hqdefault

بينما أنا جالسة أفكر.. وقعت عيني عليها.. ملتفة حول نفسها بشكل ثابت صغيرة هكذا محتمية بصفقاتٍ خُضر لم تأذن لنفسها بمواجهة الحياة بعد.. وكذلك فعل قاطفها.. كانت من بين عدد من الأزهار المقطوفة حديثاً إختلفت في أحجامها و أشكالها وحتي نضرتها.. وضعت بشكل منتظم على مزهرية مُلئت بالماء حتي منتصفها.. أصدقكم القول أن المجموعة بدت لي رائعة في جمالها حتى إنتبهت إلى تلك الزهره التي لم تتفتح بعد.. فسألت نفسي “كيف كانت ستبدو؟ ماهو لونها؟”.. لم تصمد هذه الأزهار داخل تلك المزهرية كثيراً.. في اليوم الثالث جئت أطالعها فوجدتها ذهب عنها رونقها.. بهت لونها.. وجفت.. فقدت الحياة.. بدى منظرها بائساً.. بحثت عن الزهرة الصغيرة وجدتها على حالها قويت على الحياة قبل مواجهتها.. حين رأيتها إستحضرت المومياء في خاطري.. أجل المومياء.. فهذه الزهرة دون الأخريات إحتفظت بهيأتها الأولى رغم جفافها.. رغم أن خضرتها جافت الحياة.. إلا أنها ظلت ملتفة حول نفسها تحجُب عنّا سرها.

أحياناً يأخذني مشهد بعينه بعيداً إلى عوالم في داخلي.. فأجدني مندهشة لكم المغالطات التي أعايشها.. فكان لباقة الأزهار تلك بعض من هذا الأثر عليّ.. فتساءلت عن قيمة الحياة التي تحملها زهرة على غصنها مقارنة مع تلك المقطوفة.. وما إذا كُنا بحثاً عن متعتنا البصرية وسعادتنا اللحظية نتجنى على بعض أشكال الحياة الموجودة معنا.. أو ربما إفتراضنا الراسخ بأننا “البشر” أساس هذه الحياة ومادوننا خلق لإسعادنا.. قد يكون مبرر كافي لذلك.. ساقني ذلك إلى تذكر علاقتي بنباتاتي.. فأنا اجد سعادة كبيرة في الإعتناء بها.. أشعر بوجودها.. وأشعر أيضا أنها تبادلني فيض إحساسي تجاهها.. وهو شئ ربما لا نجده مع باقات الورد.. لا أدري في الحقيقة أنا لم يخطر ببالي من قبل هذا التساؤل ربما لأن خبرتي مع المقطوف من الأزهار كانت صورية.. ولكن تحضرني هاهنا واحدة من أجمل المواقف التي عايشتها مع نباتاتي.. فأدعوكم إلي هذه الزاوية من عالمي..

جلست بالقرب من صبارتي.. وهي نبتة أخصها وتخصني بقدر من الحب.. فكلما إستثقلت همي لجأت إليها.. ذات صباح كنت أحدثها عن إفتقادي لزهرتها.. فقد مضى أكثر من شهرين لم أراها تزهر.. وضعت يدي عليها وأحسست بقوة شوكها.. فقلت لها إكتفي بهذا القدر من القسوة وابتسمي لي.. مرت عدة أيام وكعادتي أحييها كل صباح إلا أنني في ذلك اليوم خرجت على عجالة من أمري وعند عودتي وقعت عيني عليها من عند مدخل الباب.. كانت مبتسمة بحق.. بدت زهرتها من فوقها أجمل ما رأيت.. ربما لصوت تردد في داخلي كان يقول لي أنها أستجابت لحديثي.. وأن هذه الزهرة هي إبتسامتها لي.. أذكر جيدًا خفقان قلبي وقتها لسعادتي.. ربما صادف أنه وقت إزهارها.. ربما تقلب الجو كان عاملًا مشجعًا للإزهار.. كثيرة هي الأسباب التي قد أعود إليها بعقلي.. ولكن قلبي ينظر إليها ويبتسم لا يحتاج لبراهين علمية.. إنها فقط محبتي لصبارتي.

ومابين تلك المزهرية وصبارتي تكمن المفارقة.. تلك المفارقة التي قد لايستشعرها الكثيرون.. فأنا حين طرحت هذة الخاطرة علي أسرتي وبعض أصدقائي.. كان احد الردود وأكثرها وضوحًا “إن قُطِفت ستموت وإن لم تُقطف ستموت فيما الحِجة”.. حقيقة هي أن زهرة صبارتي تظل مزهرة مدة ثلاثة أيام تفتح صباحًا وتنغلق علي نفسها مع المغيب.. وفي اليوم الرابع يصعُب عليها التفتح فتبدأ بالذبول.. ورغم أنها تفقد بريقها تجف وتسقط كحال المقطوفة بالمزهرية.. إلا أن ماتحمله معها عندما تذبل من وعد بالإزهار مرة أخري هو مايصنع الفرق.. أمل الحياة الموضوع بقلب النبتة هو ما يربطنا بها.. وليس حسية جمال أزهارها.. قد أجدني اليوم أقرب بكثير لفهم قول إحدي صديقاتي بأنها لاتحب باقات الورود.. عن نفسي وإن رأيت فيها جمالًا إلا انني أري قيمة الحياة ووعد الأمل أجمل بكثير. 

وعليه إلي من تحدثه نفسه بأن يهديني باقة ورد.. فلتهديني شتلة.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

دخان

يا عين يا عنية يا كافرة يا نصرانية.. عين الفتاة تقد الوطا.. عين الصبي سيفاً مضي.. العين مس…