فوزي بسام:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

يحتل الدين مرتبة جوهرية في وجود الإنسان ، حتى إن الكثير يحلوا لهم أن يطلقوا على الإنسان صفة : الكائن المتدين ، و لا أدل على ذلك خير من أن الدين لا يزال المصدر الأول للجدل ، حتى في هذا العصر الذي يُطلق عليه : عصر اللادين ، فحتى من يسمون أنفسهم باللادينيين ، هم في الحقيقة متدينين ، إلا أن تدينهم فاسد ، أي وثني بشكل غير صريح ، أوثانهم في ذلك مختلفة ، تتراوح ما بين : علم ، إنسان ، الطبيعة ، التاريخ ، الحب ، ….. الخ ، أي شيء ، إلا الله الواحد الأحد المتعالي ، الذي يرونه أسطورة دينية –و العياذ بالله-

و لذلك وجب علينا طرح السؤال التالي : ما علة الفساد الديني ؟

إن الدين في معناه هو أن يكون المتدين مدين لإله بوجوده و بحياته ، فلا دين بلا إله ، و على مقتضى هذا التعريف للدين ، يكون الفساد الديني هو الجرأة على الله ، بأي شكل كان ، و بأي مستوى كان ، فالفساد درجات ، و باصطلاح أخلاقي : فك رابط الإخلاص لله …

فالدين في الأصل إذا محمول على الخُلُق ، ذلك لأن المتدين للإله يعتقد بأن إلهه هو أصل كل صلاح لأحواله ، الظاهرة منها و الباطنة ، ثم صلاح كل ما يتعلق به من حوله ، أي بمعنى صلاح كل الكون حوله ، و على هذا الأساس يكون التدين هو الاتصال الوجداني للمتدين بالإله ، الذي يعتقد بأنه أكثر قدرة منه و من وجدانه المجرد ، بمعنى آخر : يعتقد بأنه أكثر تجردا من ذاته العاقلة المتخيلة ، ذلك لأن معنى أن يكون الإله أكثر قدرة منه ، يعني أنه أقل تعطلا منه ، و بالتالي أكثر تجردا منه من عالم الأعطال …

فإن قيل بأن الملاحدة لا يعتقدون بالتجريد ، و بالتالي هم غير متدينين ، بالتالي هم نجحوا في الانفكاك عن الدين ، قلنا بأن الملاحدة يدعون بأنهم تحرروا من أسطورة الدين و الإله بالعلم  –على حسب ادعائهم- ، و على هذا الأساس رفعوا شعار أن العلم قادر على تفسير كل شيء ، و بالتالي أعطوه قدرة لا نهائية ، و اللانهائية في حقيقتها تصور وثني للإله ، فالعلم عندهم إذا ، هو الإله الذي حل في الطبيعة … و هذا هو منتهى الفساد الديني ، لأن الفساد الديني كما قلنا أول المقال ، بأنه جرأة على الإله ، و الذي اشترطنا أن يكون أكثر تجردا من العبد ، و الملاحدة لا يعرفون سبيل إلى التجريد …

و بهذا الشكل يتحول مفهوم الفساد الديني إلى أنه ضعف القدرة التجريدية ، التي تؤدي إلى الانفكاك عن التدين لإله متجرد بذاته ، أو على الأقل إله أكثر تجردا منه … و ما علة هذا الضعف إلا نتيجة ضعف العمل الوجداني ، أو بكلمة أخرى : نتيجة غلظة القلب بإنكار الإله المتجرد أو الأكثر تجردا ، و بما أن الطبيعة لا تقبل الفراغ –كما يقال- ، فمن الطبيعي أن يحاول العقل الصوري أن يملأ الفراغ الذي خلفه هذا التراجع أو التقهقر الوجداني ، فيحل العيني محل الغيبي في المعتقد …

من هنا يتبين بشكل أوضح بأن الفساد الديني يؤول إلى تداخل الغيبيات مع العيني في التصور الوجودي عند الإنسان ، و هذا التداخل هو التجلي العقلي للجرأة على الإله ، و قد رأيناها في ملاحدة هذا العصر بشكل واضح ، فقد قلنا بأنهم يؤمنون بالعلم ، العلم الذي هو موضوع حمله الصوري الصريح . كأنما الملاحدة قد وصلوا إلى مرحلة التطابق التام بين الغيبي و العيني ، و هذا المستوى لم يجرأ على الاقتراب إليه  أحد من الوثنيين من قبل ، فعلى الأقل كانت عند الوثنيين فسحة المعجزات لآلهتهم ، كانت فوق التصور عندهم ، و لا يجرؤون على تصورها خوفا من غضب آلهتهم …

