images

طلال الطيب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

بعد أن أغلقت الأبواب والنوافذ وأطفأت النور الذي يقهر طيف الشتاء البارد ويجعلني أشعر بأني قزم يعيش في جبال الشمال .

تدثرت بغطائي واستغفرت الله ؛ لأني لم أصل العشاء ولا الصبح لأن الماء بارد .

تخيلت وادي (ويل ) وعشرات الجثث التي تفوح منها رائحة شواء خبيثة والنار تلفح وجوههم وتفجر أدمغتهم . وبعدها تخيلت الجنة .

لم أرى خضرة ولا أنهار من لبن وخمر في هذه الأيام الباردة لا أحد يحلم بأنهار قد يجدها باردة إن غمرت قدميه أو هبت من ناحيتها الرياح .!

ورأيت فقط ضوء شمعة وغرفة نوم كبيرة وكنت أنام في سرير كبير تحسست جانبي الأيسر فلم أجد إمرأة وبحثت في جانبي الأيمن فلم أجد إمرأة , وكان علي فقط أن أشتهي النور حتى تشتعل عشرون ألف شمعة وعشرات القناديل التي في القصر .

بحثت في كل الغرف والشرفات فلم أجد إمرأة لكني وجدت الدفء , رضيت بقصر من حجر على الطراز القديم فيه آلاف الشموع على أن أحلم بامرأة قد تجري في عروقي بدلا عن دمي , وعندها أدرك بأنها تسرق مني الدفء وتترك لي الوهم البارد .

جلس بجواري وقال : لقد مت إنهض الآن .!

أردت أن أزيح عني الغطاء حتى أراه ,لكن أصابعي الطيفية مرت من خلاله كلما حاولت مسكه , فنهضت عن جسدي فرأيتني عاري تماماً .

أكره أن أكون عارياً فوضعت يداي على عورتي .

إبتسم قائلا : أنا سوف أعود إليك لاحقاً .

وكأنه تذكر شيئاً : لا تستحي وأخرج إلى الشارع .!

جلست على فراشي بجوار جثتي التي كنت أحاول الإختباء بها من البرد , مددت ذراعي العاريتيين فلم أشعر بالبرد , قربت أنفي لأبطي فلم أشم شيئاً , وضعت أنفي على فم جثتي . لاشيء ! واكتشفت بأني لا أتنفس .!

ومررت خلال باب الغرفة الحديدي , وخرجت إلى الشارع ! رأيت الكثيرون من أمثالي , عراة حفاة لا يشعرون بالبرد والنعاس .

يمشون ويثرثرون , كنت أنظر إليهم بدهشة وكنت أغمض عيني إذا رأيت إمرأة أو رجلا , وكانوا عندما أصطدم بهم ينزعجون وينصحوني بأدب : لا تغمض عينك وأنت تمشي حتى لا تؤذي أحداً .

إستطعت أن أجد طريقاً خالياً من أي أحد , وبعدها أخذت أنظر للسماء التي بدت مثل بحر مليء بالذهب والفضة والنار والأصوات .

كنت أسمع أصوات الكواكب وهي تدور , جعلني ذلك أظن بأن الكون يعمل مثل ساعة سويسرية !

أين الملائكة التي يفترض بها أن تأخذني ؟

تذكرت ذلك الشخص الذي قال لي بأنه سوف يعود إلي .بينما أنا أمشي مستمتعاً بكوني شبح خفيفاً مثل الهواء , نبح في كلب وابتعدت عني هرة وأفزعت دجاجة نائمة !

شعرت بأني لا زلت موجوداً ولو قليلاً ولا زلت محتفظاً بالأسئلة الكبرى .

لا أعرف ما الذي دفعني للركض إتجاه مستشفى الخرطوم كنت أركض مثل سوبرمان والذين كانوا يرونني كانوا يلوحون بأيديهم ويشجعوني على الركض أسرع ,ركضت فوق سطح النهر وبينما أنا أنظر لسطح الماء الأسود تذكرت أغنية فرقة كولد بلاي .

Waiting for the end to come.

Wishing I had strength to stand…

This is not what I had planned…

It’s out of my control….

كانت الأغنية تتكرر في داخلي حتى عبرت من خلال البوابة المغلقة ودخلت المستشفى .

حاولت أن أقنع نفسي بأني أبحث عن أحد أصدقائي الأطباء الذين لم يفروا بعد من البلاد , لكني كنت أبحث عن شيء آخر !

وبينما أنا أصعد أحد السلالم وأحاول أن ألج إحدى الغرف ناداني : هييه من هنا !

إنه هو الآن أراه بوضوح رجل أربعيني وسيم يرتدي ملابس أنيقة مثل ذلك المطرب الذي سجد له بعض الشباب !

أشار إلي بأن أدخل , فعبرت من خلال الباب _وأصبح الأمر أسهل _ إلى داخل الغرفة , فرأيت بنت سمراء متصلة بعشرات الأجهزة والأنابيب البلاستيكية اللامعة .!

لم تكن جميلة جداً , ملامح وجهها عادية لكنها تبدو ذكية وطيبة .

أمسكت كفها فأمسكت بأصابعي وتمتمت : أبي ؟

وعندما أرادت أن تنهض , نهضت بشعر كثيف وصدر عار وعندما رأتني تركت يدي وأغمضت عينيها , لم تدرك بعد بأنها عارية مثلي !

