58116_522357497810988_1234224935_n

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

قالت:

” خمسون عاماً قضيناها معاً لم نربي فيها قطاً, ولم تكن القطط تروقها فكرة زيارتنا, أو حتى التسلل إلى المطبخ ليلاً, فقد كنتُ حريصة على إرضاء زوجي بحرز الطعام جيداً, والتخلص من بقاياه (هذا يحدث نادراً) حتى لا نترك لها سبباً للفضول وإشباع جوعها. ورغم ذلك, وكأن القطط تتعمد إغضاب زوجي الذي يبغضها, كانت تتسلل إلى البيت عبر الفتحة أسفل الباب الخارجي, أو من أعلى الجدران, كانت تتشاجر كأن لا غرض لها سوى جذب انتباهنا, فيسبها زوجي بأقذع الألفاظ, حتى أنه لا يراعي إزعاج الجيران, وكان لزاماً عليَّ مؤازرته وإظهار غضبي أيضاً, أما الغريب حقاً فإن هذا القط لم يكن من بينها!

إنني حين أذكر المرحوم زوجي أشعر بقلبي يتقطع نتفاً, حتى إذا ما مشيت تساقط مع وقع خطواتي, فأطأه دون شعور, أيشعر المرء لو لم يكن له قلب؟! .. مات قبل أسابيع دون أن يخبرني بنيته في الرحيل, إنها أول مرة مذ تزوجنا, ذلك الزواج الذي دام شهرين بلياليهما, يا لدفء الذكريات! يا لبؤس اللحظة! ويا لحلمي المستحيل بأن يعود للحياة. لقد أخبرتني حاجة (سعاد) وهي كبيرة نساء العائلة, وصاحبة الرأي النافذ, والكلمة الماضية التي لا تُثنَّى –أخبرتني (أن الإنسان عندما يموت فإن جسده فقط هو الذي يبلى ولذلك ندفنه في التراب, فكل ما يبلى من الأفضل دفنه في التراب, أما روحه, هذه التي لا تُرى ولا تُحس ولا تُشم؛ فهي باقية بيننا, قد تكون روحاً حرة بلا جسد, وقد يحلو لها العيش في جسد حيوان, ككلب أو قط, فالأرواح بعد موت أجسادها تصبح مرحة كالكلاب) هكذا قالت, وأظنها على حق, وإلا لماذا ينقبض قلبي كلما إصطدمت عيناي بعيني هذا القط؟!

 

كان الوقتُ صباحاً وكنت وحدي أصنع كوب قهوة, وفجأةً, كأنه وُجد من اللاشيء, أو كأنه انبثق من الأرض كالعفاريت؛ رأيته بصوفه الأبيض اللامع, الذي يبدو كالثلجٍ عندما يعكس أشعة الشمس, ووقفته المميزة, ذُهلت وبالغتُ في الذهول .. هناك شيء غامض عن هذا القط, إنه لا يطلب طعاماً ولا يشتمِم رائحة اللحم كما هي عادة القطط, بل يقف هكذا, كمن يزن كلامه قبل التحدث بأمر مهم ولم يفرغ بعد من مشاورة عقله, ثم جلس على مؤخرته, وضع قدميه الأماميتين بشكل متقاطع كأنه خَلَفَهما عن عمد وقصد ليبدو لي مثل المرحوم, وركز نظرته تلك بمزيد من الحزن واللوم والأسى, وبدا لي تماماً مثل زوجي حينما ينتظرني لآتيه بكوب القهوة, وحينئذٍ, وبلمح البصر, إختفى القط الأبيض كملاك ظهر في لحظة إيمان خاطفة واختفى بزوالها. وغشتني لحظة وعي أدركتُ فيها أن سبب هروبه إنما لانفلات كوب القهوة من يدي, وتطاير قطراته في الأنحاء.

 

إن حاجة (سعاد) تصدق كثيراً في قولها, أما أن تصدِّقها أفعال الطبيعة؛ فهذا ما لم أفهمه. حادثة المطبخ جعلت حلمي المستحيل يبدو أملاً ممكناً, أو فلنقل إحتمالاً ممكناً. ماذا يعني أن يتحول شكله إلى قط؟ لا شيء .. لا شيء البتة. إنه لمن الجميل أن يعود الأعزاء إلى الحياة, فقط هذا هو المهم, العودة, وعندئذ سنقبل بهم لو كانوا فئراناً أو خنازير أو حشرات, إنهم صاروا أعزاء لأنهم امتلكوا قلوبنا ولم يمتلكوا عيوننا. ثم إن موتهم كان فرصة جيدة لتصفية الحسابات بيننا, إننا في الغالب ، بل دائماً نغفر لهم طالما سميناهم “أعزاء” لذلك لن ينشأ سوء الفهم. وربما لهذا السبب هم يؤثرون أن يعيشوا في أجساد حيوانات لا تنطق, وربما لهذا السبب بالذات إختار زوجي العزيز أن يحي في جسد قط، لابد أنه تسامح مع القطط بعد الموت, وربما كان قراره باتخاذها جسداً بمثابة اعتذار لما بدر منه من سوء تصرف معها في الماضي, إذن, لقد عاد زوجي للحياة .. يا لفرحتي ! يمكننا صنع مزيداً من الذكريات الجميلة.

 

في الأيام التالية تغيرت نظرتي للقط الأبيض, واستطعت أن أفسر نظراته وأفهمها, كما كنت أفسر نظرات المرحـ… أقصد نظرات القط الأبيض عندما كان بشراً. وأحياناً, عندما نستدعي ذكرياتنا الطريفة, تبدو على عينيه ضحكة, أنا أفهم ذلك يقيناً, لكان يقهقه الآن لو أن من عادات القطط القهقهة. ثم أُطعمه شريحة لحم حمراء بالكامل, شويتها نصف إستواء بيدي هاتين وبهما أطعمه, لقد استطاع زوجي العزيز تطويع طبع القطط الحذر, لطالما أحبني. قال لي ذات مرة (إن الحب يجعل المسافة بين السماء والأرض خطوة صغيرة) وها هو ذا يُجري تعديلاً على الطبيعة نفسها, قِطٌ يتزوج بشرية …!

 

في الحقيقة, لم يكن القط الأبيض زوجي بالكامل, أقصد مثلما كان يفعل وهو بشري, فبالرغم من أنني وجدت طريقة ما لتقبيله واحتضانه رغم ورورة تنفسه, إلا أنه, عندما كان بشراً, كان رائعاً في الفراش, أما الآن فأنا أشتاق لذلك الالتحام المقدس, إنني بشرية وهو قط, لا مجال لأي علاقة بيننا. لابد إذن من حل, إما أن يعود بشراً, أو أصبح أنا قطة .. نعم, هذه هي الفكرة التي أحتاجها, هناك طريق واحد لأصير ما أريد, الطريق الذي مضى منه المرحـ… أقصد القط الأبيض”

بعد أيام كان نصف أهل القرية عازمين على أن يكونوا قططا أو كلاباً باستثناء حاجة سعاد.

تعليقات الفيسبوك

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…