فإذا ، معالجة الفساد الديني يكون بالانتقال من التطابق أو التداخل بين الغيبي و العيني ، إلى فض هذا التطابق أو التداخل ، إلا أننا لو اكتفينا بقولنا هذا ، فسنقع في نفس مشكلة التداخل ، و لكن بشكل آخر ، فقد يفهم أحد ما قولنا : فض التداخل بين الغيبي و العيني ، بأننا نعني جعل الوجود الغيبي في حيز هو خلف حيز الوجود العيني ! و بهذا فإننا في الحقيقة نحمل الغيبيات في حيز صوري ، و هنا نصبح كمثل من خرج من الباب و عاد من النافذة !

فالمقصود بفض تداخل الغيبي عن العيني هو تنزيه الغيبيات عن التصور التحييزي بالمطلق ! … فإن كان الملاحدة قد وقعوا في كبيرة احلال الغيبي في العيني ، فإن الصوفية (أو بعضهم على الأقل) قد وقعوا في نفس الكبيرة ، و لكن بصورة مقلوبة ، فإن كان الملاحدة يقولون بوحدة الوجود عن طريق الحلولية ، فإن الصوفية يقولون بتوحد ذات العاشق (العبد) بذات المعشوق (الله) ، تحت مسمى : “الفناء” !

و لا ندري في هذه الحالة ، أهو توحد ذاتين منفصلتين فيكون الحادث هنا تناقض ، أم هو توحد يفضي إلى تبضع الذات الإلهية ! و لكن الأمر الأكيد أن عملية التوحد هنا هي عملية تحيزية ، تعني بأن ذات العاشق انقطعت عن الزمان و المكان ، فإن قيل أن ذات العاشق انقطعت عن الزمان و المكان ، قلنا بأن الادعاء بأن ذاتين أصبحتا ذاتا واحدة ، هو قول تحييزي ، لأنه وصف صوري …

و لا ينفع بأن يقال بأن التوحد يكون بين روح العاشق و ذات الله سبحانه و تعالى ، بدليل قوله تعالى : “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ” ، لأن الروح بطبعها غيب لا تقبل الحمل الصوري ، فمجرد محاولة تأويل ” مِن ” من الآية الكريمة ، يجر معه تصور تحييزي للذات الإلهية و الذات الإنسانية ، أو الذات الإلهية و الروح الإنسانية ، فإذا وقع هذا ، لم نفهم : أهو تجزيء للذات الإلهية أم هو إحلال لها أو بعضها في الذات الإنسانية ؟! … و لكن الأكيد أننا نعلم بأن المنطق الصوري التحيزي قد تسلل عن طريق ” مِن ” لطغيان عقل الإنسان بالبهتان ، و هذا كله باطل كما سبق و بينا …

و عليه يتبين بأن التزكية النفسية بالعمل الوجداني (أو بلغة دينية : العبادة) ، فمتى ما تزكت النفس ، كبحت جماح العقل الصوري ، فأصبح العقل أعقل مما كان عليه ، من جهة أنه عقل نفسه عن محاولة اختراق ما لا يمكن اختراقه ، و بالتالي أدرك بأن الغيبيات فوق أن تحمل صوريا … و على هذا يمكن فض التداخل بين الغيبي و العيني ، فيجعل الغيب غيبا بحق ، و العينيات عينيات بحق …

فعلى سبيل المثال لا الحصر ، كلنا يعيب على من يعيش غالب الأحيان أو كلها في المستقبل ، و نطالبه بأن يعيش حاضره للتخطيط بما سيفعله في المستقبل ، و مع ذلك لا نقول بأن هذا مبلغ العقل ، بل نقول بأن مبلغ العقل بأن يكون تفكيره استراتيجيا ، أي تفكيره مرنا يمكنه أن يستوعب أي تغيرات غير متوقعة ، لأن العقل السليم يدرك بأن المستقبل غيب لا يمكن التنبؤ بما سيحمله بدقة . فإذا كان هذا الحال مع الغيب النسبي ، أي الغيب الذي يمكن أن يتحقق في عالم العينيات ، فكيف الحال مع مالك الغيب و العينيات و هو غيب مطلق ، من حيث أن كل شيء فان ، “ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ” ؟!