وابتعدت عنها قليلا فقال لها ذلك الرجل الأنيق : أنت ميتة الآن !

ونظر إلى ساعته وقال : سوف أعود إليكما لاحقاً !

أخذت الأجهزة الطبية تصدر رنيناً مزعجاً ورأيت صديقي الطبيب يركض إلى الغرفة فابتسمت .!

هي انكمشت على نفسها بخوف تراقب ما يحدث !

وبعد أن أعلنوا وفاتها ومات الضجيج مددت يدي إليها أساعدها في النهوض , بعد أن شرحت لها كل شيء !

لكنها تمنت لو كانت تستطيع إرتداء شيء ما . لم تصدني وأنا أضع يدي فوق كتفها العاري .

وحكيت لها قصتي فأخبرتني أنها كانت مريضة جداً لدرجة أنها حرمت من المشي لسنوات , لكنها الآن تستطيع أن تمشي بساقيها الجميلتين .!

أخبرتها بأن ما يحدث الآن أن العالم عبارة عن لوحات فانتازية متتابعة مثل فيلم رسوم متحركة , وفيه أنا وأنت نمشي في الطريق عاريين , يداً بيد وكتفا بكتف وكأننا نعرف بعضنا من قبل !

رفعت خصلة من شعرها فوق أذنها وقالت : بدأت أعتاد على كل شيء .

راقبنا الشمس تشرق ونحن نجلس فوق الجسر القديم فوضعت رأسها على حجري وقالت : ألا تريد أن ترى أهلك وهم يبكون عليك .!

قلت : لا الحزن الآن من نصيبهم فقط وبعدها سوف يزول .

_ أمي لن تحتمل فراقي أبداً .

وبدأ الجسر يزدحم بالسيارات والناس فتركناه وجلسنا تحت شجرة بجوار النهر .

سألتني : هل كنت مريضاً قبل أن تموت .

حاولت أن أمسك حجراً وأرميه في الماء لكن أصابعي كانت تمر من خلاله , هي لاحظت ذلك فضحكت :

_ لا أبداً كنت بخير , كنت أمارس لعبة الخيال حتى يأخذني الموت, فما عرفت بأني مت حتى سمعت ذلك الرجل .

وبعد مضي الوقت رأينا الشباب يحتسون الشاي والقهوة ؛ فرأيت بعض ملامح الحزن في وجهها وكأنها كانت تتمنى لو يكون لها ذلك .

فقبلتها على خدها حتى ابتسمت . لا أحد منهم سوف يفعل من دون الخوف من الإعتقال والجلد والإفتضاح .ليس لنا الآن إلا بعضنا .

قلت لها : تعالي نركض !

قالت : أين ؟

_ في النيل .

ركضنا معا فوق الماء استلقينا عليه كأنه فراش مائي , كنا نستشعر عذوبة الماء وكنا نستمتع بدفء الشمس , وبعدها غصنا تحت الماء وسبحنا مثل سمكتين .

وأخذنا نمشي في القاع وإكتشفنا مغارة تحت النهر ينام فيها تمساح عجوز لم يسمع صوت خطواتنا وضحكاتنا ولم يستطع حتى رؤيتنا .

ورأينا صناديق خشبية مكتوب عليها ( إلى غردون باشا )

ووجدت هي فستاناً إنجليزياً وعليه ورقة مكتوب فيها ( من المهدي إلى ملكة الإنجليز ) , عندما حاولت أن تأخذه مرت أصابعها من خلاله .

فقال التمساح : قولي : بسم الله ما شاء الله .

فقالت مثلما قال واستطاعت أن ترتديه . كان غريبا أن لا أكون محتشماً مثلها , شعرت بأني أحد رجال إفريقيا العراة يقف أمام إمرأة متحضرة .

إنزعجت لأني لم أجد شيئاً أرتديه , لم أجد إلا قلادة وضعتها على عنقها فأصبحت تبدو أكثر تحضراً وحشمة .

وبعد ذلك جلسنا معا متكئين على أحد صخور المغارة , نسمع صوت النهر وننظر للتمساح العجوز هو هائل الحجم فعلاً لكنه يبدو مسالماً .

ولأن الفستان الإنجليزي شاسع من أسفله وضيق عند الخصر حاولت هي أن تستر عورتي بشيء منه , كلانا يعلم بأننا لا حاجة لنا بالستر , فأغمضت عيني متوقعاً أن ترمي الثوب وتتخلص منه وعندما فتحت عيني رأيتها تخلع الفستان .

سمعنا صوت شخص يدخل رأيناه يقدم للتمساح بضع سمكات . ثم نظر إلينا فعرفناه وقال : لقد وجدتكما الآن بإمكانكما الذهاب إلى السماء .

بفرح : هل سوف نذهب إلى الجنة ؟

ضحك : لا أعلم لكن يبدو أنكما طيبيين .

هي ودعت التمساح العجوز بقبلة وأنا وضعت رجلي فوق رأسه حتى أشعر بملمس جلده القاسي .

خرجنا من النهر إلى السماء مثل ضوئيين وفتحت السماء وكانت أبواباً .!

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

رواية “بارادايس” ثيمة الرعب والموت

في مساء بارد من شهر أكتوبر، قررت أن أقرأ رواية بارادايس، وفي دمي بقايا إدمان على الإنترنت …