راشد

راشد يسلم :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

في ذلك الصباح قبل أكثر من أربعة عقود .. ربما تناولا القهوة على مهل في الشرفة .. وربما هبطا الدرج بسرعة .. أو ربما عتبة عتبة له .. وعتبتان عتبتان لها فقد كانت على عجلة من أمرها .. ربما غازلها بذكرى صغير من طفولتها فأبتسم في خدها الخجل .. وربما ألقى نكتة بينما هو يعالج المفتاح في باب السيارة فانفجرت هي ضاحكة من الجهة المقابلة .. ربما حدث كل هذا أو لم يحدث ، لكن الأكيد أنه بمجرد جلوسهما داخل السيارة وبعد إدارة للمحرك تحولا هو وإبنة شقيقته إلى أشلاء ..


دوي هائل شق صمت منطقة الحازمية يومها ، هرع جميع من في الحي ناحية الصوت ، قالت زوجته لاحقاً أنها جمعت أحد إطرافه من أسطح الجيران القريبة ، وفي صباح اليوم التالي لم يكتب فارس فارس زاويته اليومية ؛ لأن الصحيفة كتبت عنه في المانشيت الرئيسي : استشهاد غسان كنفاني

هذه الزاوية التي كان غسان يستريح في ظلالها مرة كل أسبوع من عناء الكتابة ومشاق العمل ، لكنها – أيضاً – لم تكن محاولة للإضحاك فقط من أجل الإضحاك والسخرية بهدف السخرية بل كانت نقداً محترماً ورصيناً ؛ لأن الأدب الساخر كما يُعرفهُ ” غسان / فارس ” نفسه : ” ليس تسلية ، وليس قتلاً للوقت ، ولكنه درجة عالية من النقد ” ، كما أنها ليست تقريعاً لكل شيء دون المشاركة في البحث عن الحل ، فمن أجل أن تنتقد بسخرية يقول لك غسان : ” كي يستطيع الكاتب أن ينقد بسخرية فإنه أولاً يجب أن يمتلك تصوراً لما هو أفضل ، أو لما كان يجب أن يكون ” ؛ لذا كان ” غسان / فارس ” يحتفي فيها بكل إبداع وفن وليد مبيناً عن أوجه تميزه ، ومراجعاً بلطف أوجه القصور فيه ، ويسخر حد التشفي من كل ما هو سخيف .. ضحل ورجعي وذلك ” بنشر سنسفيله ” ؛ لأن زاويته كما يعتبرها هو بنفسه : ” ولدت لئيمة وستموت كذلك ” .

وغسان شأنه شأن غيره من الأدباء الفلسطينيين تميزت القضية الفلسطينية : ( التاريخ والشعب ، والمجازر ، واللجوء والتشرد والنضال ) في كتاباته من قصة ورواية ومسرح ، بينما كان هنا في هذه المقالات أكثر انفتاحاً على الثقافة العربية والعالمية ، وهذا الانفتاح لفت الانتباه لا إلى سخرية غسان – المتواجدة بالفعل في جميع مقالات الكتاب دونما تكلف – بل إلى موسوعيته المذهلة ومتابعته الواسعة والدقيقة لأخر تيارات الفكر والفن ؛ فقد ناقش بدقة مجموعات قصصية ودواوين شعرية روايات وكتباً أدبية تاريخية وفلسفية وكتابات مترجمة ، قام بنقدها من عدّة معرفية ثقافية وتذوق فني رفيع لا تلتزم بأساليب النقد الصارمة من تعريفات ومفاهيم ومصطلحات وصيغ ومقارنات بل تهتم بإيصال الرأي النقدي بأسلوب واضح إلى القارئ العادي .

كنتُ قد قضيت معه شهراً كاملاً تعرفت فيها على غسان الطفل .. المغادر لوطنه قسراً .. الطالب المجتهد .. الأستاذ الملتزم .. المغترب بحثاً عن لقمة العيش .. الصحفي المتكامل .. الكاتب البارع .. الرسام الذي لا يعرف الكثيرون عنه ذلك .. العاشق سيء الحظ ، وقبل أن تنصهر كل هذه المراحل في بوتقة مكونة ” الرجل القضية ” اكتشفته ساخراً عبر فارس فارس الاسم المستعار الذي كان يوقع به مقالاته في ملحق الأنوار الأسبوعي ثم مجلة الصياد منذ العام 1968 وحتى تاريخ اغتياله تحت عنوان ” كلمة نقد ” .

وحين أنظر للإرث الأدبي الضخم الذي خلفه ُ وقد مارس فيه جميع الأساليب الكتابية من قصص وروايات ومسرح وبحوث أدبية ومقالات صحفية وأقارنه بالسنوات القليلة التي عاشها على ظهر هذه الأرض ( 1936-1972 ) كثير الانشغال بسبب عمله النضالي قليل الصحة بسبب داء السكر الذي فتك بجسده النحيل ، سيخيب لي أن أقول بأننا قد مُنِحنّا التكنولوجيا وسُرِق مِنّا الوقت والعمق ، فغدت معرفتنا مجرد قشور سطحية ، نحاول سترها عورتها بورقة توت لا تخفي شيئاً تسمى الإدعاء

الكل الآن – بفضل هذه الوسائل – بات فجأة مهتماً بالأدب وبنشر الإقتباسات لمحمود درويش وواسيني الأعرج وأحلام مستغانمي وإن سألته : هل قرأت الديوان .. حسناً دعك من الديوان هل قرأت القصيدة التي ورد فيها الاقتباس ؟ ، هل قرأت الرواية كاملة تلك التي تضع منها هذا الاقتباس ، هل تعرف كاتبها وتعلم ما هي مؤلفاته ؟ .. فأضحينا نتعامل مع الثقافة من أدب وفلسفة وعلوم كما تتعامل نساء الحي مع طقم أواني جديد ظهر في السوق حيث يسرعن جميعاً لاقتنائه للتباهي والإستعراض حتى وإن كنَّ لن يستخدمنه في يوم من الأيام ، ونتيجة لهذا الوضع الشاذ أصبح عدد الكتاب والشعراء يتناسب بصورة عكسية مع عدد القراء ، وصارت مهمة إيجاد قارئ جيد لا تقل صعوبة عن إيجاد قطة سوداء بعينين معصوبتين في غرفة مظلمة .

ولو كان ” غسان / فارس ” هنا لقال لك : ” رجاءاً لا تضع اقتباساً ، لقصيدة لم تقرأها .. لرواية لم تكملها ، لا تساهم في زيادة معدل التضخم الذي تعاني منه ثقافتنا بتعاملك معها كأنها قطعة أثاث أعجبتك ” .

 

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

لماذا لا يُفضَح المزيفون ؟

الناظر لاشتراطات أنطون تشيخوف الثمانية التي يجب توافرها في المثقف، ويقارنها مع دور المثقف …