293126_10151110132632868_1356829808_n

مأمون الجاك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

****

امتلأت روايات غسان كنفاني التي كانت قصيرة كحياته ، بالأسئلة الكثيرة التي تقود إلى أجوبة متعددة ، تلك الأجوبة لا تسد كل منافذ الأسئلة ، بل تفتح منافذ أخرى تطل على مأساة أكبر : اللاعودة ، اللاوطن واللاوجود .

فالأسئلة كانت الطريقة الوحيدة للهروب من معضلة الواقع المظلم والأفق المسدود ، لم يكن يريد أن يكون متفائلا – أكثر مما يجب –  بمصير الوطن ولا متشائما سوداويا ولكن كان متأرجحا بين هذا وذاك ولذلك مثلت الأسئلة الفلسفية والنهايات المفتوحة والروايات غير المكتملة ملاذا آمنا لهواجسه ومخاوفه من المستقبل والمصير المُعَلق لفلسطين ، لم يُرد أن يكتب نهاية لقصة وطن لم تنتهِ بعد .

كان يمكن لغسان أن يكتب روايات أكثر طولا ، أكثر امتلاءا بالتفاصيل . هوامش روايته – برقوق نيسان – والتي اغتيل قبل أن يُكمِلها توضح ذلك ، كل جزء من تلك الهوامش قابل لأن يتسع ” لأن الهوامش تصعد الى النهاية ، الى حدودها القصوى … وتفيض على النص ” *

لكنه كان يكتب من أجل التغيير السريع ، ولتعديل الأوضاع ، مُسابقا للزمن – زمنه هو المقسم بين الأدب والسياسة والصحافة بالاضافة لمرضه – وزمن الوطن فهو يعرف أن كل لحظة تمر على الفلسطينيين وهم في المنافي والملاجئ تبعدهم سنينا عن الوطن ، لذلك فان التكثيف الذي كتب به غسان أعماله مناسبا لغرضه ، فهو  يتيح فرصة أكبر للقارئ لإعمال خياله والتفكير ، كل سطر تتفرع منه أسطر عديدة في ذهن القارئ .

قصصه المتسمة بالغضب والتمرد الذي كان يريد أن ينقله إلى كل الفلسطينيين ، يصرخ فيهم : ابقوا ، لا تغادروا حقولكم ، لا تتركوا بنادقكم ، لأنكم إن فعلتم ذلك فلن تعودوا إليها أبدا … دائما ما كان يربط بين الفلسطيني وأرضه وبندقيته ، هذه الأشياء تعني وجوده وفقدانها يعني أن يفقد هويته و أن يتحول الى نكرة / عدم ، ففي قصة ” المدفع ” يصير مدفع الماشينغن بمثابة معادل وجودي لسعيد الحمضوني ثم خلودا له بعد موته .

لذلك عمل غسان دوما على توضيح عاقبة الهروب من الوطن – حتى لو دُفِع الفلسطينيون لذلك دفعا – سواء كانت تلك العاقبة الموت كما في نهاية روايته ” رجال في الشمس ” : حينما يموت ثلاثة لاجئين اختناقا داخل خزان شاحنة كانت تُهربهم إلى الكويت ، ثم يأتي السؤال : لماذا لم يقرعوا جدران الخزان ؟ ذلك السؤال الذي يبدو لوهلة تعاطفا معهم من جانب ” أبو الخيزران ” لكنه كان إدانة لهم من قِبل الكاتب .

أو كانت التعرض الذل والإهانة والخداع من موظفي الحدود والمهربين ، وحتى نظرات الاحتقار من العرب وتقاعسهم عن مساعدتهم ، بل وحتى خيانتهم كما في قصة ” القميص المسروق ” : ” ثم إن المال ليس حلال أحد ، لقد أتى من هناك ، من عند ناس قال عنهم أستاذ المدرسة لعبد الرحمن أنهم يقتلون القتيل ويمشون في جنازته ” ، أو الوقوع تحت وطأة تأنيب الضمير والإحساس بالذنب كما في قصص ” شئ لا يذهب ” و ” منتصف آيار ”  .

تتراوح أعماله القصصية والروائية بين لحظتين / نقطتين : الماضي والحاضر ، ما قبل وقوع المأساة وما بعد اللجوء والهروب ، انه ” يريد الالتفات الى الماضي تجنبا للأخطاء التي وقعت فيه ” ، فالوطن في أذهان اللاجئين لم يعد سوى ذكريات وأحلام واهمة بالعودة … لذلك عمل غسان على خلق وتكوين الفلسطيني القادر على استعادة أرضه بالقوة ، آمن طوال حياته بأن الوصول الى النصر بأيدي الفلسطينيين أنفسهم ، وليس عليهم أن ينتظروا أحدا ليمُد لهم يد العون ، مقولته : ” يستطيع الإنسان الذي فاته اختيار ميلاده أن يختار موته ” كانت ردا لأولئك المتخاذلين والعاجزين الذين يرمون بأسباب مأساة فلسطين على القدر وتخاذل العرب ، أراد غسان إزالة هذا اليأس ومحو هذا الهوان فأكد هذا المعنى بصياغة مختلفة في قصة ” قرار موجز ” : ” طالما أن الانسان دُفِع ليعيش دون أن يؤخذ رأيه بذلك ، فلماذا لا يختار هو وحده نهايته ؟ “

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

مساع عبثية: المحاكاة

      نعرف؛ منذ بورخيس ورولان بارت، أن كل عمل فني متشظ زمنياً، وأنه لا وجود لذلك العمل الك…