و بهذا يتبين بما لا يدع مجالا للشك ، بأن العقل السوي لا يمكنه أن يتجرأ على الغيب ، بل يجعله مبتدأً له ، أي بمعنى أصح : يجعل آثاره الحاكمة على عالم العينيات مسلمات له ، و يعمل وفق مقتضاها ، لأن حاكمية الغيب على العينيات مطلقة ، فهي كما بلغة أهل الفلسفة : حاكمية العلية على السببية ، و التي لم يفقهها الملاحدة ، و لم يحترمها أهل التصوف ، فجعلوا السببية الصورية تطغى على العلية الغيبية ، فإذا كان حدوث العينيات علته هو الغيب ، من حيث حاكمية الأخيرة على الأولى ، اقتضى على هذا أن يكون علة كل الوجود هو الله سبحانه و تعالى ، حتى الغيبيات من غير ذات الله

فإذا كنا نستطيع أن نتتبع أثر الله في العينيات ، وفق منطق صوري سببي ، الذي هو في الحقيقة وصفي لا أكثر ، فإن تتبعنا لحدوث الغيب من غير ذات الله (إذا صح التعبير) ممتنع عقلا ، لأنه غيب كما سبق و أثبتنا … و إذا كان تتابع الأحداث العينية لا يتم إلا بقوة الله ، حتى ممارستنا لحريتنا على أرض الواقع ، و التي لا يمكننا فهمها بمنطقنا الصوري السببي ، فلا يبقى لنا إلا أن نقر بأنها بقدرة الله ، و قد يمكن أن نقول بأن نفخة الروح فينا هي علة هذه الحرية ، و التي لا ندري ماهيتها و لا كيفياتها ، لأنها غيب … فإن علمنا بوجود غيبيات من غير ذات الله لا يخولنا بأن نقول : لا بتعدد الذوات في الغيب و لا بتوحدها ، حتى لا نقع في فخ التحييز الصوري ، كما رأيناه سلفا …

فإذا ، تعاملنا مع الغيب وجب أن يكون بمنطق التسليم لآثاره العينية ، من حيث كونه علة للأحداث العينية ، بدون السؤال عن ماهيته ، و بدون افتراض وقائع فيه ، إلا ما بلغنا به ، و مع ذلك لا نحاول تصور تلك الأحداث المبلغ عنها تصورا تحييزيا ، كما يفعل أهل الوثنية ، و إنما نسلم بوقوعه من دون كيف و لا كم … و هذا التسليم بهذا الشكل هو منتهى كمال الدين …

فما أخبرنا بحدوثه في عالم الغيب في الحقيقة ، لم نخبر به لكي نصفه صوريا ، بل لكي يكون منبعا قيميا و أخلاقيا لنا ، و بذلك يكون أوله و جوهره “تسليم” … أي بمعنى أنه بدل أن نتساءل عن كيفية حدوث ما أخبرنا به في الغيب ، و الذي لا يسعفنا عقلنا الصوري المحدود في ذلك (كما سبق و تبين في سالف المقال) ، كان من الواجب أن نتساءل عن غاية الحدوث ، فهذه غاية كون الغيب علة للعينيات ، فيكون بذلك تساؤلنا الغائي منبعا للقيم المثلى في حياتنا

لذلك حينما نقرأ ” وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ” ، فإنه من الواجب أن نبتعد عن كل تصوير محتمل للحدث ، و بالمقابل نتساءل عن غاية نفخ الروح فينا ، و معلوم أن معنى الروح في اللسان العربي هي ما بها الحياة ، و الحياة هي الانطلاق في التاريخ ، بروح متحررة منها ، أي بمعنى أن الروح تمنح الذات الإنسانية إمكانية استخلافية من حيث تمكنها من السعي بالأسباب فيها ، فتكون بذلك الإنسانية متمكنة من أسباب التاريخ تمكنا نسبيا ، أي مشروطة بإرادة الله ، إن تاريخيا أو حضاريا (و في هذا تفصيل ، لا يسعنا المقال لشرحه)

فإذا الإخبار الديني عن أحداث غيبية ، هنا وظيفته دلالية لقيم حاكمة في حياة الإنسان ، و من احتكم إليها بالطاعة نجى ، و من أنكرها (كما الحال عند من فسد دينهم) هلك ، فدلالة نفخ الله من روحه فينا ، أنه يمكننا من أسباب الأحداث العينية تمكنا نسبيا (و هذا دلالة ” مِن ” في الآية الكريمة السالف ذكرها) ، لكي نمارس وظيفتنا الاستخلافية تحت مظلة العبادة لزوما (لزوم الطاعة) …

و على هذا الأساس القصدي الدلالي أو الرمزي للإخبار الغيبي ، يمكننا أن ندعي بأن وصف الله لذاته بصفاته و أسماءه ، الغاية منه هو أن يستقي الإنسان من قيمه العليا (باعتباره محبوب المؤمن)

فمن الأخطاء التي وقع فيها المتفلسفة بأن أرادوا تأويل الصفات الإلهية بعيدا عن المقاصد الغائية للغيب ، أي بتصور تحييزي ، فتساءلوا و تجادلوا : “هل صفات الله لاحقة بالذات الإلهية ، أم هي من ذاته ؟” ! أي بمعنى آخر ، وقعوا في الاختيار بين التكثير و التعديد ، و كلاهما باطل كما سبق و بينا …

كما من أخطاء الظاهرية أن أولوا حديث : “خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ” ، بأن قالوا بأن لله وجه مثل وجه بني آدم ! و في هذا تشبيه صريح لا يليق بجلال وجهه الذي ليس كمثله شيء ، ناهيك عن كون أن ذات الله غير متحيزة على عكس ذات الإنسان ، و انما وقعوا في غلط الخلط بين الغيب و العينيات الذي أبعدهم عن المقصد الحقيقي لهذا الحديث ، و الذي قال فيه أهل العلم بأن تأويله بأن الله سميعا بصيرا متكلما إذا شاء ، و كذلك الإنسان ، مع مراعاة نسبية هذه الصفات في الإنسان ، و إطلاقيتها عند الله ، و قد نذهب بعيدا و نقول : أن وجه الانسان هو قيمه ، و بالتالي قد يمكن أن نقول أن دلالته الغائية هو أن يستقي الانسان قيمه من صفات الله …

و ما وقعوا في هذا الغلط إلا لمغالاتهم في خصومة خصومهم الباطنية –و المغالاة استبداد ، و الاستبداد ضد التواضع و الأخلاق عموما ، و مضل للعقل- ، الذين فسروا حديث الذي يرويه الرسول صلى الله عليه و سلم عن ربه ، الذي يقول فيه : ” مَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ عَيْنَهُ الَّتِي يُبْصِرُ بِهَا ، وَأُذُنَهُ الَّتِي يَسْمَعُ بِهَا ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا ، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَقَلْبَهُ الَّذِي يَعْقِلُ بِهِ ، إِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ ، وَإِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ ” ، أولوه تأويلا حلوليا الذي سبق و أشرنا إليه ، لما قلنا بأنهم فهموا بأن تقرب العبد إلى ربه تقرب الله إلى عبده ، يجعل ذاته سبحانه و تعالى و روح العبد تتحدان ، و بأن ذات الله تحل نسبيا في جسد العاشق العابد في لحظة الفناء ، كما حدث مع الحلاج و أمثاله في تلك اللحظة ، فما كان إلا أن قال : سبحاني ما أعظمني” ! … فقد غاب عنهم بأن الدلالة القصدية الغائية لهذا الحديث : بأن الله إذا أحب عبده ، الذي إذا تقرب اليه شبرا تقرب اليه ذراعا … و هكذا ، فكان تقرب الله اليه بأن يهديه إلى سواء السبيل

فالحاصل إذا ، أنه إذا غابت قاعدة وجوب فض تداخل الغيب و العينيات ، من دون تحييز للغيبيات ، و بتحكيمها على العينيات ، حصل الخلط الذي يفضي إلى فساد الدين …

و لهذا السبب كان العمل الوجداني الصادق المفضي إلى رقة القلب و تسديد العقل ، ليجعله أكثر عقلانية ، أي بمعنى أشمل : أفضى إلى صلاح النفس ، أدى ذلك إلى إصلاح الدين ، ظاهرا و باطنا ، أي وجدانا و فكرا و سلوكا ، فكان تجلي ذلك إلى تمثل القيم العليا في ذاته و سلوكاته …

فالرسول صلى الله عليه و سلم ، أعلى مثل للبشرية في ذلك ، و هو الرسول للعالمين ، و أصلح من رآه الناس و لن يرى الناس أصلح منه دينا ، كان قرآنا يمشي ! …

 

هدانا الله لما فيه الصلاح و الفلاح في الدنيا و الآخرة ، و أصلح حالنا بحكمته البالغة …

 

و الله أعلم

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

رمضان

مرة أخرى يهل علينا شهر رمضان المبارك ، و مرة أخرى يهل علينا و أوضاع الأمة الإسلامية في ترا…