَمِ هذا الغريب. حاولتْ أُمي الدفاع عنّي، ضربُوها في رأسِها بِقسوة، حاولَ الصغير امتِصاص دمي مراراً وتكراراً .. لم يَجِد ولا قطرة .. سقطَ مغشيّاً عليه ثُمّ أنفجر. قالَ اكثرَهُم علماً إنّ في جَسَدِ هَذا الغريب مادة خطيرة كلّ من يقترِبُ منه سينفجِر، ابتَسَمتْ والدتي، وسجدَ والدي شكراً وحمداً وهربَ مصاصِي الدماء بِهلع.

     ظهر من العدم صديقاً ما، عانقني؛ انفجر! بعينٍ مُلتاعة اقتربَ صديق آخر من بقَايَاه ثُمّ حاولَ أن يقتُلَني ما أن اقتربَ بِما يكفي، مسكتُ يَدَه أنفجرَ هوَ الآخر! ثُمّ، ثُمّ، ثُمّ «أستيقظت» كمن لم ينم منذ عدة أيام، أووووه كانتْ ليلة قاسيّة، لا أذكر كم مرة متُّ فيها..

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

الوطن في الأدب

بقلم: برعي محمد قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأنن…